موقع الأديبة د.فليحة حسن

الموقع الرسمي

Archive for the category “مقـالات”

– * أقرأوا الشاعرة فليحة حسن – ياسين النصير

أقرأوا الشاعرة فليحة حسن   – ياسين النصير

د - فليحة حسن

ياسين النصير
ياسين النصير

لم يدر بخلد أحد منا أن يلتقي يوما بشاعرة لا تسبقها دعاية ما، فليحة حسن الفتاة النجفية السمراء، تقتحم قراءاتك دون استئذان بديوان شعر صغير، 37 صفحة، وبـ31 قصيدة قصيرة، شاعرة تتلمس طريق الفراشات إلى حقول الشعر،لا تفتعل اللغة، ولا الصورة، ولا الكلمة، بل تجد ما تريده منساباً بتراجيديا حزينة دون تعقيد. هذه الشاعرة الكريمة كأي واحدة من أدباء العراق الشباب تتحفك بمجموعة أو أكثر من نتاج الشعر وهي لا تدعي أكثر مما تقوله قصائدها، وخلال متابعتي لها ولغيرها من الشاعرات لم أجد لهن فسحة في صحافتنا الثقافية إلا قليلاً، فقد سد مشرفو الصفحات الثقافية عليهن النوافذ بصداقاتهم وحقولهم المجدبة الصغيرة المعاني، وتركوا الشاعرات خارج السرب،
على العكس من إحتفاء الثقافة اللبنانية والمصرية والسورية والخليجية بشاعرات أقل موهبة من شعرية رسمية وفليحة ونجاه وغيرهن. تتحدث الشاعرة فليحة حسن في ديوانها الصغير/الكبير، زيارة لمتحف الظل عن خسارات جيلها، في الحب، في البيت، في الحرب، في الهناءة، في القوت، في الرغبة ، في أن لا يموت أحد موتا مجانيا. لتؤسس إلى مثيولوجيا جديدة مادتها ما حدث للعراقيين بفعل الحروب. – الشاعرة وقد تعرفت عليها في مهرجان المدى في أربيل -لا تطلب منك سوى أن لا تترك دواوينها في الفندق حينما تغادر- كما يفعل الكثيرون-لأن ما في القصائد القصار صخب مرحلة وشواخص لا يمكن العبور عليها، ورؤيا مثيولوجية معاصرة. فليحة بديوانها الصغير الخجل، كأي طائر، تحلق بصوت عال لتتحدث عنا جميعا، نحن الذين تركنا أجسادنا في متحف الظل العراقي، هناك حيث رسومنا الظلال تقرأ ما نحن فيه، ثم أغلقنا الباب على أنفسنا دون أن نسّر أحدا بمكان مفاتيح الأبواب، تأتي فليحة فتجعل القصيدة مفتاحا لكل باب، لاأدري كيف قارنتها في لحظة وأنا أستمع إليها في أربيل، عندما حضرنا مهرجان المدى، بالشاعر المهم في الشعرية العراقية شيركو بيكس، فيلسوف الحجر والشجر والينابيع والجبل والأشياء والعطور الشاعر الصوفي الأممي الذي يحوّل تراب كردستان إلى ثراء شعري، فقد وجدتهما معاً بالرغم من فارق العمر والتجربة، يعتمدان مفردة لجدلية الموت والحياة،فهي الأكثر حكمة، فكلاهما ينأى بقصائده عن نثر المعاني، ويذهب إلى شعرية الصورة. ما يحسسك بهما أن فليحة شاعرة يومية مألوفة النغمات، عذبة كنسمة ترطب جو العيون، وتحيط نفسها بثوب الألفة العاشقة في قرابة الصور، بينما شيركو يحلق كطائر جبلي عنيف في أعالي الأحداث ليجمعها في بوتقة تاريخ ومناخ وأرض كردستان. فإذا كان ثمة حمزاتوف عراقي جديد، ذلك هو شيركو بيكس.وإذا كان ثمة مغنية صمت لشعرنا الحديث فتلك هي فليحة حسن.
كتابتي دعوة لقراءة فليحة حسن الشاعرة، وسماع صوتها الغنائي العذب الدفين وهي تنشد أحزان جيلها، شاعرة الأيام القادمة للقصيدة النسائية. أقولها وعمق دلالات ديوانها شواهد.
1
تفصح استهلال قصائدها التي توزعت بين الحروف والأسماء والأفعال بشكل متقارب، عن اعتباطية شعرية تحكمها صورة ذهنية مسبقة، واستهلالات من هذا النوع واخزة مشحونة باللحظة ولذا يكون ما يأتي بعدها قصيرا ومكثفا ولحظويا، ليس فيها ما يولد أو ينمو إلى أبعد من القصيدة نفسها، لذا تكون بحاجة إلى دربة أعمق للبدايات، تشعر وأنت تقرأ قصائدها أنها مقطوعة من سياق سابق، وكأنها نتوء يبرز في الطريق لا يمكن تجاوزه، القصيدة عندها تكملة لما سبقها، أو تواصلا لجريان لم ينقطع جاء لها في لحظة تحوله إلى صور بكلمات. بمثل هذا الاستهلال المكثف تعيد فليحة حسن إلينا أغنيات مفجعة سبق وأن عشناها سماعاً ولغة ومشاهدة وكأن القصيدة عندها محطات توقف في مسار طويل، لذا فجديدها هو صياغتها بحاسة المتحفية، حاسة العتق التاريخي للحال.
في دلالة العنوان ( زيارة لمتحف الظل ) تنقلنا فليحة من الجسد إلى الظل،من المرئي إلى اللامحسوس، من الولادة إلى الموت، ومن العلانية إلى الاختفاء، هذه الظلال التي تتشكل لغة مقروءة هي أعادة صياغة لتاريخ حالة ما، فالمتحف مختص بظلال الأحداث،وليس بالأحداث نفسها، لأن الأحداث لما تزال تترى وتعاش ولم تنته بعد في حين أن ظلالها هو ما يجب وضعه في تلك الأقبية الزمنية/ المكانية كي تُرى من قبل الأجيال.
(أيامنا مرهونة في قبضة التابوت
ها نحن نجلس خلف أكياس المخاوف
…………
والرب ينأى
بات أبعد من مدارات التكهن
بالوصول)
لا طلب نجاة من أحد حتى الله تخلى عن العراقيين
ولذا فكل الظلال تاريخية متحولة إلى أمكنة مادتها أننا نحيا في تراكم المحن. أما نحن، الزائرين لمتحف الظل، فسنجد هناك، قتلانا في الحروب وما فقدناه في الحياة، وما سوف نفقده أيضا.
2
الشعر العراقي مبادر إلى اكتشاف أمكنة وثيمات جديدة، مضمخة بالمثيولوجيا، وهذه طريقة بدأها السياب وتمعقت في الشعر وعدت جزءا من حركة الحداثة الأولى، لكن الأسطورة والمثيولوجيا التي قدمت لأول مرة نيئة في شعرهم كما هي ، في حين قدمت في الحركة الثانية للحداثة وهي تتداخل مع سياق المجتمع حياتيا وسياسياً أصبحت لغة وصورة متداولة ومألوفة ويومية، مثيولوجيتها معيشة ومؤولة ومعروفة وعن استعادة أجزاء من التاريخ كما في قصائد أدونيس وكريم كاصد وفاضل العزاوي. الشاعرة فليحة حسن تستعير المتحفية والظلال القديمة كأرضية تفرش عليها وسائدها لكنها تمزج بين أفلاطون في رؤياه المثالية والمثيولوجيا الإسلامية في رؤياها الدينية، وهذه نقلة جديدة في استثمار المثيولوجيا في الشعر،عندما لا تقدم الشاعرة المثيولوجيا كحدث مستقل- الحركة الأولى للحداثة-، وعندما لا تستثمرها كدالة على وضع- الحركة الثانية للحداثة- بل تجعل منها صورا جديدة، مستلة من أحداث واقعنا وما جرى لنا في الحروب. في هذا الديوان الصغير أشعر لأول مرة أنني أقرأ أحداثا مثيولوجية توضع في المتحف ونذهب لمشاهدتها ونعيش لحظاتها ثم نغادرها تاركين ظلالنا معها. فالشاعرة لا تستعيد مثيولوجيا، بل تولد مثيلوجيا عراقية جديدة.
(أيامنا مرهونة في قبضة التابوت
ها نحن نجلس خلف أكياس المخاوف
ساهمين
لنعد ما يبقى
من الأطراف في جسد الحياة
والأرض صارت تعلك الأجساد
تبصقها شحوبا للعناء
والرب ينأى
بات أبعد من مدارات التكهن
بالوصول).
هذه مثيولوجيا وليست قصيدة عن حال، إنها تجسيد لسلطة الفراغ بين أن نكون أو لا نكون، حتى أيماننا الذي يهيمن على مقدرات الدولة لا معنى له، هذه مثيولوجيا حديثة ليس فيها آلهة أو بطولات خارقة كل ما فيها أناس من زماننا هذا، ولدوا فوجدوا أنفسهم في حروب دائمة، مثيولوجيتهم أنهم يعيشون هذا الزمن.
3
في مفردات عنوانات قصائدها، تجد سعة الرؤية،فالأبواب المتعددة للدخول إلى مملكة الجسد،طرق مثيولوجية، حيث لا يوجد في المتحف غير الجسد، الجسد بمعناه المثيولوجي وليس بمعناه الكمي من أنه عدد من كيلوغرامات اللحم، هذا الجسد المثيولوجي الخفي الآتي من الحروب والسجون والاختفاء والقهر والتعذيب يمتلك مساحة من الرؤية هي القصائد، فالجسد كيان غائر وسري ودفين، أعد قراءة العنونات تجدها دعوة صريحة للدخول إليه.
الأبواب مداخل للجسد. الشاعرة تلغي الأزمنة، لا حدود وفواصل لرؤيتها لسنا إلا أناسا نتبادل الأقنعة عبر التاريخ، فما حدث في الأساطير يحدث في واقعنا اليوم، مثيولوجيا القدم تجد من يمدها بمثيولوجيا اليوم.فنحن نتبادل الأقنعة.
(الأساطير مرآتنا الكاذبة
ولي غاية في التفتت
كي يستعاد بناء الصروح
والسراب الذي قد تسمونه بالسراب
سيتعبه الركض في المستحيل
فيصبح نحن
أو
….. تتبادل الأقنعة).
4
تسعى الشاعرة الى تكوين بقعة خاصة بها في الشعرية العراقية هذه البقعة مؤلفة من ثلاثة مفردات هي:

الروح
الجسد
القارئ
هذه الثلاثية هي نواة حية للخلق وتجد في كل القصائد ما يدل على هذه الثلاثية!

Advertisements

– * فليحة حسن و إشتغالات الظاهرة الفراغية – جبار النجدي

فليحة حسن و إشتغالات الظاهرة الفراغية – جبار النجدي

د - فليحة حسن

د – فليحة حسن

جبار النجدي

جبار النجدي

إن أهم مشهد نتلقاه من الفضاء الشعري للشاعرة فليحة حسن هو محاولة تعويض الفقدان الذي لا يمكن استبداله بأي جهد، عبر استحضار صورة المرأة المشدودة الوثاق لأثر الرجل الغائب وبالتالي إعادة توجيه النظرة إلى ما يترتب عن تشغيل وظيفة الاستحضار للبنية المتنحية، فيتحول الشعر إلى تمثيل إنتاجي لشيء مستبعد، لاسيما وأن حضور الرجل يتخذ منزلة الحب الأسروي المفقود. إن ما تولده الحروب من توتر وتغير يتحول بالنتيجة إلى اغتراب وشعور بالوحدة، خاصة وأن الحروب هي بالدرجة الأساس عقاب جسدي جماعي تتسع مراميه لخلق ضروب من اضطرابات النفس واختلالات العقل، الأمر الذي يدعو المرأة الشاعرة لسد هذه المنزلة الفارغة بالشعر، ولعل هذا الأمر يمثل ميداناً حقيقياً لحلول الشعر بديلاً عن الجسد الغائب، فلا مناص للمرأة الشاعرة من الغوص في بواطن الشعر المنشغل بالجسد الغائب، طالما ظل الرجل من ممتلكات مشعلي الحروب، وهكذا تتشكل اشتغالات الشاعرة فليحة حسن من أحاسيس تهرع وأخرى تنتظر الكارثة، لتقف بمواجهة نسخ مكررة من أصل المأساة التي تفرض منطقاً غريباً وهو الإصرار على إدامة الحياة ببدن واحد، وتلك هي أهم مكونات الاغتراب في شعر فليحة حسن، فالرجل لا يمثل في شعرية الشاعرة سوى صورة الحياة القصيرة القاسية، وانطلاقاً من ذلك يتحتم على الشاعرة مواجهة التحديات ومن بينها مليء الفراغ بالجسد الشعري الأنثوي، وأمام حياة الرجل هذه والتي لا تكون إلاّ ذكرى وانعكاساً آفلاً، تتجه المرأة الشاعرة إلى إعادة اكتشاف الفضاءات الفارغة ونحت الأجساد الإنسانية فيها اعتماداً على شاعرية تعتمد البرهان المظلل لأثر الحضور، ومواصلة الاشتغال الشعري الذي من شأنه ان يحوّل الشعر إلى كثافة جسدية وإنتاج مكان إضافي للنمو الأنثوي في عالم فارغ من جسدية الرجل، لذا تكون صورة الغربة حاضرة بالضرورة في الاشتغالات الشعرية للشاعرة (فليحة) وهي تنتج هذا الضرب من الشعر الكامن وراء معنى الانتظار. إن الاشتغال الشعري يثير الانتباه إلى ما نستطيع تسميته بـ(الظاهرة الفراغية) في الشعر، وهي ظاهرة لها لسان شعري من نوع آخر، منشغل بمعالجة تبديد القوة الجسدية للرجل بأفعال تقترب من العبث واللعب مع الأقدار، وهو معطى شعري فارغ من أية حميمية، لكنه واقع في صورة الجسد الرجولي الذي تمزقه الحروب فلا تتلقى المرأة من شظاياه المتناثرة سوى الانطواء والعزلة بعد إمحاء موجوديته التي يتملكها سواه، حيث تبرز الهيئة الجسدية التي تنتج شبحاً حاملاً لسجل الأجيال الدامي ومرغماً المرأة على الترقب واجتذاب هواجس الفزع الموصولة بجذور التصورات الكارثية: تلك علامات صبح آفل
تقول التي
لم تزل للآن
تسوي غطاء السرير
وتحلم ان سيجيء
بواحدة من ليالي الحنين
تشعل عود ثقاب
تطفئه
تلك بقايا سنين ذوت
————-
————-
————-
تقول أخته: قبل حربين
كنت أوسد رأسي لصدر حنون
ما عدت أذكر
كيف وجدنا عظام القتيل
وكان أبي
يدافع عن بعض أرض سراب
ويسأل ظله،
لمن هي في الأصل؟
يلتقط الشعر صورة تخمينية للرجل الشبح في محاولة لترسيخ مناعة الأنثوي في الرجولي الذي يسمح للأنثى بإدارة ذات الذكر، هذا التعاقد الأنثوي الذكوري المنحوت في الفراغ هو سمة لشعرية المرأة التي استوفت شروط الشعرية بغياب الرجل وجسده بوصفه مشروع غياب تتبناه الحروب، ولكن تواري الجسد الذكوري يسمح بحلول الجسد الأنثوي الذي يعمل على إيقاظ الحواس الأنثوية بدلاً من إماتتها، لذا تصبح مسألة الإنصياع لمحنة الرجل بمثابة تحرر من تبعيته، لكنه التحرر الذي يسمح بالاتصال الجسدي مع الروح الهائمة، هذا الاستمرار الشعري الذي تحتمه العلاقة مع الغائب، وان كان غياباً، لكنه يشكل حصوراً لبنية الشعر، التي تستجيب لغياب الوظائف الجسدية، وتكوين الأواصر معها، حيث يتحقق المعنى في غير صورته المألوفة:
صار يشدّ عليّ غطاء الدفء
فأقرر:
سأعلن حربي
واليوم
أبصرت الطفل المهووس بقربي
يرفع عني غطائي
ينظر صوب الأشياء الناضجة
ويمد يداً نحو الرأس الأتعبه الركض
في دهليز الحرب
————-
————-
————-
مذ كان لي والد
قد بيع للثكنات …. السواتر
ومذ كنت أبالغ فيك
فأرسم كفاً أصافحها
رغم شدو السياط فوق جدراننا
————-
————-
أيه (محمد):
لو كانت الأرض مربعة
لاختبأنا بإحدى الزوايا
ولكنها مدورة
لذا يجب ان نواجه العالم
ولكن هل تفلح الأقدار في تصحيح أخطائها؟، وعلى الرغم من أن الأقدار لا يقوى على بطلانها أحد، غير أن الشاعرة عاجزة عن مقاومة رغبتها في الحلول ببقايا إنسان، لعل الدور الإيهامي الذي يمارسه الاشتغال الشعري هذا والذي ينشئه الغائب في الحاضر يتعلق بملكة الحلول التي تحتوي على متضمنات، من بينها تحويل الشعر إلى سلوك اتصالي، يقوم بدور المنشط للذاكرة، مستثيراً خبايا الغائب أو شكل نهايته وهو دور إحالي وليس دوراً ختامياً انه يشير إلى ما يتلوه ويستغرق في لذة إنجاب أثر لما هو غائب، أن الشيء الغائب يكون مستحيلاً، إنه قابل للمبادلة بغيره:
يا هذا المستوحش أبداً
في غابات تمطر تيهاً
لا تعبث بتراب الصورة
أو وهج حصاها
فاللوحة لغراب هائم
أكمل تأثيث منافيه
وعلى الرغم من ان الأنوثة الحزينة المنكسرة في قصائد المجموعة لا تحصل على اعتبار إلا إذا كان موصولاً بغياب الرجل مما يولد اغتراباً في مشاعرها ويزعزع قيمة وجودها وهو تصور يتأسس على مبدأ التفاعلات الجسدية الناقصة، التي توجب إطلاق سلسلة من الاستحالات ومن بينها إعادة إنشاء الجسد الشعري في الفراغ ومحاولة حذف الأخطاء عبر هاجس التصحيح، غير ان استحالات الشاعرة المتمثلة في استحضار الغائب ما هي إلا صور ترتدي أشكالاً للذكرى، وان هذا ليعني إذن بأنها تشتغل عكس منطقها على افتراض ان لكتابة إنتاج ليس مستقلاً عن الفرد، ولكن هذا التأسيس هو في حقيقة الأمر متأسس على مهارة تحويل الدلالي إلى طيفي وهو بالنتيجة نفي لموجودية الإنسان والاشتغال على جدلية (اختفاء الظهور) والتي لا تفترض أناساً لا يراهم الشعر إلا بجسد كامل، بمعنى ان ظهور بدائل للأجساد هو إخفاء لها، لكنه إخفاء مضاعف وتعويض من شأنه ان يولد أملاً:
لو كان القلب شمالاً لاستمتعتم ببرودته لكن جنوبيته تأبى
إلا ان تهديكم جمراً
اختراع نهراً وأصيد الظمأ
أن أغني لفرحة قاتلي
في حداد روحي أرتدي البياض
وبالمقابل فأن ثمة طرق أنثوية في التعبير الشعبي تشف حزنه وامتثالاً للذكرى ولوعة مشبوبة بالوفاء لمن غاب، لدرجة أن المرأة قد تعامل جسدها حزناً بمنطق ما يعامل به جسد الرجل في الحرب، بوصفها الأكثر إحساساً بأهمية الجسد، ولذلك فهي التي تعيد إنشائه بعوامل التخييل على صور شتى، وأني لاعتقد ان الشعر يماثل كل ما هو قادر على إعادة الإنشاء، اما الفارق المثير للاهتمام فهو إعادة الإنشاء غير المستقلة عن ذات الفرد الغائب والتي بوسع المرأة ومن خلالها ان تمتلك أسراراً شعرية:
بين الوجه وبين الناس
فيقذفني المنفى
للمنفى
والحرب الأولى
للأخرى
وأعود أيمم وجهي
شطر المرآة
مرآتي:
هل يوجد في هذي الأرض
أكثر حزناً مني؟
فتهز الرأس
لابد من ان ينتهي المطاف الشعري بإثارة مشاعر الغربة في نمط من التعبير الشعري المنشغل بالعودة إلى شيء ضائع لكنه يشغل مساحة الأنوثة الشعرية بآليات اشتغال تعتمد الخيالي لا الوهمي. أن اشتغالات الشاعرة فليحة حسن تكمن في توجيه سلوك الشعر من سلوك يبحث عن متلق لأمنيات يتمناها إلى اشتغال يبحث عن إشكالية صادمة لدى المتلقي وهو سلوك أي كائن ينتج معنى أو دلالة فلابد له من تفكيك المواثيق والثوابت بالمعنى الذي يرفض الاستقرار والوقوف على شيء بعينه.

– * الحلم الضائع فليحة حسن تلهم الاشياء – غالب حسن الشابندر

 الحلم الضائع فليحة حسن تلهم الاشياء         غالب حسن الشابندر

fa

غالب حسن الشابندر

 (حزينيا أو نقص في كريات الفرح) هي المجموعة القصصية الا ولى للشاعرة العراقية فليحة حسن، صدرت عن دار () وكان تصميم الغلاف من إبداع الفنانة العراقية (عفيفة لعيبي)، والسيدة فليحة حسن شاعرة عراقية نالت العديد من جوائز التقدير لنشاطها الشعري المتميز بالقوة والخصب والروح والتوتر، ولها إسهامات فنية بارزة في عالم الأدب، في النوادي والمحافل العراقية التي تشهد منذ سقوط الديكتاتورية فعاليات مستمرة تتسم بالقوة المشرقة والحضور الحي، الأمر الذي ينبيء عن مستقبل عراقي متألق على صعيد النشاط الثقافي والروحي والفكري.
تضم المجموعة أربعة عشرة قصة قصيرة (إغفاءة على هدب عينيها، حزينيا أو نقص في كريات الفرح، في إنتظارها أموت، سندرلا الرمل، إشارات، إمتدادات يوم معطوب، سر المرايا، طوق الحديد، إينانا ويستمر الاحتراق، الشاهدة وجه آخر للبرد).
تصر السيد فليحة حسن أن تنتمي إلى فن القصة بملكوتها الجديد، حيث تتحرر من عبودية الحبكة المكثفة على شكل حدث، لتحيلنا إلى حبكة الحدث المنتشر، أو حبكة الحدث الحاضرة على إ متداد السرد، وهي بذلك تجعلنا نعايش حدثا واحدا ولكنّه يتوزع بمهارة فنية شاعرية شفافة وحارقة على جسد السرد كله، فالحدث روح والسرد جسم، والروح تتنقل بحركة ساخنة على كل ذرات الجسم. فيما تشكل الفكرة بوصلة التواصل بين الحدث والسرد، أي بين الروح والجسم، وبهذه الطريقة الفنية الجميلة يتشكل هيكل الإنجاز، متميزا منفردا.
في (حزينيا أو نقص في كريات الفرح) يلتقطنا الحدث ليصهرنا في روحه المتوثبة حزنا، والسرد وإن كان يعبر عن (أنا) مكثفة ولكنه يتوزع بين هذه الأنا والآخر كقضية ملحة وساخنة، تستوجب من القاري والناقد على حد سواء أ ن يلاحق الحدث المتوزع بين الطرفين ليصل إلى نتيجة، ليس لأن الحدث بحد ذاته يشغل آخرين وليس فليحة حسن وحدها، بل لأن الحوار يشكل عمقا في الرؤى، وتصورات عميقة عن ا لمآساة، وكل من الطرفين يملك شخصيته وهويته الخاصة، مما يستدعي الصراع والتوتر الحادين. ولكنه في النتيجة بين طرفين، أحدهما يشعر بالضعف و الأخر بشعر بالقوة، والإحالة هي أكداس الماضي وا لموروث المترسخ في أ عماق اللاوعي الاجتماعي المذهل والقاهر.
هناك صراع بين قوة الكسل، وضعف الجدية، صراع بين أصالة المشاعر وقسوة العضلة، صراع بين الصبح البازغ والنهار الكسول، وكل ذلك هو صراع بين روح تغلبت على جسد، وجسد تغلب على روح، فما أ بعد ا لشقة بين الطرفين، وكيف لهما أن يشقا طريقهما في هذه الحياة؟
ــ العاشرة أعلنت عن نفسها وهو لما يزل نائما، منتشيا،ككل يوم بكسل إشتراه بعمري، وصار أن تبادلنا الادوار ـ قسرا ـ هو ينام إلى ما تيسر من الوقت وأنا اركض لاقمة ثوبي بفمي….
يلعب الرمز هنا دوره في سرد فليحة حسن، الرمز المادي الذي يخفي وراءه عالما كبيرا من المثال والخيال، فالزمن هو العاشرة صباحا، ولكنه هو العمر كله، بما ينطوي عليه من حقيقة روحية ساكنة خلف الجلد واللحم ولكنه متوهج بالمشكلة، ثائر على الزمن الممتد لهذا التوقيت المحلي البسيط.
ينحاز مصطلح الإنتصار إلى الوهم في (حزينيا) فيما ينحاز الإنتظار الى الحقيقة، لان لا شي في ضمير (السارد) سوى الانتظار، ولكنه على مضض، وعلى أمل أن يكون هناك حدث ما يغير المعادلة ويقلب الموازين، ولكن كما يبدو لا نتيجة.
حب تصنعه الضرورة لا يدوم (هل الحرب وحدها قادرة على لصق أذاننا بهمس العشاق، ودوي القنابل معا، فإذا رحلت سكن كل صوت)!
مثل هذا الحب يترجم كل الحياة المشتركة بـ (كفى) كمدخول كامل وحصري لأعمق علاقة تصنع الوجود.
ــ أعرف أنك زوجتي وكفى.
كان الرمز المادي حاضرا بقوة، ولكن يختزن بقوة أيضا الحقيقة المخفية، تراود نفسها من بين ثنايا الرمز لتعلن أنها هي الواقع، وإن (فليحة) تتكلم خائفة ليس من الوشاية، بل من الواقع ذاته.
ــ هو ينام الآن مستلقيا على جانبه فيحتلني،إيهٍ من هذه اللحظة، إذ لا درع يقنيني من سليل الذكريات.
إحتلال جسد لروح، وهيمنة ظل على شاخص، وتمادي وهم بتورية الحقيقة الساطعة، وهناك تضيع الحياة!
ــ ها قد أتعبه النوم على جهة واحدة، هو ينقلب ليواجهني بوجه لا أعرفه،فأصرخ في داخلي: من هذا؟
إنه هو، تعرفه جيداً، ولكنها تعرفه بإسمه لا بسماه، ضاع في داخلها، وضاعت في داخله، ليحتل الفراغ كل هذا الوجود.
في عملها (ليس من حقك أن أ تلاشى) نلتقي بتجربة أخرى، ولكنها تلتقي بكل بسابقتها من حيث الجوهر، هي قسوة الحياة عندما تفرض معادلاتها بغير إرادتنا، فمثل هذا القدر الجاسي يقود إلى (تشيء) الروح، وتحويلنا الى سلعة من دون أن نشعر في كثير من الاحيان بأننا تحولنا إلى سلع، وهي مآسآة أقل وجعا فيما لو علمنا ذلك ووعيناه، وفليحة كا نت تشعر بإن هناك ضغطا هائلا يحول دون ممارسة روحنا لحقها من الحب والحياة!
ــ وأطرق خجلا وأريد أن أخبره بأني لم أُصب يوما بالتبلد العاطفي غير أنهم يجعلوني أتجه صوبه وأنخرط به مرغمة.
تلك هي مآساة الكثير من البشر في عالمنا اليوم، وإذا كانت هي نتيجة غير منطقية لتيار الحياة كما أرادها الله، فإنها تأتي لأسباب كثيرة، يبدو إ ن السارد هنا التقط منها ما يتصل بنا نحن ابناء الشرق.
يرسم لنا السرد مأساة الحب مقابل لا شي، ولكن الطرف الآخر يستهين بمثل هذه المعادلة ويستغلها لأنه من الجنس القوي الذي حكم التاريخ صدفة وبسبب ظروف خارجة عن منطق الحياة.
ــ اصخب في ّ كل شي، أنا التي لم ارد منه شيئا ما.
ـ سأقول له.
ـ لماذا تتركني صاخبة بك وترحل.
تلك هي الخاتمة، في سياق سرد متوتر، متوزع، يتحكم به تيار اللاوعي، ليس على صعيد الصياغة الشعرية،بل حتى على صعيد الحدث، فكا نت الا حدات تجري رغما عن السرد.

– * جائزة النور للإبداع دورة الدكتورة ” آمال كاشف الغطاء “

النص الفائز بالمركز الثالث

جائزة النور للإبداع دورة الدكتورة آمال كاشف الغطاء بالصيغة المترجمة الى اللغة الانكليزية .

د - فليحة حسن

د – فليحة حسن

” فليحة حسن ” أديبة من أديبات العراق في النجف الاشرف ، حملت غربة الأيام حزنا واستطاعت أن توحد الحروف ” عشق و محبة ” ، وانطلاق بين أفق الإبداع لتكون فريدة بكل تفاصيل التألق وحدت خطواتها بهدوء رغم كل الأشياء والظروف المحيطة بها .

أنها ” الشاعرة ، والقاصة ، والناقدة ” التي طرقت أبواب الجمال في كل شيء ايجابي يحمل سمة الإبداع انطلقت من مدينة الضوء النجف الاشرف لتكون امرأة تحمل عبق عطر الكاردينا لتنثره على الساحة العراقية بشكل عام والساحة النجفية بشكل خاص .

من هي ” فليحة حسن ” ؟

امرأة تعيش بالقراءة حد أنها تتخذها دواء شافيا للكثير مما تعانيه .

•· كيف وجدت ” فليحة حسن ” نفسها وسط المشهد ألنجفي المنطوي والمتعصب للرجل ؟؟

النجف مدينة صعبة والمشهد الأدبي ألنجفي ينغلق على الرجال دون سواهم ، وعلى المرأة أن تتحلى فيها بصبر المحارة وألمها كي تلد لؤلؤتها المنشودة .

•· من وجهة نظر الأديبة ” فليحة حسن ” ، هل المهرجانات تصنع الشاعر أو العكس هو الصحيح ؟

مطلقا الشاعر الحقيقي هو من يصنع المهرجان بقصيدته وليس العكس طبعا .

برأيك لماذا التنوع في الإبداع … شعر .. قصة .. مسرح ؟؟؟

نعم أنا موجودة في كل ما اكتب ، لان ما اكتبه لا يفترق عني أبدا ، بل كتاباتي هي أناي المضمرة التي أحاول أن أخفيها عن الأخر القريب ، لكنها تأبى إلا أن تنز من بين مسامات الورق متخذة هيأة الكلمات ، غير أن ما أراه صدى لروحي دوما هو الشعر الذي يغطي مساحة بوحي الكتابي كله أو يكاد .

•· ” لفليحة حسن ” رواية جديدة هل تعتقد الأديبة ” فليحة حسن ” أن روايتها أخذت مداها الإعلامي ؟؟

روايتي الجديدة تناولها الإعلام كخبر لإصدار جديد في غالبية الصحف العراقية وأعلن عنها في قناتين فضائيتين .

نعم أكيد مثلما لا تستطيع المرأة الحامل التحكم في صناعة جنس جنينها ، كيف ما ترغب ودون تدخل العلم بذلك ، لا أستطيع أن أتحكم في صناعة ما اكتب فاجلس مثلا وأقرر ببساطة قائلة ، أريد أن اكتب قصة فاكتبها ، أو أريد أن اكتب قصيدة فتمتثل لطلبي ، وتولد أنثى قصيدة ، أنا اترك لإبداعي حرية اختيار النوع والهيئة التي يتشكل بها .

•· ” فليحة حسن ” أين وجدت نفسها في التنوع الأدبي ! ؟

نعم أنا موجودة في كل ما اكتب ، لان ما اكتبه لا يفترق عني أبدا ، بل كتاباتي هي أناي المضمرة التي أحاول أن أخفيها عن الأخر القريب ، لكنها تأبى إلا أن تنز من بين مسامات الورق متخذة هيأة الكلمات ، غير أن ما أراه صدى لروحي دوما هو الشعر الذي يغطي مساحة بوحي الكتابي كله أو يكاد .

•· ” لفليحة حسن ” رواية جديدة هل تعتقد الأديبة ” فليحة حسن ” أن روايتها أخذت مداها الإعلامي ؟؟

روايتي الجديدة تناولها الإعلام كخبر لإصدار جديد في غالبية الصحف العراقية وأعلن عنها في قناتين فضائيتين .

من وجهة نظر الأديبة ” فليحة حسن ” هل يوجد نقد في العراق يستطيع من خلاله المبدع أن يعرف خطواته القادمة ؟؟

العراق مثله مثل الوطن العربي يفتقر إلى النظرية النقدية الخاصة به منذ القرن الرابع الهجري ، وكل ما هو مطروح من مدارس أو مناهج نقدية أنما هي مدارس أوربية مستوردة مترجمة ومطوعة بشكل من الأشكال لصالح المشهد الشعري العربي .

وكل من يتعاطى النقد ألان من المبدعين لا يمكن أن نسميه ناقدا ، بل يتوجب تسميته ( المتناقد ) كما يقول الدكتور ” عبد الواحد لؤلؤة ” وأنا اويده في ذلك ، وبوجود مثل هذه المناهج لم يعد النقد معيارا صالحا للقياس وإطلاق الأحكام فهو هنا ليس أداة يعرف من خلالها جيد الشعر من رديئه ، ومن ثم فهو ليس أداة يمكن الاطمئنان لها في معرفة المديات التي وصل أليها شاعر ما ، تمكنه من التكهن بما يتوجب عليه فعله إزاء ما وصل أليه

لماذا لم نجد الأديبة ” فليحة حسن ” في ملتقى عالم الشعر في النجف الاشرف ؟ رغم تواجد جميع أدباء النجف الاشرف ؟

وهل مطلوب من الشاعر أن يوجد ( وليس يتواجد ) في جميع المهرجانات ، حتى يقول أنا شاعر ؟

أنا لا اعتقد ذلك ، فعدم حضوري مثل هذا المهرجان لم يؤثر على مسيرة أبداعي ، أليس كذلك.

•· هل حققت الأديبة ” فليحة حسن ” ما تريده وتصبو أليه ؟؟

لا طبعا ، طموحات المبدع لا تقف عند حد معين ، وما أصبو أليه لم يزل في رحم الغيب ، قد يصل إلى الحلم باختراق ما هو مألوف ومطروح والبحث عن الفرادة والتميز في كل ما اكتب .

الأديبة ” فليحة حسن ” الشعر في النجف أساس الأدب تقريبا هل وجدت القصة أو الرواية أو كتابة المسرحية مكانها الحقيقي في إبداعات مبدعي النجف الاشرف ؟؟

بين آونة وأخرى تظهر في الساحة النجفية مجموعة قصصية أو رواية تأخذ صداها هناك ، ويتصدى لها مريدوها بالكتابة أعلانا ونقدا ، وهذا شيء تترتب عليه عدة أمور منها ، أن السرد قد اخذ له مكانة لا بأس بها عند النجفيين .

وانه قد تمكن من الذائقة النجفية ، فلم تعد الأخيرة منغلقة على الشعر لوحدها بل تجاوزته إلى السرد بأنواعه ، وان شعراء هذه المدينة وجدوا لهم منافسين لا يستهان بهم إبداعيا في مجال القصة والرواية وحتى المسرح .

مرة أخرى أسألك لكن ” كفليحة حسن ” إنسانة مبدعة … من أنت ؟؟

وأنا أجيبك بإصرار على الاثنين معا أنا “فليحة حسن ” .

•· لماذا تجعل ” فليحة حسن ” الرجل مهزوم في داخلك من خلال الكتابة وساخطا مرة أخرى ؟؟

نعم هذه هي ميزات الرجل الذي وجدته يحتل المكان حولي ، واعني في المجتمع الذي أعيش فيه ، وجدته ساخطا ، ناقما على كل شيء لا يأبه للفرح ، بل على العكس من ذلك هو يجيد صناعة الحزن وينثر الرماد بمهارة فائقة .

لا ينشغل إلا بذاته غير مكترث بمن حوله ، ثق – ياسيدي – وراء كل ابتسامة رجل كلمة من امرأة حنون ، ووراء كل دمعة امرأة كلمة من رجل قاسي ، لذا فأنا حين اكتبه أصوره من الداخل ، اعري ذاته فيظهر على حقيقته مهزوما مسلوب الإرادة .

” فليحة حسن ” لماذا الحزن الدائم في كتاباتك ؟؟

ستبقى الأديبة ” فليحة حسن ” تطرق أبواب الإبداع بشكل يضمن الدهشة للمتلقي ولكل المحاقب الأدبية لأنها فرصة تألق حدا ثوي مستمر لجميع المحافل الأدبية .

في نهاية المطاف الشكر الجزيل للأديبة التي حملت إبداعها بين اكفها وبين أضلعها ابنة العراق “فليحة حسن ” شكرا لكرم ضيافتها وأجابتها لجميع الأسئلة الموجهة .

فراس حمودي الحربي

ترجمة // امال ابراهيم

ربما للبيئة النجفية المغلقة بحزن متراكم ومجاورتي القبور فيها والمجتمع الذي لم أجد فيه هواء صالحا للسعادة تأثير في ذلك ، فانا إذا ما تأملت فلن أتأمل سوى اختلاف شواهد القبور وعدد الجنائز المارة ، صوب حفرها الأخيرة ، وإذا تنفست خنقني ترابها المتطاير من أحذية المشيعين ، فألوذ عن حزنها برأسي فلا أجد فيه إلا أحلاما سرعان ما تتهشم حين ارتطامها بجدار الواقع ، بعض الأحيان اسأل نفسي قائلة ، إذا سافر الجنوبي عن مدينته حتما سيشتاق للنخيل والاهوار والمشاحيف .

وإذا فارق الشمالي مدنه سيأخذه الشوق والحنين إلى ملاعب أصحابه بين الجبال والوديان الخضراء وربما سيحن البدوي لامتداد صحاريه إذا ما ابتعد عنها ، أقول لمن ستحنين يا ” فليحة حسن “حين ترحلين عن النجف ؟

ولو أن الرحيل عنها رحيل مؤقت ومجازي لان الجميع عائد أليها لا محال ، ولو تأخرت تلك العودة وبحسب التوقيت القدري .

– * الشاعرة فليحة حسن في ضيافة النور حاورها عدنان الفضلي

الشاعرة فليحة حسن في ضيافة النور حاورها عدنان الفضلي

د - فليحة حسن

د – فليحة حسن

كي ندخل عالم ( فليحة حسن ) الادبي ، لابد ان نقرأ نصوصها بشكل جيد ، فهي تشتغل في اكثر من منطقة شعرية ، تلفت فيها الانتباه الى نصوصها ، كما انها قاصة تجيد سرد الواقع بدراية ملموسة ، وتكتب النص المسرحي ايضا، ومازالت ورغم منجزها الابداعي الكبير الذي تضمن أربع مجاميع شعرية مطبوعة هي (لأنني فتاة )،( زيارة لمتحف الظل ) ، ( خمسة عناوين لصديقي البحر )، (ولو بعد حين ) .

تواصل الكتابة في مجالها اذ لها ايضا دراسة نقدية بعنوان ( تشظيات الفاء فوق مراياهم ) واخرى بعنوان ( حزينيا أو نقص في كريات الفرح) فضلا عن الكتب المخطوطة مثل (قصائد أمي) مجموعة شعرية ( عطر الجاردينيا ) نص مفتوح ومجموعة شعرية للأطفال بعنوان (حارس الأحلام) .. وفي هذا الحوارمعها كانت لنا حصيلة رؤى اخرى دونتها الشاعرة:

كيف تقيّمين التجربة الشعرية النسوية بعد عام 2003 ؟

– إذا كان المقصود هنا بالشعر النسوي العربي بعد هذا العام فاعتقد أن الدعاية التي تسبق الشاعرة والإعلام المسلط على بعض الشاعرات اكبر بكثير من التجارب الشعرية النسوية الفعلية، وأنا كوني شاعرة مهتمة بالنتاج النسوي الشعري حرصت ومازلت على الاطلاع على الشعر العربي النسوي، ولكن مع الأسف الشديد لم يهزني نتاج شاعرة عربية حديثة مثلما فعلت بي لميعة عباس عمارة ،أو نازك الملائكة أو فدوى طوقان أو سعاد الصباح وغالبية الأسماء الشعرية العربية الحديثة أسماء مصنوعة إعلامياً أو مخدومة دعائياً؛

*النقد الأدبي هل أنصف الأدب النسوي ؟

– منذ مرحلة اكتشاف الذات والبحث عن الهوية التي ظهرت في عام1920 واعني (fe-male) والتي امتدت إلى الوقت الحالي، وأدب المرأة يضع له قدماً واثقة على طريق الإبداع، وما أن جاءت فترة الستينيات حتى ظهرت أسماء مهمة لأديبات أوربيات لامعات كان لهن الدور المتميز في إرساء وتدعيم هذا النوع من الأدب، وفي أواخر السبعينيات ظهرت ثلاث دراسات هامة حول النوع الأدبي الآنف الذكر وهي كتب ( أديبات ) للين ويرز عام 1976 ،( أدب خاص بهن) لأيلين شوالتر 1977 و( المجنونة في العلية ) 1979 لساندرا غليرت وسوزان غوبار ، وهي كتب في النقد النسوي الكلاسيكي ،ووجود مثل هكذا نوع من الكتب في النقد يعني وجود أدب نسوي سابق لها مؤشر عليه بعناية ومشار له بوضوح ، سواء أكان ذلك الأدب شعراً أو نثراً متمثلاً بالقص والرواية وحتى المقال الصحفي ، هذا على الصعيد العالمي أما بالنسبة للعالم العربي فقد برزت ناقدات مهمات اثبتن وجودهن في هذا المجال الأمر الذي يؤكد وجود أدب نسوي أولا ونقد نسوي محايث له ربما سيقدر وبمرور الزمن إثباته لمن ينكره من الدارسين .

*الانفتاح على الانترنت هل أضاف لك شيئا ؟

الانترنت نافذة يطل بها المبدع على العالم كله ، فبدلا من أن ُتخرِج رأسك من غرفتك لتبصر من يمشي في الشارع وربما احتجت للتلويح كثيرا أو رفع الصوت لتثبت وجودك لمن يمرّ أمام ذلك الشباك أو تحته وهم قلة بالطبع ، على العكس من ذلك بوجود الانترنت أنت لا تحتاج إلا لضغطة زر الكتروني بسيط حتى ترى الآف الناس من مرتادي الانترنت ظلك ،اعني كتاباتك وربما تفاعلوا معها ، نعم أضاف لي الانترنت عدد هائل من المتلقين الذين لولا النت لم التقِ بهم ولو صرفت في سبيل ذلك سنيناً عديدة، فانا أدين بالشكر لصانعي هذا الاختراع الأكثر من مهم .

* كيف تنظرين لمصطلح أدب الداخل وأدب الخارج ؟

– إن مثل هذا التقسيم تعسفي بارد ، يتجاهل أو لم يفهم مغزى الإنتاج الفكري والثقافي والروحي ،

وهل هو إلا عملية تتضاد مع الذات الكونية للمثقف ؟وهل هو إلا عملية تتضاد مع كون الفكر لا يعرف الحدود الجغرافية و المكانية ؟ .

إن مثل هذه التقسيمات تخل برسالة الثقافة ، وتستنجد بالمساطر الخشبية لتقيس معاني الجمال والخير والروح والإبداع ، وهي عملية تشطيرية مرتبكة ، وتدخل مفاهيم الفكر والإبداع في دهاليز سياسية واديولوجية من شأنها قتل العقل ، وتبليد العاطفة ،مثقفو الخارج العراقي ومثقفو الداخل العراقي يجمعهم أمران ، العراق والثقافة ، والداخل والخارج أمكنة تعيش خارج الروح ، وليس داخل الروح.

* أين تجدين نفسك بين الشعر والقصة والرواية والمسرح ؟

– في كل ما اكتب أجدني ، نعم في كلّ ما تقرأ لي سينزلك ظلي حتى في الكتابة للطفل ، فانا اعيش كل تفاصيل ما اكتب ، وليس لديّ ما يمكن ان ان اميزه على الاخر .

* بماذا تفسرين لجوء المخرج العراقي الى النص المسرحي العالمي ؟

– هل تصدق إنني قبل أيام تساءلت مع نفسي عن هذا الأمر؛ واعتقد إن َمنْ يقوم بذلك يسعى الى المجد السريع الذي ربما سيحصل عليه كنتيجة اقتران اسمه باسم كاتب مسرحي عالمي ليس إلا .

المركز والهامش هل يتواجد هذا المصطلح في الأدب العراقي ؟

– الإبداع العراقي يعتلي القمة دوماً ولا تليق القمم إلا للإبداع العراقي حصراً أما التهميش فسببه المؤسسات الثقافية والإعلام.

    برنامج المجلة الثقافية / حاورها عادل محمود

الشاعرة فليحه حسن: النافذة المتروكة لي في هذا العالم هي الكتابة

يستضيف عدد هذا الاسبوع من “المجلة الثقافية” كاتبة وشاعرة متميزة من مدينة النجف، نجحت في ترك اسمها وبصمتها على الشعر النسائي في مدينتها وفي العراق عموما، انها فليحة حسن المولودة في النجف عام 1967 والحاصلة على شهادة الماجستير في اللغة العربية.

حوارنا مع فليحة بدأ من حيث ننتهي عادة، إذ سألناها عما يعنيه الشعر بالنسبة لها فاجابت:
لولا كتابة الشعر لما استطعت الاستمرار، وتحقيق ما حققته، ومغالبة الاحوال الصعبة، التي تحيط بي من مختلف النواحي. وبدون كتابة الشعر أشعر أني مصابة بمرض ميؤوس منه. فالكتابة تجعلني اشعر وكأني أسترد عافيتي، وان دماء جديدة تجري في عروقي.

فليحة تكتب كل يوم. اما القراءة فانها تقرأ بطريقة قد لا يصدقها البعض. فهي تقرأ في كل مكان في المطبخ، وخلال تنظيف البيت، او وضع الملابس في الغسالة، وعندما ينام الجميع، وعندما تشعر بهدوء تام. وفي اليوم الذي لا تقرأ فيه تعاقب نفسها بالصوم عن الطعام، او عن الخروج من البيت، لاسيما وان العالم المحيط بها حرمها وحاصرها ويحاصرها، وانها تشعر ان نافذتها المتروكة لها في هذا العالم هي الكتابة.

ولكن كيف بدأت فليحة الاهتمام بالقراءة والكتابة؟ تقول انها لا تذكر تاريخا محددا بدأت فيه الكتابة، بل تذكر انها كانت تكتب بعض الكلمات على الورق، منذ ان كانت صغيرة السن في مرحلة الابتدائية، كما كانت هناك في البيت مكتبة لجدها فيها كتب تراثية مثل الف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة، كانت اولى الكتب التي قرأتها، ولكن مع بدء مرحلة الدراسة المتوسطة اهداها ابوها كتابا شعريا لنزار قباني كان هو بداية الطريق مع الشعر. وكان لوالدها الاثر الاكبر في قراءاتها اللاحقة. حصل على المركز الثاني في احدى المهرجانات المسرحية عنوانه “بابوز” ومعناه الباب المثلث الذي لا يمكن الخروج منه. وتستعد فليحة حاليا لاصدار مجموعتها الشعرية الجديدة “لا تقل انا، قل أنا”.

واول مجموعة شعرية صدرت لها عام 1992 بتشجيع من الكاتب عبد الهادي الفرطوسي.اما المجاميع التي تلتها فهي “زيارة لمتحف الظل” عام 2000، ثم “خمسة عناوين لصديقي البحر”، تلتها مجموعة “ولو بعد حين”، والمجموعة الاخيرة في عام 2010 وهي “قصائد امي”. كما صدر لها كتاب نقدي عن الشعر هو “تشظيات الفاء فوق مراياهم”، ولها مجموعة قصصية هي “حزينيا، او نقص في كريات الفرح”، وقد ترجم شعرها الى بعض اللغات العالمية بمساعدة بعض المترجمين العراقيين.ولها عمل مسرحي.

– * حوارات – د .فليحة حسن – شبكة النبأ المعلوماتية

حوارات  الأديبة د . فليحة حسن

د - فليحة حسن

د – فليحة حسن

شبكة النبأ المعلوماتية  / حاورتها انتصار السعداوي

(الشاعرة فليحة حسن أسعى للحصول على براءة اختراع في القصة الرقمية )

 

تلك المرأة الشفافة التي أخذت من تراب النجف سمرته ومن شرفه أخذت وقارها ومن حضارته أخذت عمقها ومن ضيافة وطيبة أهله نسجت طيبتها وحنانها وتواضعها، ومن علمه أخذت علمها المفرط وخصوصا في اللغة العربية.. فأبدعت قصصاً وشعراً وتُرجمت نتاجاتها إلى الإنكليزية والألمانية والدنمركية والبوسيفية والكردية والفارسية…

فليحة حسن من مواليد النجف الأشرف 1967ماجستير لغة عربية وهي تعد المرحلة الأخيرة من رسالة الدكتوراه. صدر لها من الشعر “لأنني فتاة، زيارة لمتحف الظل، خمسة عناوين لصديق البحر، ولو بعد حين. وقصائد أمي وكتبت أيضا للأطفال (حارس الأحلام) شعر. وصدر لها من المجموعات القصصية أيضا حزينيا أو نقص في كريات الفرح. وفي المسرح مسرحية البابور وهناك ولكن، وفي النقد صدر لها تشضيات الفاء فوق مراياهم.

وصدر لها مؤخرا رواية (نمش ماي) باللغتين العربية والانكليزية. وهي رائدة في مجال القصة الرقمية والتي نشرت لأول مرة على موقع النخلة والجيران. وترجمت قصائدها إلى الإنكليزية والألمانية والدنماركية والبوسيفية والكردية والفارسية.

وفي ضيافة (شبكة النبأ المعلوماتية) تحدثنا عن موجات قليلة من بحر نتاجاتها.

*ما هي قصتك مع الشعر؟

– أنت تقصدين قصتي مع الكتابة؟

كان والدي رجل مثقف يعمل موظف في المكتبة العامة ومنذ بدأت أتعلم القراءة صرت اقلب صفحات المجلات والكتب الخاصة بالأطفال التي كان يحملها لي والدي كل يوم وبدأت أدون شخبطاتي على الورق في بداية الثمانينيات وكنت انشغل عن عالمي الخارجي بأكمله حين انشغل بقراءة كتاب أو قصيدة أو قصة. وبهذا عشت طفولتي بكاملها مع الكتب والشعر. فبدأت بكتابة جمل وخواطر موسيقية عندما اطلع عليها الآخرون قيل لي إنها كتابات شعرية. فكانت مجموعتي الأولى (لأنني فتاة) عام 1994 وأكثر الحوادث التي جعلتني اكتب الشعر هي الحرب وأول ما كتبته تلك الأيام كان (أمنية) قلت فيها:

كان بودي أن آتيك

لكن شوارعنا حمراء

وأنا لا املك إلا ثوبي الأبيض.

ثم توالى سقوط المطر.

* حارس الأحلام تجربة متميزة في شعر الأطفال، لماذا توقفتِ عن الكتابة لهم؟

– يمكن أن نقول إن شعر الطفولة الآن يُنظر له بازدراء مع الأسف على الرغم من إن هناك أسماء عراقية مهمة في شعر الأطفال حصلت على جوائز عربية.. ربما لأنه موّجه إلى عقل الأطفال ينظر له على انه شعر ثانوي، والشاعر لكي يكون مهماً عليه أن يكتب شعرا يجعله بمصافي الشعراء. فضلا عن إن شعر الأطفال أصعب بكثير من شعر الكبار لأنك حينما تكتب لهم يجب أن تحمل روح الطفل التي بداخلك لان هناك مفردات وصور شعرية خاصة مثلما هناك عوالم خاصة بالطفل يجب ان نحاكيها, وهذا أمر لا يحسنه الشعراء لذلك اعتقد إن مهمة شاعر الطفل مهمة عسيرة جدا.

والمثير للاستغراب إن الجلسات الشعرية المخصصة للأطفال تخلو من متلقين من الأطفال ففي أمسية شعرية للأطفال في اتحاد أدباء العراق وجدت إن الحضور كلهم من الشيوخ ولم يحظر إلا طفلين هم ولدا الشاعر وقام بتحفيظهما قسم من قصائده وحوّل الطفل إلى شاعر وليس متلقي.

والطفل عندما يكتب لا يتصنع كالكبار، بل يكتب بعفوية لذلك تكون كتابته عفوية وجميلة وصادقة.

وبالنسبة لتجربتي بكتابة شعر الأطفال كانت متنفسا لي من تجربة معاشة هي تجربة الخوف من الامتحان المدرسي. هنا كان علي أن أجد شيء أسيّر من خلاله ذلك الخوف فصار أن صنعتُ لي حارس أحلام، وبدأت أسفّر من خلاله أحلامي الطفولية فولدت حارس الأحلام. ولكن هذه تجربتي الوحيدة في شعر الأطفال وصعوبة الأمر يجعلني قدر الإمكان ابتعد عن كتابة الشعر للأطفال.

*ما الذي أضافه الفنان حسن هادي لنصوصك الشعرية عندما حولها إلى مسرحية؟

– بالنسبة للفنان حسن هادي حين تعامل مع النص الشعري لم يختلف عني تماما غير انه أضاف لي من خلال الأداء الحركي ونبرة الصوت، ومجمل القصيدة أقرب إلى المسرحية منها إلى القصيدة كنص ومن ثم تكون اقرب إلى المتلقي. ويبدو إن هذه القصائد فيها بذرة من المنودراما المسرحية وسبق أن قدم الفنان حسن هادي تجارب مماثلة لشعراء آخرين وأسماء مهمة مثل ادونيس وعدنان الصائغ وشعراء من السويد. والسيناريو في هذه المسرحيات متروك للفنان نفسه لأنه سينارست ومخرج وممثل في ذات الوقت.

* أنت تستعملين الشعرية العالية في السرد والحوار وعلى هذه الدرجة العالية من التقنية واللغة كيف تجدين المتلقي البسيط؟

– انه متلقي مثقف يستطيع أن يستعمل فكره أثناء عملية القراءة وقد حدث لي أكثر من موقف أثناء عملية القراءة والتلقي، فأغلب من يفهم قصصي يستجيب لها دمعا وهذا ما حصل مع كثير من المبدعين والمثقفين أثناء قراءتهم لنتاجاتي. وجمهوري ليس من النخب كما يعتقد البعض بل بالعكس أنا اكتب لجمهور مختلف الثقافات، اكتب عن الفلاح في المزرعة وعامل المصنع البسيط وأتمنى أن أجد مجموعة فليحة حسن في مطبخ لسيدة منزل خير من أراه مركونا على رفوف المكتبات يتثاءب كسلا لعدم قراءته .

*هل تعتقدين إن ذائقة المتلقي النجفي تختلف عن غيره في بقية المحافظات؟

– ذائقة المتلقي النجفي صعبة المراس ذلك لان اغلب النجفيون هم أما شعراء أو من بيوتات أدبية أو متلقي على الفطرة الأدبية. لذلك نلاحظ إن الشاعر عندما يأتي من بقية المحافظات إلى النجف يحسب لقراءها حسابا كبيرا، وهذا يعود إلى وجود المدارس والمرجعيات الأدبية المختلفة في النجف. ولا ننسى إن اغلب الشعراء الكبار هم من النجف الأشرف أمثال الجواهري وعلي الشرقي والحبوبي واحمد الصافي النجفي والقائمة تطول. أما بقية المحافظات أجد هناك مرونة في ذائقة المتلقي والشاعر قد لا يهيب إذا ما كانت المنصة النجفية قد تُشعر الشاعر بأهميته فعلا وبكثير من الخوف.

*أنت أول من كتب القصة الرقمية هل تصلح جميع القصص أن تكون رقمية؟

– القصة الرقمية هي إحدى إبداعات المستقبل والتطور التكنولوجي. وهدف القصة الرقمية هي إشراك جميع حواس المتلقي لفهم القصة ولا تصلح كل القصص أن تكون رقمية بل يجب أن تكون القصة بشخصية أو شخصيتين وهناك اختصار في الحوارات واتصالات في الأمكنة ويدخل فيها الصوت والصورة والحركة وتكون هذه العناصر مكملة للنص وليس عزلاء. وبما إني أول من كتبها في العالم فأنا أسعى للحصول على براءة اختراع في القصة الرقمية.

* (نمش ماي) روايتك الأخيرة ماذا تريدين القول فيها؟

– عندما أردت أن اكتب ما مررت به من تجارب قاسية معاشة خلال ذهابي وإيابي إلى بغداد ولم يسمح فضاء القصيدة لتلك التجربة فصار أن كتبتها رواية وهذه الرواية نقلت فيها مكابداتي الشخصية ومررت خلالها بمتاهات من الخوف أحسست إن المتلقي سيقف في حالة اندهاش وذهول حين قراءته لهذه الرواية التي سميتها “نمش ماي” وحتى الاسم اترك المتلقي يكتشف خفاياه ويصل إلى حقيقته.

– * الشاعرة العراقية فليحة حسن لوكالة أنباء الشعر

مدير تحرير مجلة بانقيا الثقافية..الشاعرة العراقية فليحة حسن للوكالة

الكثير من الغث في ديوان الجواهري .. وذكورية المجتمع غيبت الشاعرة العراقية

الشاعرة العراقية فليحة حسن

الشاعرة العراقية فليحة حسن

وكالة أنباء الشعر / زياد ميمان

من نقاء غمام العراق تناثرت قطرات إبداعها، ومن بين دجلة والفرات استمدّت فضاءات بوحها ألوانها الممتدّة على أجنحة تواريخ وحضارات كانت مذ كان الإنسان .. من بلد عشقه أبناؤه وسرى حبه في عروقهم ليسيل على شفاههم أدباً يسطر ملاحم الحب والشرف، ارتفع صوتها ليفصح عن بلاغة أنوثة لا ينطق بمثلها إلاّ العراق … ابنة العراق .. الشاعرة فليحة حسن، وسطور لم تعرف المجاملة كانت في هذا الحوار الخاص لوكالة أنباء الشعر:

كيف كانت انطلاقتك الأدبية وماهي أول قصيدة قلتيها ؟

الطفولة أول الأرض التي بذرت بها أولات كتاباتي ،غير أني انتظرتُ حتى حان عقد التسعينات وتحديداً في عام ( 1992) منه ، لأصدر أول مجاميعي الشعرية وأعني هنا (لأنني فتاة ) والتي حملتْ بواكير همساتي ومن ثم توالتْ الإصدارات حتى وصلتْ الآن إلى مايقرب (12) كتاباً تتوزع بين الشعر والنثر والمسرح والنقد ، أما أول ماكتبت فأذكر إنه شيء من التساؤل أقول فيه : ( وأنا أصعد سلم داري

أسأله في كنه قراري

أكلُّ هذا العلو

ويوجد من يدوس عليك ؟!)

ثم أردفتها بومضة سميتها أمنية قلت فيها ( كان بودي أن آتيكَ

لكن شوارعنا حمراء

وأنا لاأملك

إلا ثوبي الأبيض! )

أنا أعيش موضوع القصيدة

متى تكونين جاهزة للكتابة وهل تبحثين عن القصيدة أم هي من تبحث عنك ؟

الشعر بالنسبة لي لايتبع الجاهزية ، فأنا أكتب متى ما وجد موضوع للكتابة ، موضوع تتمخض عنه القصيدة موضوع يسيطر عليّ وقد يكون هذا الموضوع معاشاً ولايمكنني أن أفلت من شباكه إلا بعد أن ينساب على وجه الورقة قصيدة ، فأنا لا أبحث عن القصيدة لغرض كتابتها بل إنني عادة ما أعيش موضوعها .

المبدع هو من يؤسس المؤسسة لا العكس

أنت عضو في العديد من المؤسسات والمنتديات الأدبية كيف تؤثر هذه المؤسسات والمنتديات برفع سوية الشعر ؟

عملية الإبداع لاتقترن بوجود مؤسسات رسمية خاصة بها ، فالمبدع هو من يؤسس المؤسسة وليس العكس ، فعلى سبيل المثال لاالحصر إن من أسس أتحاد أدباء العراق هوالشاعر الجواهري بمعنى أن الجواهري الشاعر وِجدَ أولاً قبل الاتحاد كمؤسسة

أنا بالأصل شاعرة

تلونت كتاباتك الأدبية بين شعر وقصة وراوية فأيها أقرب إليك؟

الشعر بالنسبة لي وثيقة حياتية أخذتْ مني الكثير، مع ذلك أحب أن أتسمى به ويكون لقبي الأوحد ، وأنا أكتب الأجناس الأدبية الأخرى لأنها ترفض أن تخرج على شكل قصيدة فتتشكل على هيئة رواية أو قصة أو مسرحية ومع هذا تبقى لغتي بها لغة شعرية، وأعدُّ ذلك مما يحسب لي وليس مما يحسب عليَّ لأنني بالأصل شاعرة!

ظهور الأديب إعلامياً عائد في رأيي إلى مثابرته ومدى إيمانه بما يكتب

بين الأدب والإعلام علاقة متواصلة ومن خلال إدارتك تحرير أكثر من مجلة كيف تجدين علاقة الأدب بالإعلام وإلى أي مدى يساهم الإعلام بشهرة أي أديب ؟

أعتقد إن الإعلام يشكل عاملاً مهماً من عوامل التعريف بالأديب سواء أكان ذلك الإعلام مكتوباً أم مسموعاً ، ورقياً أم رقمياً ، فلولاه لما استطعنا أن نتعرف ونعرَف بمبدعينا على اختلاف مشاربهم ، والحقيقة إن من المبدعين من نراه يبقى طويلاً تحت سطوة ضوء الإعلام بل يدوم بقاؤه في تلك الدائرة حتى بعد رحيله ومنهم من لايستذكره الإعلام إلا في النزّر القليل من المواقف وهذا عائد في رأيي إلى مثابرة المبدع ومدى إيمانه بما يكتب .

أسوأ أنواع النصوص تلك التي لايتعرض لها متلقيها بالنقد

حصلت على العديد من الجوائز الأدبية هل تعرضت في يوم ما لنقد لم يتعامل مع نصك الأدبي بعيداً عن شخصك ؟

من المفروض أن يكون النقد – وخصوصاً مايقوم على بعض المناهج الحديثة كالسيميائية والبنيوية والأسلوبية والتفكيكية ونظرية موت المؤلف وغيرها – نقداً موضوعياً ليس له علاقة بشخصية المبدع لا من قريب ولا من بعيد إلا أذا استعمل المنهج النفسي في تحليله للنص الذي أمامه أويكون معتمداً على بعض المناهج التي تتخذ من سيرة الشاعر مدخلاً إلى معرفة نصه ، وعموماً فغالبية من تعرض لنصي بالنقد كان من الذين يستعملون النص مدخلاً الى شخصية مؤلفه وبعضهم كان انطباعياً ، وليس في ذلك أيما ضير لأنني لا أعتقد بوجود نقد ضار أو نقد هدام بل كلّ أنواع النقد يصب في خدمة النص ومبدعه وأسوأ أنواع النصوص تلك التي لايتعرض لها متلقيها بالنقد ولو بكلمة عابرة !

هناك سوء توزيع للمطبوع العربي أصلاً

ترجمت العديد من أعمالك لعدة لغات هل تعني الترجمة الوصول للعالمية وماذا تعني لك العالمية ؟

إن من العوامل التي أسهمت في تقريب الأدب العربي من فضاء العالمية هو ترجمته إلى اللغات الحية، وخاصة الإنكليزية والفرنسية فاللغة العربية- بعيداً عن سمة القداسة المتشحة بها- مع الأسف الشديد قاصرة عن التسويق الإبداعي أي إن عدم انتشارها دولياً يقف عقبة كأداء أمام انتشار من يكتب بها ، فالترجمة تتيح للكاتب قدرة على الوصول به إلى أصقاع واسعة من العالم ، ناهيك عن سوء توزيع المطبوع العربي أصلاً ،ثم إن العالمية لاتعني تبني طرق تفكير الآخر في الكتابة لأن هذا الأمر ترفضه الخصوصية ، وإنها -كما أرى – تأثير في الأسلوب ليس إلا ، فالأدب العربي يمكنه أن يصبح عالمياً إذا ما صار له عوامل تاثيرعلى من حوله، فليس من الصعوبة بمكان أن نجد البساط السحري العربي الأصل محلقاً في سماء القطب الشماليشرط أن نقنع ساكني ذلك القطب بتماسك نسجه وقدرته الفائقة على حمل ركابه والرحيل بهم إلى أفق أعلى.

أرفض ختم جواز سفري بالختم “الإسرائيلي”

قيل إنك رفضت السفر إلى فلسطين للمشاركة بمهرجان شعري هناك ما سبب هذا الرفض ؟

نعم، الأمر ببساطة يعود إلى رفضي ختم (جوازسفري ) بالختم الإسرائيلي !

مجتمع العراق يتصف بالذكورية المفرطة

نلاحظ حضورا كثيفا لشعراء العراق في الداخل والخارج لكن لا نلاحظ حضوراً للأديبات العراقيات مع أنهن لا يقللن إبداعاً عن الأدباء ما سبب هذا الغياب ؟

أعتقد أن ذلك يعود إلى المجتمع العراقي الذي يتسم بالذكورية المفرطة في تعامله مع المرأة عموماً ، ومحاولة الاستحواذ على أماكن الصدارة حتى في الإبداع ، وعدم إفساح المجال للشاعرة من أن تأخذ مساحتها من الانتشار بين أقرانها الشعراء، وأحياناً مايكون حضورها مقروناً بالخجل والترقب، أو تتم دعوتها من باب تلطيف الحضور، أو إكمال العدد ليس إلا !

كيف تفسيرين من يصف ما تخطه الأديبات بالأدب النسائي في حين أن هناك من الأدباء مايكتب بشعور المرأة ؟

ماتكتبه المرأة أو ما يُكتب بشعور المرأة وإن كان كاتبه رجلاً يقع ضمن مايسمى بالكتابة النسوية وذلك لاشتراك عامل الخيال بين الاثنين (الرجل والمرأة) ، والأدب النسوي له نظريته الخاصة التي يجب أن يعرفها المشتغل به نقداً في حقل الكتابة النسوية والذي من خلاله يتم التعامل مع هذا المنتج المغاير لكتابات الذكر وإلا وبدون هذه المعايير قد يقع الخلط بين الاثنين ويصيب الإجحاف الكثير من تلك الكتابات المنتجة تحت هذه التسمية .

العراق كلّ موضوعات كتاباتنا

لكل شاعر وأديب مؤثر يدفعه لكتابة نص إبداعي إلى أي مدى يكون العراق هو المؤثر في كتاباتك ؟

أعيش مع العراق حالة من الحب الذي يسمى بالعشق من طرف واحد فأنا أحب هذا البلد حد (التواجد) غير أنه معشوق لايبالي بمحبيه، بل إنه كثيراً ما يهدر دم عشاقه ويشتتهم في خيام المنافي، ولايملك القدرة حتى على وضع أسمائهم فوق شاهدة باردة بين أضلاعه إذا ماحلّ الرحيل، نعم العراق كلّ موضوعات كتاباتنا ، لكنه يبقى أبداً يرفضنا بإصرار ونحبه….. وأيضا بإصرار.

في ديوان الجواهري بأجزائه العديدة الكثير من الغث

بعد رحيل نزار ودرويش والجواهري والسياب قال بعض النقاد إن الساحة العربية خلت من الشعراء الكبار فهل فعلاً لن نرى شعراء كبار مثلهم ؟

أولاً أنا ضد مايسمى بالشاعر (الكبير ) فمامعنى هذه التسمية؟! هل معنى ذلك أنه كبير بحضوره أم بعمره أم ماذا؟ ، والملاحظ لكل أسماء الذين ذكرتهم أن قصائدهم لم تكن بمستوى واحد من الجودة ، والمطلع على ديوان الجواهري بأجزائه العديدة سيرى أن فيها من الغث الشيء الكثير ،ومؤخراً أراد أحد الناشرين العرب إصدار مجموعة محمود درويش بعد تصحيحها لغوياً وإملائياً وتخليصها من العيوب العروضية لكن طلبه ووجه برفض من قبل محبي الشاعر كون هذا الأمر جاء بعد وفاته وليس في حياته، وهناك من النقاد من يمزج بين شخصية الشاعر ونتاجه وهذا ماحدث للسياب ، وهناك من نعت نزار قباني بأنه الشاعر الذي تذيع كل الإذاعات قصائده لأنه بلا قضية ، أو إنه شاعر بقضايا صغيرة، أريد مما قلت أعلاه أن قضية الأهمية و(الكبر) تكمن في النص وحده لأن الشاعر قد يضعف كتابياً في مرحلة ما من عمره أو قد ينتهي ، لكن النص المهم يبقى محافظاً على أهميته على مرّ الأزمان.

مثال آخر على ذلك المعلقات الجاهلية بأعدادها المختلف فيها تبقى مهمة بل مهمة جداً ، لكن لنسأل أنفسنا مثلاً هل كلّ ماكتب (عنترة العبسي ) مثلآ يقع بنفس أهمية المعلقة ؟ والأمر يصلح لكلّ شعراء المعلقات والإجابة الموضوعية تكون لاطبعاً من هنا يتبين لنا أن الأهمية ليس لها علاقة بالشاعر بل بنصه وعلى هذا الأساس ولدت العديد من النصوص التي تتسم بالأهمية ومازالت !

الشاعر العراقي أينما حلّ يبقى حاملاً لفكرة عراقيته

يعيش الأديب العراقي حالتين الأولى أدب في الخارج يمثله أدباء عراقيون في شتى بقاع الأرض وأدباء الداخل بما يجسدونه على أرض العراق هل أنت مع تسمية أدب داخلي وأدب خارجي ؟

أنا ضد هذه التسمية المبتكرة من قبل الاستعمار والتي غايتها التفريق ليس إلا ، فمثلما افتعلوا مسألة الشيعة والسنة والمسلم والمسيحي والعربي والكردي من أجل تفريق المكون العراقي أشاعوا هذه التسمية ، والشاعر العراقي أينما حلّ يبقى حاملاً لفكرة عراقيته في تكوينه فهو ينتسب له روحاً وشعراً ووجداناً ، والدليل على ذلك أن الكثير من الشعراء المغتربين ما يزالون لايجدون إلا في العراق موضوعاً حياتياً يعيشونه حتى في منافيهم !

النشر الإلكتروني سلاح ذو حدين

نرى الكثير من النشر الإلكتروني وفيه ما هو صالح وماهو طالح فهل وجد الأديب العراقي ضالته بالنشر الإلكتروني ؟

النشر الإلكتروني سلاح ذو حدين فهو يعرّف بالكّاتب ويكرس اسمه من ناحية ومن ناحية أخرى قد ينشر البعض كتاباته على استعجال، والأديب العراقي ليس ببعيد عنه النشر الورقي، بل على العكس من ذلك قد نرى غالبية الكتّاب تتصدر أسماؤهم صحفاً عديدة في آن واحد، نعم النشر الورقي والإلكتروني متاح لجميع المبدعين العراقيين أما الاختيار بين الاثنين فمتروك للمبدع ليس إلا!

ماهو جديدك على الساحة الأدبية ؟

لا أحب التبشير بما لم ينتهِ بعد، مع ذلك أستطيع أن أقول مازلتُ أقرأ وأكتب وأحلم بالكثير !

سيرة ذاتية:

الشاعرة فليحة حسن ولدت في النجف

لها أربع مجموعات شعرية (لأنني فتاة )، ( زيارة لمتحف الظل )،(خمسة عناوين لصديقي البحر)، (ولو بعد حين) ، ومجموعة شعرية للأطفال( حارس الأحلام ) ستصدر قريبا عن دار ثقافة الأطفال.

حاصلة على شهادة الماجستير في اللغة العربية

عضو مؤسس لمنتدى الأدباء الشباب في النجف

عضو الهيئة الإدارية في اتحاد أدباء النجف

عضو رابطة نازك الملائكة

مديرة تحرير مجلة( بانيقيا )الصادرة عن اتحاد أدباء النجف

كتب عنها ما يناهز( مائة وواحد) من الأدباء والدارسين

وقد جمعت بعض هذه الدراسات في كتاب ( النجف الأشرف أدباؤها وكتابها وشعراؤها لعبد الرضا فرهود)، كما كتب عنها في( مستدرك شعراء الغري )

ترجمت قصائدها إلى اللغات (الإنكليزية والكردية والإسبانية والبوسيفية والإيطالية)

وتحتفظ الشاعرة بهذه النصوص المترجمة

نشرت في المجلات والدوريات والصحف العراقية والعربية والعالمية مثل:تايكي الأردنية، الصدى الإماراتية، ألواح الإسبانية، الحركة الشعرية المكسيكية، أخبار الأدب المصرية، سطور المصرية، ميدوزا التونسية، الرافد الإمارتية، الشعراء الفلسطينية، الجسور السويدية، ضفاف النمساوية، تموز اللندنية وأخبار الأدب المصرية وغيرها…

شاركت وتشارك في أغلب المهرجانات الأدبية العراقية(كالمربد والسياب والجواهري والمدى)

كما شاركت في مؤتمرات أدبية وثقافية جامعات البصرة بابل والكوفة

لها محاولات عديدة في النقد الأدبي، كتبتها على شكل قراءات لبعض المجاميع الشعرية والقصصية.

تعمل حاليا مدرسة في إحدى ثانويات النجف

– * مجرد رأي

مجرد رأي

منذ زمن ليس بالبعيد جداً كنت مدعوة لإحدى المهرجانات الشعرية في بغداد  والتي لم تكن تتم  إقامتها آنذاك  إلا برعاية رسمية من قبل الدولة،وكان ذلك  المهرجان  يقام تحت رعاية وزارية  عادة، وكم أفرحني ان كان  من بين الحاضرين الشاعر الكبير محمد الفيتوري الذي احتل المقعد الأمامي بجانب الوزير لحظة الافتتاح وحين أنهيت قراءتي التي جاءت ماقبل آخر المشاركين أسرعت نازلة من المنصة متوجهة الى الشاعر محمد الفيتوري وسلمته نسخة من أول مجموعة شعرية لي وهي” لأنني فتاة” والذي قام بدوره بتناولها  مني بفرح كبير وتقبيلها ووضعها فوق رأسه تعبيراً عن  احترامه وامتنانه أما الوزير فلم اعرف ما العلامات التي ُرسمت على ملامح وجهه لأنني لم انظر إليه قط ،

وحين انتهت الجلسة اقترب مني احد الشعراء الذين كانوا ضمن اللجنة التنظيمية للمهرجان وهمس في أذني قائلاً بان الوزير أوعز بعدم مشاركتك في العام القادم ورّد سبب ذلك  الى كون قصائدي تحمل طابعاً سوداوياً وإنها غير متفائلة ؛

فما كان مني إلا ان التفع بالصمت وأغادر  القاعة مثل الآخرين ، وفعلاً لم تتم دعوتي الى ذلك المهرجان بعدها ،

وقبل أيام  التقيت بذلك الشاعر عائداً من المنفى واسترجعنا  بعض الذكريات ومنها حادثة المهرجان تلك  وما فعله الشاعر محمد الفيتوري اتجاه ما قدمت له ،

 تذكرنا كل حركاته وملامح وجهه والفرح الذي بدا عليه حينها واستحضرنا أسماء كل من شارك في تلك الجلسة غير إننا نسينا اسم الوزير الذي كان المهرجان  تحت رعايته ولم نفلح باستحضار اسمه مطلقاً على الرغم من محاولات التذكر غير المجدية التي قمنا بها ،

هذه القصة التي مررت بها تجعلني استغرب وأنا أرى قوائم الترشيح لانتخابات البرلمان أو مجالس المحافظات وهي تعج بأسماء الأدباء والشعراء منهم على وجه الخصوص واستغرب كيف صار الشاعر يطمح بالحصول على مقعد في البرلمان ؟

 و أتساءل الى ماذا يسعى الشاعر من وراء ترشيحه ذلك ؟

الى مجد يخلّده  وهو الخالد بقصائده  ؟

وهل ُيذكر الساسة إلا حين تكتبهم القصائد هاجية  أو مادحة ؟

فمن منا مثلاً يعرف أو يخطر بباله ان يعرف  أسماء الحكام أو الولاة أو  الوزراء الذين عاصرهم  الشاعر المتنبي لو لم يمن عليهم ذلك الشاعر بذكرهم مادحاً أو تذكرهم  أفعالهم الشائنة  فيذكرهم قادحا ؟

ومن منّا يتذكر أسماء المحافظين الذين عاش في زمنهم  السياب ؟

ثم من يضمن ان السياسية لا تفسد الشاعرية كما فعلت مع بعض الشعراء ؟

وهل بالضرورة ان يكون الشاعر مبدعاً في قصائده وفي  عمله السياسي أيضاً؟

وهذا أمر مستبعد إذ بين التفكير الإبداعي والتفكير السياسي بون شاسع ،

فالتفكير الابدعي كما يعرفه أحد الباحثين العرب : (على أنه قدرة الفرد على الإنتاج إنتاجا يتميز بأكبر قدر من الطلاقة الفكرية، والمرونة التلقائية، والأصالة)

تحكمه وأين العمل السياسي من طلاقة الفكر والمرونة والتلقائية ونحن نعيش في زمن قبضة الاستبداد المتبرجة بأصباغ الديمقراطية الزائفة؟؛

أما الحديث عن  التفكير السياسي فهو حديث عن تدبير أمور المجتمع  والشؤون العامة  والتحكم في تسييرها  وتحقيق المصالح  بطريقة عقلانية بحته وفيه (يكون العقل السياسي مشتغلاً بأدوات عامة ومنطق موضوعي ليس بذاتي.)

والذاتية  تعد غالباً سمة من سمات المبدع وان حاول تخطيها الى ماهو موضوعي أو ماهو عام ،

أم تكمن وراء ذلك الترشيح طموحات مادية ، كان الأجدر بالدولة ان توفرها  لمواطنيها ومنهم المبدع حتى لا يلتفت الى غير إبداعه منشغلا فيه  ومحاولا صقله وإنضاجه،  أليس المبدع ثروة الوطن القومية التي لا تنضب ؟ – كما يدعي الساسة – أم إنها مجرد شعارات تُخط على بوابات القصور وتُجمل  بها الخطب كي لا تكون شوهاء ؟

 ولكن يبدو ان من رشح نفسه من الأدباء تجاهل لذة الإبداع التي أكدها  كلام  الجاحظ – رحمه الله – حين قال (لو عرف الملوك لذة ما نكتب لقتلونا )  ،

– * (الرفض في بيت الطاعة )

 (الرفض في بيت الطاعة )             فليحة حسن

قامت قراءتي لرواية( بيت الطاعة) للكاتبة السعودية (منيرة السبيعي) على أمرين هما:

أولا–  قراءة الخبر ومن خلاله توصلت إلى  بعض المفاهيم السائدة في المجتمع السعودي والتي طرحتها الكاتبة في روايتها  والمتمثلة بهشاشة الأواصر الأسرية وسهولة تهشم تلك الأواصر ولأتفه الأسباب فبمجرد اكتشاف  البطلة لرسالة عابرة في هاتف زوجها النقال يتحول ذلك الاكتشاف الى كابوس يطارد حياتهما وينهيها بالطلاق ،

الثاني – الخطاب (وهو ما صار به هذا العالم شيئاً )- كما يذهب لذلك بعض الدارسين

دلالة العنوان :

يذهب بعض النقاد إلى إن العنوان يعد واحدة من أهم نقاط دراسة  النص السردي فالعنوان يصلح أن يكون ( ثريا للنص ) فيذهب الى تغطية المساحة السردية الكاملة للعمل الأدبي وهذا ما يلاحظ في ( بيت الطاعة) الرواية السعودية التي عملت الروائية ( منيرة السبيعي) فيها الى التطرق الى مشكلة اجتماعية تستشري في المجتمع العربي بشكل عام والمجتمع الخليجي بشكل خاص واعني بها الشك الذي يؤدي الى الطلاق وتحطيم الأواصر الأسرية ، ولعنوان الرواية ( بيت الطاعة) دلالة عميقة في النص السردي إذ أن البيت هو كوننا الحقيقي الذي يمكن أن يلخص أفعال وردود أفعال  قمنا بها على مدى عمر بأكمله ويمكن لنا أن نصف البيت بالقوقعة التي تحمي لؤلؤة أرواحنا من أن يكتشفها الآخر الذي لا يصلح لعملية الاكتشاف تلك ، وانه مكان يصلح لكي يكون دورقا يحتوي أفعالاً وانفجارات صانعها ليس هذا فقط بل أن بعض النقاد ومنهم باشلار يرى أن ( الكثير من ذكرياتنا محفوظة بفضل البيت) ،

أما كلمة ( الطاعة) التي جاءت هنا معرفة بال لتعرف قبلها واعني كلمة ( بيت) النكرة فهي تشي بمعنى الخضوع والاستسلام فصار أن أضفت على كلمة البيت ذلك المكان الخاص ، الخلاق، المرتبط بالوحدة مع الذات ، القادر على نقلنا إلى حياة الطفولة غير المتحركة والتي بها نريح أنفسنا من خلال إدخالنا في ذكريات الحماية التي نحتفظ بها مسبقا فسلبت منه كل صفاته تلك وأضفت عليه نوعا من الألم حتى تحول ذلك البيت الى مكان معادي فإذا ما تجاوزنا العنوان الى تفصيلات البيت (ذهبت لتفقُّد أبواب المنزل والتأكُّد من إغلاقها. غادرت غُرفتها مروراً بالصالة العلوية ثُم الدرج الرُخامي، هابطةً إلى الدور السفلي، ….المنزل هادئ، …..انصرفت للتوّ لِغُرفتها في السطح …..بدا البيت موحشاً …..خواء انسكب في داخلي ……جالت بنظرها في جنبات المنزل، كأنما تبحث عن شيء، لوهلة نسيت سبب نزولها للأسفل، ) نرى إن الروائية عملت على رسم البيت بصورة مبالغ فيها عملاً منها على سلب ألفة ذلك البيت وحميميته حيث صار بيتا ليس للبطلة وإنما هو بيت متفرج عليه بيت للضيف للآخر وهي بذلك أرادت إثبات ضعف ارتباطها بكونها الأول واعني البيت الذي رأت فيه  خلاصة لكون اكبر هو الرياض / السعودية وهي التي جسدت ذلك الارتباط الروحي بمكانها قائلة ( كانت الرياض لروحي كما غرناطة لـ( لوركا) المكان الوحيد الذي تنعم فيه روحه بالسلام ) وبما أن المكان هو الحيز الأول الذي به  يقوم الحدث وان الغرفة خاصة تحمل علامة ألفة لا تنسى – كما يقول – بعض النقاد فان البطلة قامت بسحب صفة الألفة من غرفتها كنتيجة حتمية لضياع هوية الآخر المشارك لها تلك الغرفة تقول (ذهبت لغرفة نومي، ووقفت عند طرف السرير أتأمل هذا النائم أمامي للحظات، لوهلة خِلته غريباً.. ليس زوجي الذي عشت معه.. )  واستبدلتها بمكان مناسب قادر على أن يجعلها تأتي بفعل جديد فنراها هنا بعد أن ( دارت بها الغرفة ،)، (  أغلقت باب غرفة الملابس عليها بالمفتاح ) و(تهاوت على ارض الغرفة في حالة ذهول ) وعلى الرغم من أن البطلة هي المحور ألارتكازي في الرواية إلا إننا نلمح كثافة حضور البيت في هذه الرواية كونه الفضاء الأول لحركة الشخصية المؤنثة عكس الفضاء الحركي  الأوسع للشخصية الذكورية علاوة على أن المرأة أكثر قدرة على السرد المكاني من الرجل كونه  المكان المثالي لها ،وقد عملت في نهاية الرواية على بناء بيت امن لها سورته بأهلها حصولا على الحماية الدائمة تقول  (أحتاج إلى منزلي لأُقيم فيه. لا أُريد وصاية من أحدٍ عليّ بعد الآن، حتى في السُكنى، ولا أظُن والدتي تُمانع في  ذلك؛ فلا يفصلني عنها سوى حائط) فيجيبها أخوها : (فكُلنا نُحيطك بالمنازل، وبحبّنا”) توكيدا لوجهة نظر باشلار الذي يقول فيها ( عندما نسكن بيتا جديدا وتتوارد إلينا ذكريات البيوت التي عشنا فيها من قبل فإننا ننتقل الى ارض  الطفولة غير المتحركة كالذكريات البالغة القدم ، نحن نعيش تثبيتات السعادة )

دلالة الأسماء :

يحمل الاسم علامة أشارية على مسماه وكثيرا ما يأتي به السارد بوعي تام من هنا نرى الروائية (منيرة السبيعي ) قد اختارت لبطلتها اسم ( نواره حامد أبو الهمم ) وسمت كل من يحيطها بـ( رباب ، ومعتز وعزيزة ) وغيرها من الأسماء التي تشي بالتفاؤل فالنور والحمد والهمة والرباب والعزة كلها أسماء  تبعد سامعيها عن التشاؤمية بينما أعطت للزوج اسما هو ( إبراهيم آل فارض) فعلى الرغم من أن اسم إبراهيم يحمل في دلالته نوع من القدسية كونه يعود في أصله الى خليل الله ( ع) إلا أن الكاتبة هنا سلبت منه تلك القدسية بان جعلته يقترن بلقب ( الفارض) لتحمل المتلقي على وضع ذلك الاسم تحت مظلة الاستبداد والظلم بينما اختارت لابنتها اسم ( لارا) وهو اسم أعجمي لتشي بولادة جيل هجين  فقد ملامحه العربية ، جيل ولد من أبوين عربيين وتربى بأيد أجنبية وهذا  ما عملت الكاتبة على توكيده بان أعطت كل من الخادمة والمربية أسماء أجنبية كونهما من العمالة الأسيوية التي جلبتها السعودية إليها فسمتهما ( ميري ، خضرا) وفي ذلك شيء من ربط النص بواقعيته وقد أعطت للمرأة التي سلبت منها زوجها اسم ( نوف الناهب ) لكي تؤكد قسوة ذلك الاسم ومدى وقعه في تنامي  الحدث .

دلالة اللغة :

ولأجل ربط النص السردي بمحليته  قامت الكاتبة بإدراج لهجة سعودية في  اغلب حوار  الشخصيات نحو (أوف… ذكرتني بالمحمول… الله يستر) ،(“ياخي مرة في حياتك ابزا البيت والبنت)كما استعملت اللغة الانجليزية في حوارها مع سائقها الفلبيني لكي تدلل لنا على هوية ذلك المستخدم (buy me Sawa now, the prepaid card،

Now mam

(But don’t use your Iqama, buy me one without a name )

كما أن الكاتبة وعملا على سحب المتلقي إليها استخدمت لغة شعرية عالية في الوصف وخصوصا في  بداية  الرواية نحو(تغفو الشمس مُلتحفةً بالغسق؛ لتبدأ كؤوس المصابيح تسكُبُ نورها في طُرقات المدينة المُعتمة، تُضيء مساكنها التي تُغلق على قصصٍ لا تنام،)

وبما أن اقتحام الألم نوع من التفكير الصعب انه حالة فكرية يعيشها إنسان ما – كما يقول بعض النقاد – وان هذا الألم ينقلنا الى مرحلة الشيخوخة مبكرا ويجعلنا أكثر شبها بآبائنا فان الكاتبة أكدت ذلك الأمر حين  شاهدت البطلة وجه أمها مرسوما على صفحة مرآتها  تقول (أمام المرآة في غُرفة نومها توقفت، نظرت إلى صورتها التي انعكست لها، خُيل لها أنها لمحت وجه والدتها بدلاً من وجهها،… هل بدأت علامات السن تغزو ملامحي، أم أنه همّك يا إبراهيم يحفُر له رموزاً على مسام جلدي)

 وبما إن هذه الرواية هي خطاب أنثوي معلن ومصرح به للآخر الذكر  فان الكاتبة كانت راوياً عليماً ،وإنها وضعت زمام الأمر بيد بطلتها التي استطاعت في نهاية الرواية أن تصنع لها عالماً  خاصاً ليس للرجل يد فيه حتى ولو من بعيد فهي تقول (“إبراهيم دفعني للذي خشيته سنيناً؛ فتح لي بوابةً للخروج إلى الحياة لن أُغلقها أنا الآن. إذا سألك عنّي ثانيةً فقل له: نورة وُلِدت حُرّةً. لم تحتمل قُضبان سجنك؛ فغادرته إلى غير عودة. والبارحة، البارحة فقط، نالت أُمنيتها، وطارت في المنام مُحلِقةً عالياً، فإذا رغبت بها فتعلّم الحُلم والطيران؛ هي لن تهبط لك ثانية!)

كما كشفت الرواية عن بواطن عوالم المرآة السعودية واستشراء بعض الأمراض السلوكية الخطيرة مثل ( الاسترجال ) و(الجنس المثلي ) والذي هو رد فعل لضغوطات المجتمع الذكوري والقهر والتهميش الذي تعيشه المرأة هناك فرسمت بعض شخصياتها النسائية وهن يرتدين ملابس الرجال ويمارسن تصرفات الرجال دون رادع أخلاقي, فهي تصورهن في حفل (وقد ارتدين بِدلاً رجالية وقصصن شعورهن على نحوٍ قصيرٍ جداً، وأغفلن وضع الماكياج، وكذلك الحُليّ، كما انتعلن الأحذيةَ الرجالية……لاحظت كذلك أنهن كُنّ يمشين مشيةً ذكوريةً)،(….. أجابت في ثقة وبلهجة لا تمُت إلى الأنوثة بصلة، واضعةً يدها اليُسرى في جيب جاكيت البدلة، بينما كانت تمسح بأصابع كفها اليُمنى على أطراف شفتها العلوية؛ مكان الشنب تحديداً، وهي تنظُر مباشرةً في عيني نورة، وفي أماكن أُخرى من جسدها)

نوع السرد :

وبما أن السرد نوعان ذاتي وموضوعي فان السرد في رواية بيت الطاعة التي كانت الكاتبة راويا عليما اطلعت على كل شيء حتى على ألا فكار السرية لأبطالها غير إنها لم تتدخل حتى لتفسرها وإنما وصفتها وصفا على قدر كبير من المحايدة وتركت الباب مفتوحا للمتلقي ليوؤل تلك الأحداث .

أنوع الشخصيات  :

أظهرت لنا الكاتبة  نوعين من الشخصيات الأولى  نامية متمثلة بشخصيتي(نوارة وإبراهيم) والثانية شخصيات مسطحة متمثلة بـ( نوف ومعتز وعزيزة  ) إذ إن شخصيتي نوارة وإبراهيم  انكشفت لنا بالتدريج وتفاعلت مع أحداث الرواية وتطورت معها وقد فاجأتنا  في نهاية الرواية بحدث لم يكن متوقعا  منها أما شخصيات نوف ومعتز وعزيزة فهي شخصيات لم نر إلا جانبا واحدا منها ولم تؤثر في أحداث الرواية أو تتأثر بها

    الزمان والمكان :

المكان: هنا هو الرياض وقد رسمته لنا الكاتبة  بشكلين:

 الأول:  القديم الأليف يوتوبيا الكاتبة المنشود فهي تقول فيه (“يا الله، هذه نفسُ المدينة الحُلم التي دوختني بِعشقها فيما مضى، في زمنِ حُبنا، لمّا كانت تبدو كأميرة الصحراء تزهو على وصيفاتها بثوبها المُترامي الأطراف يفوحُ بعطر زهر النفلِ والخُزامى، تحمل شذاه ريح الشمال عابرةً به لِفؤادي، وبِحُمر رمالها شرقاً وغرباً تُطرّزُ هذا الثوب، حافرةً في ثناياه أعذب قصص الحُب العطشى لمحبوبها المطر، ناظرةً جنوباً، في تحيُّن  لِمَقدمِ “الوسمي” الغائب المُنتظر)

 أما الثاني: فقد أظهرت فيه ما استجد في الرياض  من أبنية وأماكن للمتعة أنتجت عادات وسلوكيات جديدة   لم يعرفها المجتمع السعودي سابقا سواء أكانت تلك الأماكن خاصة بحفلات النساء أو حفلات الرجال وهي هنا رسمته مكانا متأثرا ومؤثرا بالتكوين الشعوري ووعي الشخصيات مثل المقاهي وبيوت(الوناسة)والتي  وصفتها الكاتبة بدقة محاولة منها في نقل المتلقي لما يدور في تلك الأماكن   من سلوكيات لم تألفها الرياض القديمة في الماضي تقول(  المقهى الذي التقت عزيزة فيه، والمُكوّن من قسمين أحدهما للعائلات والآخر للرجال، تفصِلُ بينهما حواجز بعضها ثابتٌ والآخر مُتحرك،كما هي الحال في مُعظم مقاهي الرياض ومطاعمها، مع اختلافٍ بسيط في هذا المقهى؛ حيث كانت حواجزه متفرقة، تُمكّن فتحاتها الصغيرة كلاً من الشباب والبنات من استراق بعض النظرات التي تمرّسوا عليها. مزدحماً يومها، وقد لاحظت نورة حركات “الغزل” التي بدت جليةً أمامها)( صوت الموسيقى ينبعث من داخل الفيلا …..إلى القبو حيث تُقام الحفلة. لاحظت نورة سِعة المنزل الذي بدا بأثاثه الفخم أشبهَ بالقصر لا الفيلا، وقد غطّى الرُّخام أرضياته كُلها، وزينت أسقفه ِثُرياتٌ تتدلى منها قطع الكريستال المُلوّن، تحُفّها زخارف الجبس كأنها لوحاتٌ فنيةٌ، مُضفيةً على المكان جمالاً وأُبّهةً، بإضاءتها الهادئة الموزعة بإتقان، كذلك عكس المسبح المُقام في القبو جواً من الرفاهية على المكان …بالكاد وجدت لهما مكاناً في الجلسة؛ فقد فاق الحضور العدد المتوقع له، كما يحدث عادةً في حفلات الدي جي.)

الزمان:
فقد جاء هنا تتابعيا روت فيه الكاتبة أحداثا ذاتية عاشتها البطلة وزوجها إبراهيم وتنامى الحدث حتى انتهت ذروته بالطلاق واستعادت الزوجة حريتها التي كانت تحلم بها دوماً، أما زمن  القص فهو زمن الحاضر الروائي الذي استطاعت الكاتبة أن تجسده بوعي الأنثى الرافضة له والمتحررة منه .

– * الإبداع و الحجاب

 الإبداع والحجاب

لم أكن المحجبة الوحيدة التي تدعى الى ورشة العمل التي أقامها منتدى نازك الملائكة كمشاركة والتي كانت تدور طروحاتها عن المرأة والإبداع و حضرها عدد من المبدعين والمبدعات وأُقيمت ُحلقاتها في اتحاد الأدباء المركز العام في بغداد ، وكنت قد أعددت فيها ورقة نقدية  تحت عنوان المرأة والكتابة ، قدمتني السيدة الفاضلة إيناس البدران الى السادة الحضور وحين انتهت قراءتي صعد احد (المبدعين)  الى المنصة معقباً على ما طُرح وكان قاصاً سبعينياً وافتتح تعقيبه بجملة استفزازيه قالها بلهجة عراقية دارجة  : ( شوفوا شلابسه وتحجي عن حرية المرأة ، شوفوا ربطتهه وجواريبهه ) ، ثم انتقل الى التحدث عن المرأة وتحررها وما يجب أن تكون عليه  اليوم في الملبس والشكل ،كي يعرف مدى ما تحمل من أفكار تقدمية،

 وشكر الحضور ونزل ،ولسان حاله يقول لا يجب أن تكتب المرأة عن الحرية ما لم تكن متحررة من  الحجاب ،

 وهو ربما لم يدر في خلده إن ( علم الهوية المعرفي يرى في  أنواع وأشكال الملبس والزى، مكون ثقافي محدد للهوية الجماعية والهوية الفردانية الشخصية.وقد تناولتها المدرسة الثقافوية التي يستند أصحابها على الإرث الثقافي في تحديد الهوية)، وإنني لم انظر يوماً قط  الى الحجاب  بمعنى الحجب والمنع،

بمعنى إن حجاب المرأة  لم يقف يوماً عائقاً  يمنعها من التحليق في آفاق الإبداع المختلفة ، ويكبل تجربتها الإبداعية ويحول دون تقدمها ،

 والأمر الآخر الذي غاب عن ذهن المعقب حينها  إن غالبية النساء المثقفات وخصوصاً العربيات إنما اكتسبن ثقافتهن تلك عن طريق المثاقفة ،

 فليس ثقافة المرأة العربية أمر اكتسبته من مجتمعها وهي التي  تعيش فيه مهمشة عن قضاياه المصيرية مكبلة في قيوده المتوارثة ،

و إلا فما معنى أن لا أتنفس سوى بخور القباب الزرقاء ،وتخنقني شواهد القبور واكتب عن نسيم البحر وهو يعانق أنفاسي كل صباح ؟؛

إلا يعني هذا إن المرأة تستطيع أن تحقق اندماجا بين ذاتها والأفكار الكونية بعيدا عن ضيق التجارب المعيشة في مجتمعها .

 بمعنى إن الرؤية الجديدة للمبدعة  تتجه اتجاهاً مزدوجاً من الذات إلى الموضوع فتمتزج لتكون عالماً آخراً جديداً يكون خلاصة لذلك المزج فيأتي من هنا إبداعها ٍ،

فتولد القصيدة لديها كمجموعة من الرؤى المتنامية وفق منطق شعوري يتساوق مع إيقاع النفس وهواجسها وأحلامها وأفراحها وأتراحها وكذلك بقية أنواع الإبداع الذي تخطه أنامل النساء ،

وحتى إذا استخدمت كلمة الحجاب استخداماً لغوياً أي حسبما وضعت  في كتب اللغة بمعنى الحجب والمنع والستر فهل يقف الحجاب ساتراً أمام أفكار المرأة المطروحة ومتلقيها مثلا ؟

وهل يمنع الحجاب القصائد الصادقة من أن تقال وتتقبلها النفس وتقترب من الروح وربما تمتزج بألفاظها ومعانيها ؟

وهل سمعنا يوما إن قصيدة ما لم يستسغها الجمهور فقط لان قائلتها كانت محجبة ؟

وبما أن هذا الأمر لم يحدث الى الآن أقول لندع المرأة ترتدي ما تشاء مادامت لم تسئ بذلك للناظر إليها،

وإذا كنّا ننادي بحرية المرأة أليس إجبار المرأة على ترك ما اعتادت على ارتدائه وفقط ليتواءم مع أذواق البعض نوع من قيد آخر تفرضه عليها الذائقة ؟

نعم منع الحجاب يدخل ضمن المنع أيضاً وليس ضمن الحرية مطلقا ً؛

ملحوظة  حقيقية :

لولا ارتدائي العباءة لما استطعت أن اخفي تحتها الجرائد التي اشتريها من بائع الصحف والتي تنشر بها مواضيع لي أو عني عن عيون زوجي وأخوتي وأبناء حينا من الذكور طبعاً؛

Post Navigation