موقع الأديبة د.فليحة حسن

الموقع الرسمي

Archive for the category “كل المقالات”

– * أقرأوا الشاعرة فليحة حسن – ياسين النصير

أقرأوا الشاعرة فليحة حسن   – ياسين النصير

د - فليحة حسن

ياسين النصير
ياسين النصير

لم يدر بخلد أحد منا أن يلتقي يوما بشاعرة لا تسبقها دعاية ما، فليحة حسن الفتاة النجفية السمراء، تقتحم قراءاتك دون استئذان بديوان شعر صغير، 37 صفحة، وبـ31 قصيدة قصيرة، شاعرة تتلمس طريق الفراشات إلى حقول الشعر،لا تفتعل اللغة، ولا الصورة، ولا الكلمة، بل تجد ما تريده منساباً بتراجيديا حزينة دون تعقيد. هذه الشاعرة الكريمة كأي واحدة من أدباء العراق الشباب تتحفك بمجموعة أو أكثر من نتاج الشعر وهي لا تدعي أكثر مما تقوله قصائدها، وخلال متابعتي لها ولغيرها من الشاعرات لم أجد لهن فسحة في صحافتنا الثقافية إلا قليلاً، فقد سد مشرفو الصفحات الثقافية عليهن النوافذ بصداقاتهم وحقولهم المجدبة الصغيرة المعاني، وتركوا الشاعرات خارج السرب،
على العكس من إحتفاء الثقافة اللبنانية والمصرية والسورية والخليجية بشاعرات أقل موهبة من شعرية رسمية وفليحة ونجاه وغيرهن. تتحدث الشاعرة فليحة حسن في ديوانها الصغير/الكبير، زيارة لمتحف الظل عن خسارات جيلها، في الحب، في البيت، في الحرب، في الهناءة، في القوت، في الرغبة ، في أن لا يموت أحد موتا مجانيا. لتؤسس إلى مثيولوجيا جديدة مادتها ما حدث للعراقيين بفعل الحروب. – الشاعرة وقد تعرفت عليها في مهرجان المدى في أربيل -لا تطلب منك سوى أن لا تترك دواوينها في الفندق حينما تغادر- كما يفعل الكثيرون-لأن ما في القصائد القصار صخب مرحلة وشواخص لا يمكن العبور عليها، ورؤيا مثيولوجية معاصرة. فليحة بديوانها الصغير الخجل، كأي طائر، تحلق بصوت عال لتتحدث عنا جميعا، نحن الذين تركنا أجسادنا في متحف الظل العراقي، هناك حيث رسومنا الظلال تقرأ ما نحن فيه، ثم أغلقنا الباب على أنفسنا دون أن نسّر أحدا بمكان مفاتيح الأبواب، تأتي فليحة فتجعل القصيدة مفتاحا لكل باب، لاأدري كيف قارنتها في لحظة وأنا أستمع إليها في أربيل، عندما حضرنا مهرجان المدى، بالشاعر المهم في الشعرية العراقية شيركو بيكس، فيلسوف الحجر والشجر والينابيع والجبل والأشياء والعطور الشاعر الصوفي الأممي الذي يحوّل تراب كردستان إلى ثراء شعري، فقد وجدتهما معاً بالرغم من فارق العمر والتجربة، يعتمدان مفردة لجدلية الموت والحياة،فهي الأكثر حكمة، فكلاهما ينأى بقصائده عن نثر المعاني، ويذهب إلى شعرية الصورة. ما يحسسك بهما أن فليحة شاعرة يومية مألوفة النغمات، عذبة كنسمة ترطب جو العيون، وتحيط نفسها بثوب الألفة العاشقة في قرابة الصور، بينما شيركو يحلق كطائر جبلي عنيف في أعالي الأحداث ليجمعها في بوتقة تاريخ ومناخ وأرض كردستان. فإذا كان ثمة حمزاتوف عراقي جديد، ذلك هو شيركو بيكس.وإذا كان ثمة مغنية صمت لشعرنا الحديث فتلك هي فليحة حسن.
كتابتي دعوة لقراءة فليحة حسن الشاعرة، وسماع صوتها الغنائي العذب الدفين وهي تنشد أحزان جيلها، شاعرة الأيام القادمة للقصيدة النسائية. أقولها وعمق دلالات ديوانها شواهد.
1
تفصح استهلال قصائدها التي توزعت بين الحروف والأسماء والأفعال بشكل متقارب، عن اعتباطية شعرية تحكمها صورة ذهنية مسبقة، واستهلالات من هذا النوع واخزة مشحونة باللحظة ولذا يكون ما يأتي بعدها قصيرا ومكثفا ولحظويا، ليس فيها ما يولد أو ينمو إلى أبعد من القصيدة نفسها، لذا تكون بحاجة إلى دربة أعمق للبدايات، تشعر وأنت تقرأ قصائدها أنها مقطوعة من سياق سابق، وكأنها نتوء يبرز في الطريق لا يمكن تجاوزه، القصيدة عندها تكملة لما سبقها، أو تواصلا لجريان لم ينقطع جاء لها في لحظة تحوله إلى صور بكلمات. بمثل هذا الاستهلال المكثف تعيد فليحة حسن إلينا أغنيات مفجعة سبق وأن عشناها سماعاً ولغة ومشاهدة وكأن القصيدة عندها محطات توقف في مسار طويل، لذا فجديدها هو صياغتها بحاسة المتحفية، حاسة العتق التاريخي للحال.
في دلالة العنوان ( زيارة لمتحف الظل ) تنقلنا فليحة من الجسد إلى الظل،من المرئي إلى اللامحسوس، من الولادة إلى الموت، ومن العلانية إلى الاختفاء، هذه الظلال التي تتشكل لغة مقروءة هي أعادة صياغة لتاريخ حالة ما، فالمتحف مختص بظلال الأحداث،وليس بالأحداث نفسها، لأن الأحداث لما تزال تترى وتعاش ولم تنته بعد في حين أن ظلالها هو ما يجب وضعه في تلك الأقبية الزمنية/ المكانية كي تُرى من قبل الأجيال.
(أيامنا مرهونة في قبضة التابوت
ها نحن نجلس خلف أكياس المخاوف
…………
والرب ينأى
بات أبعد من مدارات التكهن
بالوصول)
لا طلب نجاة من أحد حتى الله تخلى عن العراقيين
ولذا فكل الظلال تاريخية متحولة إلى أمكنة مادتها أننا نحيا في تراكم المحن. أما نحن، الزائرين لمتحف الظل، فسنجد هناك، قتلانا في الحروب وما فقدناه في الحياة، وما سوف نفقده أيضا.
2
الشعر العراقي مبادر إلى اكتشاف أمكنة وثيمات جديدة، مضمخة بالمثيولوجيا، وهذه طريقة بدأها السياب وتمعقت في الشعر وعدت جزءا من حركة الحداثة الأولى، لكن الأسطورة والمثيولوجيا التي قدمت لأول مرة نيئة في شعرهم كما هي ، في حين قدمت في الحركة الثانية للحداثة وهي تتداخل مع سياق المجتمع حياتيا وسياسياً أصبحت لغة وصورة متداولة ومألوفة ويومية، مثيولوجيتها معيشة ومؤولة ومعروفة وعن استعادة أجزاء من التاريخ كما في قصائد أدونيس وكريم كاصد وفاضل العزاوي. الشاعرة فليحة حسن تستعير المتحفية والظلال القديمة كأرضية تفرش عليها وسائدها لكنها تمزج بين أفلاطون في رؤياه المثالية والمثيولوجيا الإسلامية في رؤياها الدينية، وهذه نقلة جديدة في استثمار المثيولوجيا في الشعر،عندما لا تقدم الشاعرة المثيولوجيا كحدث مستقل- الحركة الأولى للحداثة-، وعندما لا تستثمرها كدالة على وضع- الحركة الثانية للحداثة- بل تجعل منها صورا جديدة، مستلة من أحداث واقعنا وما جرى لنا في الحروب. في هذا الديوان الصغير أشعر لأول مرة أنني أقرأ أحداثا مثيولوجية توضع في المتحف ونذهب لمشاهدتها ونعيش لحظاتها ثم نغادرها تاركين ظلالنا معها. فالشاعرة لا تستعيد مثيولوجيا، بل تولد مثيلوجيا عراقية جديدة.
(أيامنا مرهونة في قبضة التابوت
ها نحن نجلس خلف أكياس المخاوف
ساهمين
لنعد ما يبقى
من الأطراف في جسد الحياة
والأرض صارت تعلك الأجساد
تبصقها شحوبا للعناء
والرب ينأى
بات أبعد من مدارات التكهن
بالوصول).
هذه مثيولوجيا وليست قصيدة عن حال، إنها تجسيد لسلطة الفراغ بين أن نكون أو لا نكون، حتى أيماننا الذي يهيمن على مقدرات الدولة لا معنى له، هذه مثيولوجيا حديثة ليس فيها آلهة أو بطولات خارقة كل ما فيها أناس من زماننا هذا، ولدوا فوجدوا أنفسهم في حروب دائمة، مثيولوجيتهم أنهم يعيشون هذا الزمن.
3
في مفردات عنوانات قصائدها، تجد سعة الرؤية،فالأبواب المتعددة للدخول إلى مملكة الجسد،طرق مثيولوجية، حيث لا يوجد في المتحف غير الجسد، الجسد بمعناه المثيولوجي وليس بمعناه الكمي من أنه عدد من كيلوغرامات اللحم، هذا الجسد المثيولوجي الخفي الآتي من الحروب والسجون والاختفاء والقهر والتعذيب يمتلك مساحة من الرؤية هي القصائد، فالجسد كيان غائر وسري ودفين، أعد قراءة العنونات تجدها دعوة صريحة للدخول إليه.
الأبواب مداخل للجسد. الشاعرة تلغي الأزمنة، لا حدود وفواصل لرؤيتها لسنا إلا أناسا نتبادل الأقنعة عبر التاريخ، فما حدث في الأساطير يحدث في واقعنا اليوم، مثيولوجيا القدم تجد من يمدها بمثيولوجيا اليوم.فنحن نتبادل الأقنعة.
(الأساطير مرآتنا الكاذبة
ولي غاية في التفتت
كي يستعاد بناء الصروح
والسراب الذي قد تسمونه بالسراب
سيتعبه الركض في المستحيل
فيصبح نحن
أو
….. تتبادل الأقنعة).
4
تسعى الشاعرة الى تكوين بقعة خاصة بها في الشعرية العراقية هذه البقعة مؤلفة من ثلاثة مفردات هي:

الروح
الجسد
القارئ
هذه الثلاثية هي نواة حية للخلق وتجد في كل القصائد ما يدل على هذه الثلاثية!

Advertisements

– * فليحة حسن و إشتغالات الظاهرة الفراغية – جبار النجدي

فليحة حسن و إشتغالات الظاهرة الفراغية – جبار النجدي

د - فليحة حسن

د – فليحة حسن

جبار النجدي

جبار النجدي

إن أهم مشهد نتلقاه من الفضاء الشعري للشاعرة فليحة حسن هو محاولة تعويض الفقدان الذي لا يمكن استبداله بأي جهد، عبر استحضار صورة المرأة المشدودة الوثاق لأثر الرجل الغائب وبالتالي إعادة توجيه النظرة إلى ما يترتب عن تشغيل وظيفة الاستحضار للبنية المتنحية، فيتحول الشعر إلى تمثيل إنتاجي لشيء مستبعد، لاسيما وأن حضور الرجل يتخذ منزلة الحب الأسروي المفقود. إن ما تولده الحروب من توتر وتغير يتحول بالنتيجة إلى اغتراب وشعور بالوحدة، خاصة وأن الحروب هي بالدرجة الأساس عقاب جسدي جماعي تتسع مراميه لخلق ضروب من اضطرابات النفس واختلالات العقل، الأمر الذي يدعو المرأة الشاعرة لسد هذه المنزلة الفارغة بالشعر، ولعل هذا الأمر يمثل ميداناً حقيقياً لحلول الشعر بديلاً عن الجسد الغائب، فلا مناص للمرأة الشاعرة من الغوص في بواطن الشعر المنشغل بالجسد الغائب، طالما ظل الرجل من ممتلكات مشعلي الحروب، وهكذا تتشكل اشتغالات الشاعرة فليحة حسن من أحاسيس تهرع وأخرى تنتظر الكارثة، لتقف بمواجهة نسخ مكررة من أصل المأساة التي تفرض منطقاً غريباً وهو الإصرار على إدامة الحياة ببدن واحد، وتلك هي أهم مكونات الاغتراب في شعر فليحة حسن، فالرجل لا يمثل في شعرية الشاعرة سوى صورة الحياة القصيرة القاسية، وانطلاقاً من ذلك يتحتم على الشاعرة مواجهة التحديات ومن بينها مليء الفراغ بالجسد الشعري الأنثوي، وأمام حياة الرجل هذه والتي لا تكون إلاّ ذكرى وانعكاساً آفلاً، تتجه المرأة الشاعرة إلى إعادة اكتشاف الفضاءات الفارغة ونحت الأجساد الإنسانية فيها اعتماداً على شاعرية تعتمد البرهان المظلل لأثر الحضور، ومواصلة الاشتغال الشعري الذي من شأنه ان يحوّل الشعر إلى كثافة جسدية وإنتاج مكان إضافي للنمو الأنثوي في عالم فارغ من جسدية الرجل، لذا تكون صورة الغربة حاضرة بالضرورة في الاشتغالات الشعرية للشاعرة (فليحة) وهي تنتج هذا الضرب من الشعر الكامن وراء معنى الانتظار. إن الاشتغال الشعري يثير الانتباه إلى ما نستطيع تسميته بـ(الظاهرة الفراغية) في الشعر، وهي ظاهرة لها لسان شعري من نوع آخر، منشغل بمعالجة تبديد القوة الجسدية للرجل بأفعال تقترب من العبث واللعب مع الأقدار، وهو معطى شعري فارغ من أية حميمية، لكنه واقع في صورة الجسد الرجولي الذي تمزقه الحروب فلا تتلقى المرأة من شظاياه المتناثرة سوى الانطواء والعزلة بعد إمحاء موجوديته التي يتملكها سواه، حيث تبرز الهيئة الجسدية التي تنتج شبحاً حاملاً لسجل الأجيال الدامي ومرغماً المرأة على الترقب واجتذاب هواجس الفزع الموصولة بجذور التصورات الكارثية: تلك علامات صبح آفل
تقول التي
لم تزل للآن
تسوي غطاء السرير
وتحلم ان سيجيء
بواحدة من ليالي الحنين
تشعل عود ثقاب
تطفئه
تلك بقايا سنين ذوت
————-
————-
————-
تقول أخته: قبل حربين
كنت أوسد رأسي لصدر حنون
ما عدت أذكر
كيف وجدنا عظام القتيل
وكان أبي
يدافع عن بعض أرض سراب
ويسأل ظله،
لمن هي في الأصل؟
يلتقط الشعر صورة تخمينية للرجل الشبح في محاولة لترسيخ مناعة الأنثوي في الرجولي الذي يسمح للأنثى بإدارة ذات الذكر، هذا التعاقد الأنثوي الذكوري المنحوت في الفراغ هو سمة لشعرية المرأة التي استوفت شروط الشعرية بغياب الرجل وجسده بوصفه مشروع غياب تتبناه الحروب، ولكن تواري الجسد الذكوري يسمح بحلول الجسد الأنثوي الذي يعمل على إيقاظ الحواس الأنثوية بدلاً من إماتتها، لذا تصبح مسألة الإنصياع لمحنة الرجل بمثابة تحرر من تبعيته، لكنه التحرر الذي يسمح بالاتصال الجسدي مع الروح الهائمة، هذا الاستمرار الشعري الذي تحتمه العلاقة مع الغائب، وان كان غياباً، لكنه يشكل حصوراً لبنية الشعر، التي تستجيب لغياب الوظائف الجسدية، وتكوين الأواصر معها، حيث يتحقق المعنى في غير صورته المألوفة:
صار يشدّ عليّ غطاء الدفء
فأقرر:
سأعلن حربي
واليوم
أبصرت الطفل المهووس بقربي
يرفع عني غطائي
ينظر صوب الأشياء الناضجة
ويمد يداً نحو الرأس الأتعبه الركض
في دهليز الحرب
————-
————-
————-
مذ كان لي والد
قد بيع للثكنات …. السواتر
ومذ كنت أبالغ فيك
فأرسم كفاً أصافحها
رغم شدو السياط فوق جدراننا
————-
————-
أيه (محمد):
لو كانت الأرض مربعة
لاختبأنا بإحدى الزوايا
ولكنها مدورة
لذا يجب ان نواجه العالم
ولكن هل تفلح الأقدار في تصحيح أخطائها؟، وعلى الرغم من أن الأقدار لا يقوى على بطلانها أحد، غير أن الشاعرة عاجزة عن مقاومة رغبتها في الحلول ببقايا إنسان، لعل الدور الإيهامي الذي يمارسه الاشتغال الشعري هذا والذي ينشئه الغائب في الحاضر يتعلق بملكة الحلول التي تحتوي على متضمنات، من بينها تحويل الشعر إلى سلوك اتصالي، يقوم بدور المنشط للذاكرة، مستثيراً خبايا الغائب أو شكل نهايته وهو دور إحالي وليس دوراً ختامياً انه يشير إلى ما يتلوه ويستغرق في لذة إنجاب أثر لما هو غائب، أن الشيء الغائب يكون مستحيلاً، إنه قابل للمبادلة بغيره:
يا هذا المستوحش أبداً
في غابات تمطر تيهاً
لا تعبث بتراب الصورة
أو وهج حصاها
فاللوحة لغراب هائم
أكمل تأثيث منافيه
وعلى الرغم من ان الأنوثة الحزينة المنكسرة في قصائد المجموعة لا تحصل على اعتبار إلا إذا كان موصولاً بغياب الرجل مما يولد اغتراباً في مشاعرها ويزعزع قيمة وجودها وهو تصور يتأسس على مبدأ التفاعلات الجسدية الناقصة، التي توجب إطلاق سلسلة من الاستحالات ومن بينها إعادة إنشاء الجسد الشعري في الفراغ ومحاولة حذف الأخطاء عبر هاجس التصحيح، غير ان استحالات الشاعرة المتمثلة في استحضار الغائب ما هي إلا صور ترتدي أشكالاً للذكرى، وان هذا ليعني إذن بأنها تشتغل عكس منطقها على افتراض ان لكتابة إنتاج ليس مستقلاً عن الفرد، ولكن هذا التأسيس هو في حقيقة الأمر متأسس على مهارة تحويل الدلالي إلى طيفي وهو بالنتيجة نفي لموجودية الإنسان والاشتغال على جدلية (اختفاء الظهور) والتي لا تفترض أناساً لا يراهم الشعر إلا بجسد كامل، بمعنى ان ظهور بدائل للأجساد هو إخفاء لها، لكنه إخفاء مضاعف وتعويض من شأنه ان يولد أملاً:
لو كان القلب شمالاً لاستمتعتم ببرودته لكن جنوبيته تأبى
إلا ان تهديكم جمراً
اختراع نهراً وأصيد الظمأ
أن أغني لفرحة قاتلي
في حداد روحي أرتدي البياض
وبالمقابل فأن ثمة طرق أنثوية في التعبير الشعبي تشف حزنه وامتثالاً للذكرى ولوعة مشبوبة بالوفاء لمن غاب، لدرجة أن المرأة قد تعامل جسدها حزناً بمنطق ما يعامل به جسد الرجل في الحرب، بوصفها الأكثر إحساساً بأهمية الجسد، ولذلك فهي التي تعيد إنشائه بعوامل التخييل على صور شتى، وأني لاعتقد ان الشعر يماثل كل ما هو قادر على إعادة الإنشاء، اما الفارق المثير للاهتمام فهو إعادة الإنشاء غير المستقلة عن ذات الفرد الغائب والتي بوسع المرأة ومن خلالها ان تمتلك أسراراً شعرية:
بين الوجه وبين الناس
فيقذفني المنفى
للمنفى
والحرب الأولى
للأخرى
وأعود أيمم وجهي
شطر المرآة
مرآتي:
هل يوجد في هذي الأرض
أكثر حزناً مني؟
فتهز الرأس
لابد من ان ينتهي المطاف الشعري بإثارة مشاعر الغربة في نمط من التعبير الشعري المنشغل بالعودة إلى شيء ضائع لكنه يشغل مساحة الأنوثة الشعرية بآليات اشتغال تعتمد الخيالي لا الوهمي. أن اشتغالات الشاعرة فليحة حسن تكمن في توجيه سلوك الشعر من سلوك يبحث عن متلق لأمنيات يتمناها إلى اشتغال يبحث عن إشكالية صادمة لدى المتلقي وهو سلوك أي كائن ينتج معنى أو دلالة فلابد له من تفكيك المواثيق والثوابت بالمعنى الذي يرفض الاستقرار والوقوف على شيء بعينه.

– * الحلم الضائع فليحة حسن تلهم الاشياء – غالب حسن الشابندر

 الحلم الضائع فليحة حسن تلهم الاشياء         غالب حسن الشابندر

fa

غالب حسن الشابندر

 (حزينيا أو نقص في كريات الفرح) هي المجموعة القصصية الا ولى للشاعرة العراقية فليحة حسن، صدرت عن دار () وكان تصميم الغلاف من إبداع الفنانة العراقية (عفيفة لعيبي)، والسيدة فليحة حسن شاعرة عراقية نالت العديد من جوائز التقدير لنشاطها الشعري المتميز بالقوة والخصب والروح والتوتر، ولها إسهامات فنية بارزة في عالم الأدب، في النوادي والمحافل العراقية التي تشهد منذ سقوط الديكتاتورية فعاليات مستمرة تتسم بالقوة المشرقة والحضور الحي، الأمر الذي ينبيء عن مستقبل عراقي متألق على صعيد النشاط الثقافي والروحي والفكري.
تضم المجموعة أربعة عشرة قصة قصيرة (إغفاءة على هدب عينيها، حزينيا أو نقص في كريات الفرح، في إنتظارها أموت، سندرلا الرمل، إشارات، إمتدادات يوم معطوب، سر المرايا، طوق الحديد، إينانا ويستمر الاحتراق، الشاهدة وجه آخر للبرد).
تصر السيد فليحة حسن أن تنتمي إلى فن القصة بملكوتها الجديد، حيث تتحرر من عبودية الحبكة المكثفة على شكل حدث، لتحيلنا إلى حبكة الحدث المنتشر، أو حبكة الحدث الحاضرة على إ متداد السرد، وهي بذلك تجعلنا نعايش حدثا واحدا ولكنّه يتوزع بمهارة فنية شاعرية شفافة وحارقة على جسد السرد كله، فالحدث روح والسرد جسم، والروح تتنقل بحركة ساخنة على كل ذرات الجسم. فيما تشكل الفكرة بوصلة التواصل بين الحدث والسرد، أي بين الروح والجسم، وبهذه الطريقة الفنية الجميلة يتشكل هيكل الإنجاز، متميزا منفردا.
في (حزينيا أو نقص في كريات الفرح) يلتقطنا الحدث ليصهرنا في روحه المتوثبة حزنا، والسرد وإن كان يعبر عن (أنا) مكثفة ولكنه يتوزع بين هذه الأنا والآخر كقضية ملحة وساخنة، تستوجب من القاري والناقد على حد سواء أ ن يلاحق الحدث المتوزع بين الطرفين ليصل إلى نتيجة، ليس لأن الحدث بحد ذاته يشغل آخرين وليس فليحة حسن وحدها، بل لأن الحوار يشكل عمقا في الرؤى، وتصورات عميقة عن ا لمآساة، وكل من الطرفين يملك شخصيته وهويته الخاصة، مما يستدعي الصراع والتوتر الحادين. ولكنه في النتيجة بين طرفين، أحدهما يشعر بالضعف و الأخر بشعر بالقوة، والإحالة هي أكداس الماضي وا لموروث المترسخ في أ عماق اللاوعي الاجتماعي المذهل والقاهر.
هناك صراع بين قوة الكسل، وضعف الجدية، صراع بين أصالة المشاعر وقسوة العضلة، صراع بين الصبح البازغ والنهار الكسول، وكل ذلك هو صراع بين روح تغلبت على جسد، وجسد تغلب على روح، فما أ بعد ا لشقة بين الطرفين، وكيف لهما أن يشقا طريقهما في هذه الحياة؟
ــ العاشرة أعلنت عن نفسها وهو لما يزل نائما، منتشيا،ككل يوم بكسل إشتراه بعمري، وصار أن تبادلنا الادوار ـ قسرا ـ هو ينام إلى ما تيسر من الوقت وأنا اركض لاقمة ثوبي بفمي….
يلعب الرمز هنا دوره في سرد فليحة حسن، الرمز المادي الذي يخفي وراءه عالما كبيرا من المثال والخيال، فالزمن هو العاشرة صباحا، ولكنه هو العمر كله، بما ينطوي عليه من حقيقة روحية ساكنة خلف الجلد واللحم ولكنه متوهج بالمشكلة، ثائر على الزمن الممتد لهذا التوقيت المحلي البسيط.
ينحاز مصطلح الإنتصار إلى الوهم في (حزينيا) فيما ينحاز الإنتظار الى الحقيقة، لان لا شي في ضمير (السارد) سوى الانتظار، ولكنه على مضض، وعلى أمل أن يكون هناك حدث ما يغير المعادلة ويقلب الموازين، ولكن كما يبدو لا نتيجة.
حب تصنعه الضرورة لا يدوم (هل الحرب وحدها قادرة على لصق أذاننا بهمس العشاق، ودوي القنابل معا، فإذا رحلت سكن كل صوت)!
مثل هذا الحب يترجم كل الحياة المشتركة بـ (كفى) كمدخول كامل وحصري لأعمق علاقة تصنع الوجود.
ــ أعرف أنك زوجتي وكفى.
كان الرمز المادي حاضرا بقوة، ولكن يختزن بقوة أيضا الحقيقة المخفية، تراود نفسها من بين ثنايا الرمز لتعلن أنها هي الواقع، وإن (فليحة) تتكلم خائفة ليس من الوشاية، بل من الواقع ذاته.
ــ هو ينام الآن مستلقيا على جانبه فيحتلني،إيهٍ من هذه اللحظة، إذ لا درع يقنيني من سليل الذكريات.
إحتلال جسد لروح، وهيمنة ظل على شاخص، وتمادي وهم بتورية الحقيقة الساطعة، وهناك تضيع الحياة!
ــ ها قد أتعبه النوم على جهة واحدة، هو ينقلب ليواجهني بوجه لا أعرفه،فأصرخ في داخلي: من هذا؟
إنه هو، تعرفه جيداً، ولكنها تعرفه بإسمه لا بسماه، ضاع في داخلها، وضاعت في داخله، ليحتل الفراغ كل هذا الوجود.
في عملها (ليس من حقك أن أ تلاشى) نلتقي بتجربة أخرى، ولكنها تلتقي بكل بسابقتها من حيث الجوهر، هي قسوة الحياة عندما تفرض معادلاتها بغير إرادتنا، فمثل هذا القدر الجاسي يقود إلى (تشيء) الروح، وتحويلنا الى سلعة من دون أن نشعر في كثير من الاحيان بأننا تحولنا إلى سلع، وهي مآسآة أقل وجعا فيما لو علمنا ذلك ووعيناه، وفليحة كا نت تشعر بإن هناك ضغطا هائلا يحول دون ممارسة روحنا لحقها من الحب والحياة!
ــ وأطرق خجلا وأريد أن أخبره بأني لم أُصب يوما بالتبلد العاطفي غير أنهم يجعلوني أتجه صوبه وأنخرط به مرغمة.
تلك هي مآساة الكثير من البشر في عالمنا اليوم، وإذا كانت هي نتيجة غير منطقية لتيار الحياة كما أرادها الله، فإنها تأتي لأسباب كثيرة، يبدو إ ن السارد هنا التقط منها ما يتصل بنا نحن ابناء الشرق.
يرسم لنا السرد مأساة الحب مقابل لا شي، ولكن الطرف الآخر يستهين بمثل هذه المعادلة ويستغلها لأنه من الجنس القوي الذي حكم التاريخ صدفة وبسبب ظروف خارجة عن منطق الحياة.
ــ اصخب في ّ كل شي، أنا التي لم ارد منه شيئا ما.
ـ سأقول له.
ـ لماذا تتركني صاخبة بك وترحل.
تلك هي الخاتمة، في سياق سرد متوتر، متوزع، يتحكم به تيار اللاوعي، ليس على صعيد الصياغة الشعرية،بل حتى على صعيد الحدث، فكا نت الا حدات تجري رغما عن السرد.

– * من هي ” فليحة حسن ” ؟

·من هي ” فليحة حسن ” ؟

د - فليحة حسن

د – فليحة حسن

إنسانة تحلم بالكثير ولا تجيد التحدث عن نفسها وإنما تترك لما تكتب الحديث بدلاً عنها
2. متى بدأت تجربتك الشعرية ؟

إذا كان المقصود هنا أول الكتابات فالطفولة هي حضنها ، غير إن أول تدوين  تاريخي لكتاباتي يعود الى 1992 حين أصدرتُ مجموعتي الشعرية البكر التي حملتْ عنوان (لأنني فتاة) والتي صدرتْ عن دار المنار في النجف .
3.كم عمر منجزك الأدبي ؟

 منجزي الأدبي يمتد من التسعينات الى ما شاء الله لي من عمر أعيشه!

4. هل هناك رواية أنثوية ؟

بالطبع ، الرواية الأنثوية تمتد جذورها الى البداية الكتابية للمرأة ،والى اللحظات الأولى لتطور وعي الحكي عندها ، ومن السهول بمكان أن نقول إن بدايات الرواية الأنثوية تعود الى حكايات (شهرزاد) في “ألف ليلة وليلة”،  تلك الأنثى التي روتْ وتدثرتْ برواياتها لتحتمي من ظلم وبطش الآخر المستبد ( شهريار) وإذا ما استطاعتْ المرأة أن تمارس كتابة الرواية وبوعي ، فهذا مفاده  إنّها تريد أن تعلن عن ذات قادرة وخلاقة ،

 قادرة على إدارة دفة الإبداع صوب وعيها بذاتها ،ولفت انتباه الآخر الى ما تؤشره  من أحداث هي ليستْ بعيدة عنها، أحداث تصبُّ  في صلّب الواقع الذي تعيشه ، وخلاقة بمعنى الإنتاج الإبداعي الذي ينتمي الى مباهج الجمال ،

غير إن ما يحدد هوية الرواية من حيث انتمائها الى ( هذا النوع الكتابي ) لا يتعلق بجنس كاتبها ( ذكراً  كان أم أنثى ) بل يمتد الى فنية تلك الرواية أي الظواهر السردية المتشكلة فيها والتي تنتمي الى الأنوثة وتشير إليها بوضوح .

5.ماذا يميزك عن غيرك؟

اعتقد إنَّ هذا السؤال يجيب عنه مَنْ يقرأ كتاباتي ،غير إنني يمكن أن أقول لا فرق كبير بين ما أحياه وبين ما أشير له في ما اكتب .

6.الرجل في كتابتك صنيعة المجتمع الشرقي ومنتقد ما السب ؟

إذا كان المقصود هنا الرجل الذي تنزّ صورته من بين سطوري  ، فأقول نعم ،

هو صنيعة مجتمع شرقي سوّده على الأنثى بلا وجهة حق ، وجعله القائد لدفة الحياة ، وركَّن المرأة بأدوارها العظيمة والمتعددة الى زوايا (الثانوية) و(التهميش) ،علماً إن كلَّ أفعال الحياة تعود في الأصل الى المرأة وحدها ، والبيت ابسط مثال على ذلك فلو قارنا بين أعمال المرأة (الزوجة ) اليومية مع أعمال زوجها في البيت حصراً لوجدناها المتحملة  للجهد الأكبر في ذلك،  فما بالك إذا أضفنا لها الأدوار الأخرى التي أنيطتْ بها  بعد ذلك من أعمال حياتية لا تفتقر الى الجهد المضني ، متمثلة بالعمل خارج البيت ،

نعم  الرجل ببساطة هو جاني الثمر وبلا جهود تذكر، بينما الأصل في روعة ذلك الثمر وحلاوته  يعود الى المرأة وحدها ، وإنْ رفض بعض الرجال الاعتراف بهذه الحقيقة ،

7. ما هي الجوائز التي نلتها عن ما قدمته ؟

نلتُ العديد من الجوائز أولها جائزة نازك الملائكة في الشعر وآخرها تكريمي من قبل مهرجان العنقاء بقلادة الإبداع لهذا العام ، لكن أهم جوائزي حين يقابلني شخص لا ينتمي الى قائمة المبدعين ويقول لي سيدتي قرأتُ لك نصاً وأعجبتُ به ثم يبدأ بترتيله أمامي ، لحظتها أتجلى مع صوته الى سماوات لم تخلق إلا لي وحدي وأعيش لحظة  حياة حقيقية ، وقد حدث لي هذا مراراً وأتمنى أن يتكرر دوماً  .

8.كتبتي القصيدة والنثر والقصة والرواية فما سبب هذا التنوع في تجربة فليحة حسن ؟

ليس هناك من سبب يذكر، فأنا لا اجلس وأقرر اليوم سأكتب قصة وغداً سأكتب قصيدة ، الإبداع وحده هو من يختار شكله حين يحتلني،  فقد تتبلور فكرة في داخلي وتسري الكلمات في ذاتي غير إنَّها تلبس لبوساً تريده هي  وافرح لأنني لا أطوعها وأشكّلها بيدي  بل أحبها أكثر إذا كانت عصية حتى على منشئها اقصد عصية عليّ ، ولا تمنحني القدرة على تشكيها حسبما أريد فتظهر القصة مثلاً حين تريد أن تولد قصة لا أكثر ولا اقل وليست روايتي نص معدل عن قصة طويلة ، أبداً لم يحدث ذلك .
9. كتاباتك تتسم بالحزن لماذا برأيك ؟

الحزن يشكلني ، أنا وهو توأم ولا فرح حقيقي لديَّ لأهرب إليه وان حاولت تغير حياتي تحت يافطة ( حياتك إن لم تعجبك بدلها) ولذا حين اكتب  أكتبني ، ولا اقرب إليَّ مني سوى الحزن ، وكثيراً ما أتساءل هل فعلاً يوجد أدب سعيد ؟ نعم يوجد أدب ساخر لكنه يحمل طعم الحزن في طياته حتى إننا أحياناً نبكي من سخريته لأنها تلامس واقعنا المرير ، وأبداً لا يمكن أن اسمي القصة التي تنتهي بزواج أبطالها أو عودة الغائب الى بيته مثلاً قصة سعيدة ،فما أكثر العناءات التي تحمّلها الإبطال حتى وصلوا الى تلك الخاتمة التي قد تأتي متأخرة غالباً .

10. بيئة الجنوب ماذا أضافت لك؟

أنا ولدت وعشت في النجف وان لم تكن جذوري نجفية فعلا ً، غير إن الجنوب هو نكهة الحياة، نعم سافرتُ واغتربتُ غير إن الطعم الأول لحلاوة ومرارة الأشياء تشكَّل في المدينة التي لملمتْ ذكرياتي بيديها ودوماً أقول لذاتي وأنا أُجلسها على طاولة الحساب

لولا السفر والترحال الكثير في مدن العراق وخاصة الجنوبية منه لما تزودتي بكلّ رائحة الذكريات تلك ولكنت تبحثين الآن عن من يرشدك الى موضوع للكتابة فافرحي بما اكتسبته من حزن جنوبي خلاق!

11.القصة القصيرة في أزمة بسبب هيمنة الرواية. ما قولك

لست مع هذا الرأي ، لكني اعتقد إن هيمنة الرواية عائد الى أسباب عديدة منها  كون الرواية لها مرجعية نظرية متعددة بينما تفتقر القصة القصيرة الى ذلك ،إضافة الى ذلك طبيعة البشر القائمة على امتداد مساحة الحكي في التعبير ، حتى قالت العرب في أمثالها( الحديث ذو شجون)  ونقول (للحديث بقية ، أو تتمة) كلّ ذلك يجعل مساحة القول تمتد الى اكبر من حجم القصة القصيرة ،مع ذلك هناك أفكار لابد من إيجازها ولا يمكن أن تصاغ إلا على شكل قصة قصيرة لتعلن قدرتها على التأثير في المتلقي ، يضاف الى ذلك إن متلقيي القصة القصيرة لم ينحسروا تماماً كما يزعم بعضهم ، بل إننا نرى تعدد المواقع الخاصة بالقصة القصيرة في شبكة الانترنيت وازدياد عدد المشتغلين في كتابتها ولما تزل القصة القصيرة تحتل مكانها في الصحف اليومية والأسبوعية والمجلات الثقافية ، وهذا دليل على ثبات القصة القصيرة وعافيتها.

12.كيف تتعامل فليحة حسن مع النقاد ؟

النقد لديّ ظاهرة صحية جداً، ولا تدخل في قاموسي تسمية ( نقد سلبي) أو( ضار)،  بل النقد كلّه يصبُّ في صالح النص أو  كاتبه ،غير إننا في الحقيقة نفتقر الى ناقد أدبي حقيقي فالنظرية النقدية العربية متوقفة عند حدّ عبد القاهر الجرجاني الذي وضع (نظرية النظم)، ولا يمكن أن نسمي من  جاء بعده واشتغل في حقل النقد ناقداً ،لأنّه اشتغل بنظرية نقدية مستوردة من الغرب ، قام بترجمة مصطلحاتها وعمل على ترويض تلك المصطلحات كي تصبُّ في صالح النص العربي، ومادام جهده لم يدخل ضمن التنظير الأدبي  لا يمكن أن نطلق عليه تلك التسمية ، لكن مع ذلك أنا احترم كلّ الكتابات الناقدة لنصي واسعد بها فعلاً، لأنني أعتقد  إن النص المهمل والذي يعّرض عنه  متلقيه ويشيح بوجهه عنه ، صاحبه يجب أن يعتزل الكتابة الى أمر آخر أجدى له وأنفع  .

13.كيف تقيمين البنية الثقافية العراقية الآن؟

بصراحة ما يحدث الآن في الساحة العراقية الثقافية مخيف جداً، بل يدعو الى الهلع لأننا لا نجد المبدع الحقيقي وقد تبوء مكانته في المجتمع بينما صار أنصاف بل أشباه المثقفين يقودون الحراك الثقافي فيه ، وانزوى الأديب الحقيقي بعيداً عن الأضواء الكاذبة ،واتسعت الهوة بين المثقف وبين أبناء مجتمعه حين وصل الجهلة الى موقع التأثير في المجتمع العراقي، وقد كتبتُ أكثر من مقالة تصف هذا الواقع المرير الذي يتطلب وقفة حقيقية وتأمل كبير لمعالجة مشاكله المتفاقمة يوماً بعد آخر .

14.ما تأثير الغربة على كتاباتك

لم تختلف كتاباتي كثيراً بعد سفري عن العراق ، فأنا أصلاً أعيش حالة  الاغتراب منذ كنتُ طفلة بين أقراني، وغربتي جلدي كبرتُ معه، ونما ليحتويني ، لذا أنا أحياها وتحياني

 . 15.ماذا يحتاج المبدع العراقي لتصدير نتاجه الأدبي عربياً وعالمياً ؟

اعتقد الموهبة وحدها لا تكفي ، بل يجب أن يتوافر معها المثابرة والصبر ووجود مؤسسة حقيقية تساند الأديب في هذا الأمر، فتقوم بتقديمه للمتلقي العربي والغربي على الوجه الأكمل والأنصع،

 والمحزن إنني قبل أيام حضرتُ جلسة شعرية في ولاية نيوجرسي احتفتْ بحضوري الأول هناك، وحين أتممتُ قراءة قصائدي سألني بعض الحضور عن أهم الشعراء العراقيين فأجبتهم  ، وكنت كلّما ذكرتُ أسم أحد الشعراء كبدر شاكر السياب والبياتي،  قالوا لا نعرفه،  فبادرتُ بعدها  الى سؤالهم عن الشعراء العرب  فلم يعرفوا سوى جبران خليل جبران ، وهذا مؤسف جداً ، نحن هنا في العراق بدونا وكأننا نعيش في مكان مغلق لم يسمع بنا احد ، واللوم هنا لا يقع على المبدع وحدّه بل على المؤسسات العراقية التي تعمل – تحت يافطة الثقافة – فلوا إنّها تعمد الى  إيصال صوت المبدع الحقيقي العراقي الى الضفة الأخرى من العالم لكان المبدع العراقي الآن يتحلى بحضور مهم ولكان اسمه يتهجى به من قبل المتلقي الغربي أو العربي مثلما نفعل نحن حين نحتفي بحضور ماركيز وميلان كونديرا و مايا انجلوا وتي اس اليوت بعد أن وصل إلينا  أدبهم مترجماً فعرفناهم ،

 نعم الترجمة مهمة جداً وعلى المؤسسة الثقافية أن تهتم بترجمة الأعمال الأدبية العراقية المهمة وإلا سيبقى الجهل بالمثقف العراقي يغلف وعي المتلقي الآخر.

 16.صدرت لك مؤخرا رواية “اكره مدينتي وهي رواية تعالج الظلم الذي يقع على المراة ؟ ما تعليقك

نعم هي كذلك ، غير إن هذه الرواية  وان كانت تنتمي الى واقع الخيال بفكرتها إلا إن حزنها وألمها المرير الم حقيقي معاش ، فيها تحدثتُ عن حياة توأم سيامي (ذكر وأنثى) يستمدان حياتهما من حياة جدتهما المرأة الأمية  التي تعاني القهر الأسري والاجتماعي والاقتصادي وتداعيات الحروب المستمرة ، وتصوري مَنْ يعيش كلّ أنواع القهر هذه كيف له أن يمدَّ الآخر بشيء من الفرح ، الرواية كبيرة بأحداثها،  صغيرة من حيث الحجم كسابقتها ( نمش ماي) وتنتمي الى نفس التيار الكتابي (تيار الأنقاض ) لكنها تفترق عنها من حيث اللغة، كون الأولى كُتبتْ بلغة شعرية وخصوصاً في مرحلة بدء القص ، أما (رواية بعيداً عن العنكبوت حارستي حمامة واكره مدينتي) وان كانت رواية نسوية أيضاً إلا إنّها كتبت بلغة نثرية خالصة ،

– * الشاعرة فليحة حسن – حوار ضياء السيد كامل

الشاعرة فليحة حسن -حوار ضياء السيد كامل 

مصطلح أدب الخارج وأدب الداخل محاولة لتقسيم أدباء العراق

د - فليحة حسن

د – فليحة حسن

لا أرى في قصيدة بيت الشعر إلا مصطلح يراد به النسج على منوال القدامى ليس أكثر.

العاصمة كانت مدينة حلم منشود!!

وجه نسائي أطل على الساحة الثقافية العراقية والعربية بقوة استطاع ان يستحوذ على اهتمام النقاد والمعنيين بالشأن الثقافي ترجمت العشرات من قصائدها الى اللغات (الانكليزية والكردية والاسبانية والايطالية) نشرت في المجلات والدوريات والصحف العراقية والعربية والعالمية اضافة الى النشر الالكتروني في مواقع الانترنت المختلفة كان لها حضور متميز في المهرجانات الثقافية المحلية كـ(مهرجان المربد والسياب والجواهري) وغيرها من المشاركات لها عضويات كثيرة في المؤسسات الثقافية فهي عضوة مؤسسة لمنتدى الأدباء الشباب في النجف وعضوة الهيئة الإدارية في اتحاد أدباء وكتاب النجف وعضوة منتدى نازك الملائكة وكذلك مديرة تحرير مجلة ( بانيقيا ) الصادرة عن اتحاد أدباء وكتاب النجف، صدر لها عدة مجاميع شعرية منها لها عدة مجاميع شعرية (لأنني فتاة)، ( زيارة لمتحف الظل ) ، ( خمسة عناوين لصديقي البحر ) ، ( ولو بعد حين) واخرها (( تشظيات الفاء على مراياهم ) دراسات نقدية انه وجه الاديبة المبدعة فليحة حسن الحاصلة على شهادة الماجستير في اللغة العربية وتحضر للدكتوراه الان.

إلتقيناها لتتحدث عن تجربتها الابداعية فكان لنا معها هذا الحوار:

عالم الكتابة واسع ، من إي الأبواب دخلتها الشاعرة فليحة حسن؟

_ الشعر هو أول الأبواب التي ولجتها دخولا الى عوالم الأدب .

* المثقف العراقي يعاني التهميش والإقصاء بسبب الصراعات السياسية والطائفية، كيف تنظرون لمستقبل الثقافة العراقية في ظل هذه الأجواء؟

_ عالمنا عالم متغير بين لحظة وأخرى تطرأ عليه مستجدات لم تكن في الحسبان وما نراه اليوم من تهميش وإقصاء – كما تقولون- ربما يتحول الى حالة أخرى ايجابية مستقبلاً حين يأخذ المثقف العراقي زمام الأمور،وما الفوز المتكرر للعراقيين في مجالات الأدب المتنوعة كالقصة والشعر والنقد إلا تباشيرأملٍ تشي بهذا الزمن الآتي.

قطعت القصة القصيرة العربية مراحل متعددة ، كيف تنظرين اليوم الى القصة القصيرة في العراق؟

_ على الرغم من إن القصة كما يعتقد بعضهم مشروع أدبي غربي إلا إن التراث العربي يمتلك بين طياته قصص وكتب احتوت على الكثير من القصص التي كان لها التأثير الكبير على القصة الغربية مثل ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة وكتاب البخلاء للجاحظ وغيرها والعراق كان ولما يزل أبا شرعياً لأدب قصصي متميز فما ذنون أيوب وعبد الملك نوري و فؤادالتكرلي ومحمد خضير ومن ثم احمد خلف وعلي بدر إلا أسماء كبيرة استطاعت أن تحفر نفسها في سماء الإبداع القصصي العربي وربما العالمي وبقاء هذه الأسماء في ذاكرة المتلقي العربي والعالمي دليل على إن القصة العراقية بخير وان ماياتي حافل بالكثير من تباريح الإبداع .

ما بين الشعر والقصة القصيرة أين تجدين نفسك وأي منهما أغواك لكتابة ؟

_ ليس لي وأنا الداخلة الى عالم الإبداع لا أن اكتب فان جاء ما كتبته شعرا افرح به، أما إذا خرج قصة فلي أن أرحب بهذا المولود الجديد، يعني ياسيدي ليس لي فيما اكتب حواجز يمكن أن تقف حائلاً بين إبداعي ولكني ابحث عن الفرادة وإضافة البصمة لكلا الإبداعين .

* قصيدة بيت الشعر التي نظّر لها وسوّق لها عشرات الشعراء العراقيون الشباب الا تعتقدين انها تسمية فقط ولكن القصيدة هي التي حلقت في عوالم موجودة لكنها مهملة او غير مرئية وهل من بيتٍ لقصيدة النثر؟

أنا أرى في تلك المسالة محاولة لجر المبدع والمتلقي الى الوراء بدلا من محاولة الأخذ بيده نحو أفاق كبرى يتطلبها عالمنا اليوم ذلك العالم الذي ابسط ما نصفه فيه هو إيغاله بالسرعة فلماذا العودة الى بيت الشعر ؟ وهل إن بيت القصيدة هو الشيء الوحيد الذي نستطيع تقديمه للآخر( الغربي) وهو يقدم لنا كل يوم نظرية أدبية أو شكلا ابداعيا جديدا ِلمَ لم يفكر هؤلاء الشباب مثلا في البحث عن نظرية جديدة توسع المدارك او رسم طرقاً جديدة للحوار الثقافي المطلوب الآن وأنا لا أرى في قصيدة بيت الشعر إلا مصطلح يراد به النسج على منوال القدامى ليس أكثر.

* بعد القرار المجحف من قبل اتحاد الأدباء العرب في تعليق عضوية اتحاد الأدباء العراقي هل تعتقدين إن المثقف العراقي بحاجة الى ان يأخذ مشروعيته منه؟

أبدا المبدع لاتصنعه مؤسسة وليس للمؤسسة الاسهامة الكبيرة في صنع إبداع حقيقي والمبدع العراقي عاش زمن طويل وهم يعاني من التهميش والإقصاء المؤسساتي سواء كان في داخل العراق أم في خارجه ولكن مع هذا ظل الأديب العراقي يرتقي قمة التميز وليس هذا القرار المجحف في تعليق العضوية حكم بنفي الإبداع عن الأدباء العراقيين أبدا فالأديب العراقي قادر على اجتياز محنته بإصراره على تثبيت بصماته الإبداعية على مر الأيام والمستقبل حافل بالكثير والأيام حبلى بما لانتوقع.

ادب الداخل ادب الخارج تسمية برزت بقوة بعد التغييرهل هناك وجه للشبه بينها وبين نظرة السياسيين المعارضين الذين كانوا خارج العراق او لنقل كيف تعلقين على هذه الظاهرة؟

الأدب واحد خصوصا بعد ظهور الثورة المعلوماتية الكبيرة التي جعلت العالم قرية صغيرة على حد تعبير بعضهم وأنت بضغطة واحدة على جهاز الحاسوب تستطيع أن ترى العالم الشاسع الإبعاد وتطلع على ماكتب ومافكر به وأعلنه هذا الأمر جعل الأدباء يكتبون عن رؤى وأفكار متشابهه نوعا ما ويصل تشابهها حد التطابق في أحيان أخر وهذا عائد الى الانفتاح بين المبدعين وأما مصطلح أدب الخارج وأدب الداخل فانا أرى فيه محاولة لتقسيم ادباءالعراق ووضع إسفين التفرقة بينهم .

النشر عبر الانترنت هل اتاح الفرصة للمثقف العراقي في الانتشار عالميا بعيداً عن مزاجية وديكتاتورية محرري الصفحات الثقافية في الصحف اليومية؟

_ هذا هو الجانب المشرق فيه أما الجانب الآخر فليس للانترنيت القدرة التي تجعله صالحا ومتوفرا لكل الناس أي انه لم يصبح بعد ثقافة جماهيرية يمكنها أن تحل محل الصحف اليومية التي بإمكان أيما إنسان اقتنائها ومتى ماشاء والاطلاع على ماكتب فيها إذ إن الانترنيت محكوم بتكنولوجيا وتقنية خاصة كثيرا ما لم تتوفر للمتلقي البسيط ومن ثم فان النشر في الصحف والمجلات الورقية أمر لابد منه لإمكانية وصول تلك الصحف والمجلات الى اكبر عدد من المتلقين.

هل ما تزال الكاتبة العراقية محكومة بذكورية المثقف ام استطاعت ان توسس وثؤثر في الساحة الثقافية؟

_ التهميش الذي تعانيه المرأة المثقفة ليس خاصا بالعراق دونا عن سواه وإنما هو ارث قديم مسلط عليها وليس لها لكي تضع نفسها في مكان إبداعي مرموق إلا السعي والمثابرة والنظر الى الأمر بجدية والعمل الفعلي على إبعاد ذلك التسلط بإبراز مقدراتها الإبداعية التي تضعها والرجل على حد سواء .

* المتابع للثقافة العراقية يرى قلة اعداد الاديبات العراقيات الموجودات على الساحة الثقافية ما السبب برأيك و بعيدا عن اشكالية الادب النسوي والذكوري؟

_ الإبداع طريق وعر وسلوكه ليس بالهين وقد يتعرض فيه المبدع الى الكثير من المطبات المؤلمة ، اعني التجارب القاسية والصمود من اجل الوصول أمر لايتسنى للكثير من المبدعات على سبيل المثال لاالحصر انتمى لمنتدى الأدباء الشباب في النجف في أول تأسيسه عدد كبير من الشاعرات والقاصات ولكنهن اليوم لم يتبق من هن على الساحة الإبداعية إلا أنا فقد أخذتهن الحياة بدواماتها المختلفة بعيدا عن شواطئ الإبداع .

* بعد ثورة الانترنت ومئات الصحف التي تصدر هل ماتزال العاصمة مركزاً للنجاح وعيون ادباء المحافظات ترنو اليها؟

_ العاصمة كانت مدينة حلم منشود ولكننا نرى اليوم العاصمة مدينة خوف يتجنبها الكثير من المبدعين وذلك للظروف العصيبة التي تمربها وكثيرا ما نلاحظ الفعاليات الأدبية تقام في مدن أخرى بعيدا عن العاصمة،الذي أريد أن أقوله أن العاصمة لم تعد تحمل إمكانية الفرح للمبدعين وان عيون المبدعين وجدت لها أفاقاً أخرى ترنو إليها .وما اختيار مدينة ( بابل) عاصمة للثقافة العراقية لهذا العام إلا دليل على ما أقول .

* هل وصلت فليحة حسن لما تبتغيه من خلال الكتابة وما هو جديدك؟

أن أصل الى ما اطمح ا ليه هذا أمر لم يتحقق بعد ، وأنا كل يوم لي جديد اعني إنني والحمد لله في تواصل مع الكتابة بشتى أنواعها فقد انتهيت من كتابة مجموعة قصصية ومجموعة شعرية ومجموعة من النصوص المفتوحة ومسرحية وأنا أفكر بجد في ولوج عالم الرواية كما طبع لي مؤخرا كتاب في النقد هو ( تشظيات الفاء فوق مراياهم ) .

حوار لجريدة الاتجاه الثقافي العراقية أجرته / الصحفية وصال مصطفى 

ضياء السيد كامل / مركز النور

– * حوار الى مجلة ايلاف الالكترونية

حوار الى مجلة ايلاف الالكترونية – حاورها عبد الجبار العتابي

فليحة حسن : اسير بخطى تزعج الرجل

د - فليحة حسن

د – فليحة حسن

عبد الجبار العتابي من بغداد: في وجهها تأتلق القصائد كالثريات، وتعبق من كوامن نفسها روائح الابداع.. زكية، فلا تكاد تقرأ لها قصيدة حتى تتسلل الى نفسك بشكل عفوي ازدهارات مفعمة بالعذوبة والحنين، ولا تكاد تتحدث معها حتى تعرف مقدار القوة في ذاتها وان كانت تغطيها اجنحة من حياء ترفرف بسرعة فتكسو ملامحها بشكل واضح، انها الشاعرة والقاصة العراقية فليحة حسن، التي استطاعت ان تضع له بصمة على الواقع الادبي العراقي وليس النسوي فقط، معها اجرينا هذا الحوار الذي تعرفنا من خلاله على الكثير مما في نفسها عرفناك شاعرة لكننا عرفناك قاصة ايضا، ايهما بدأت اولا؟
– الشعر أول مخاضاتي واسبق من حيث الانتماء إليه.

* لماذا الشعر والقصة معا؟
– مثلما لا تستطيع المرأة التحكم بجنس جنينها لا استطيع أن أتحكم بجنس كتاباتي فأشير لما في داخلي أن يولد شعرا أو قصة أو مسرحا أو رواية أو حتى كتابة للطفل، الإبداع واحد لديّ وان اختلف في شكله.

* هل ثمة عقبات اعترضت طريقك نحو الانتشار؟

الانتشار غاية لايدركها كل مطالب لها، فهي من الصعوبة بمكان تتطلب ممن يبحث عنها سعياً حثيثاً، والصعوبات التي اعترضت انتشاري وما تزال عديدة، لكني اسعى الى الوصول الى مبتغاي، ولو بعد حين.

* ما الذي منحتك اياه مدينة النجف؟
– النجف مدينة يتداخل فيها الموت والحياة البداية والنهاية اليأس والأمل، اليباس والاخضرار، فحين أسير في المدينة القديمة منها اشعر وكأنني أتسلل في أحشاء كائن حي، يحسني وأحسه لكنها أيضاً تخنقني بقبورها المتنامية يوما بعد آخر مما يجعلني أتكور كجنين محتمية بذاتي، النجف بكل تناقضاتها هذه أعطتني الشعر وجعلتني امتلأ به، لكنها أيضا لم تسمح لي بالبوح به بيسر، ربما لأنني فتاة.

* هل ثمة صعوبات عانيت منها في الامساك بادواتك الشعرية او القصصية؟
– في اعتقادي إن الفن معرفة معبر عنها باللغة والصورة معاً، لذا فانا أخشى الورقة الفارغة، حد إنني اردد أمامها حين الشروع في الكتابة: اللهم انصرني على بياض الورقة.

ما أكثر ما يقلقك في تكوين القصيدة؟
– كثيرا ما أعيش حدث قصائدي قبل كتابتها والحدث عادة يكون اكبر من اللغة المعبر بها عنه، وهنا يأتي القلق، لكنه قلق من النوع الصحي الذي يصب في صالح القصيدة إذا انه يجعلني أفتش مراراً في قاموسي الشعري عن لغة توازي الحدث المعاش أو تقترب منه في الأقل.

* متى تهربين من القصيدة الى القصة او العكس؟
– لم يحدث أن هربتُ من احدهما الى الأخرى، بل على العكس أن هروبي للإبداع باختلاف أنواعه هو هروب من عالم الآخر المفروض عليّ الى عالمي الإنساني الداخلي.

* هل كان تأثرك الاول بشاعر ام شاعرة ولماذا؟
– إذا كان معنى التأثر هنا بمعنى محاولة النسج على منوال الأخر، فهذا لم يحدث لي مطلقاً، لأنني اسعى الى الفرادة الكتابية ووضع البصمة المميزة لي في كل ما اكتب، لكني مدمنة على قراءة المتنبي والسياب ولي أسبابي في ذلك.

* الم تخشي سطوة الشعراء الرجال؟

أنا ولدتُ وعشتُ ومازلتُ في مدينة ذكورية حدّ النخاع لكن إيماني بما اكتب يجعلني أسير بخطى واثقة قد تزعج الآخر الرجل أحياناً، ولكن لم يحدث أبداً إنني فكرتُ بسطوة شاعر أو خفتُ منه، على العكس تماماً قصائدي فرضت سطوتها على بعض الذكور، فقلدها بعضهم وتحاشاها البعض الآخر.

* ما المواضيع التي يتناولها شعرك؟
– أحاول أن اكتب حياتي بكل تناقضاتها بمرارتها وحلاوتها بأفراحها وأتراحها لذا فموضوعاتي الكتابية تحاول أن تكون وعاء لحياة كاملة، وأحاول أن أدون حتى التفاصيل الصغيرة منها لاعتقادي إنها من العناصر التي تمنح العمل الأدبي قيمته.

* لماذا يعاب على المرأة الاديبة فقدان الجرأة؟
– المرأة الشرقية ولدتْ وتربتْ مع الانكسار وهي لم تطلع على حركات التحرر التي عرفها العالم الغربي ومنها النسوية إلا في سنوات متأخرة من هذا القرن، ومطالبتها بالجرأة في التعبير والإفصاح عن مكنوناتها ليس بالأمر الهين فالمبدعة تبحث عن قيمتها في عالم رافض لها يستعيض عن ضعفه بتأكيده لذكورته، وعلى العكس من ذلك نرى العالم الشرقي وخصوصاً العربي منه يعيب على المرأة جرأتها في الطرح، ويعده سبة عليها،

* هل حدث ان صرخت بأعلى صوتك في قصيدة اعلانا للحب؟
– دائما تكون آهاتي مكتومة، فقط حين شعرت بإحساس حبي لولدي احمد قد فاق حجم روحي كتبته شعرا صارخا و حينها فقط أحسست بان حبر كلماتي قد فاض على وجه الورقة وتسلل الى ماوراء الأسطر معلناً ولادة أمل جديد.

* ما أخر مجموعة شعرية صدرت لك؟

الاصدرالشعري الأخير كان( ولو بعد حين).

* هل كانت هذه هي المحاولة الاولى لك ام لديك غيرها؟
اسمح لي أن ألخص محاولاتي فأقول: (لأنني فتاة)، زرتُ (متحف الظل)، ووضعتُ (خمسة عناوين لصديقي البحر)، علني أراه (ولو بعد حين)، لكني (تشظيتُ فوق مراياهم)، وأصابني (نقص في كريات الفرح)، وصرتُ (حزينيا)، في انتظار (حارس الأحلام).

* ما زال البعض يتهم المرأة بعدم القدرة على الكنابة ودائما يقول لها: من يكتب لك؟ لماذا برأيك؟
– لان الرجل الى الآن مازال مصراً على الاحتفاظ بالصورة الماضوية المتوارثة للمرأة والتي ُتظهرها بهيئة العاجز المتكأ على الرجل، أو التابع له في كل شيء، حتى في الإبداع، ولا وجود في ذهنه لمرأة الحاضر أو المرأة المستقبلية التي تظهر بها كمبدعة حقيقية تطأ مدن البوح بجدارة قد تفوق ما يأتي به الرجل من إبداع.

* هل يلعب جمال الاديبة دورا في انتشارها؟
– إعلامياً، نعم، الكاميرات تعشق الوجوه الجميلة وتسعى جاهدة من اجل ظهورها على أغلفة المجلات.

ما الأسباب وراء قلة الاصوات الادبية النسائية المبدعة؟
– اعتقد إن أهم تلك الأسباب عائد الى خشيتها من سوء الفهم ؛ واعني سوء فهم المجتمع لإبداع المرأة وخطأ تفسير ذلك الإبداع الأمر الذي يجعلها تنكفئ على ذاتها وتحاول التراجع من مرحلة البوح الى مرحلة متأخرة عنها واعني التلقي.

* ما الطموحات التي ما زالت في نفسك بشكل عام؟
– احلم بالكثير الكثير وابسط أحلامي العالمية.

* ما الجملة التي في نفسك وتودين قولها؟
– بوجود الإبداع، لم تعد في نفسي جملة عصية على البوح.

– * فليحة حسن بين متحف الظل و متحف البحر

فليحة حسن بين متحف الظل ومتحف البحر/ حاورتها الدكتورة دجلة السماوي

fa

الشاعر وحده قادر على اجتياز العتبة التي تفصل بين الحياة الواقعية والحياة المثالية

تقدمة : فليحة حسن داخل شاعرة طوعت رؤيا الرومانسية لتنسجم مع رؤية الواقعية ! واذا كان الوطن قد شتتنا فان الادب والهم المشترك قد وحدنا ! فزرتها بسؤالاتي عساي ان اخرج من حواري معها بنتيجة خططت لها وسعيت اليها ! . دجلة : الشاعرة العزيزة فليحة حسن ما ذا يعني لك الشعر بوجوهه المختلفة ؛؟ فليحة : ليس هناك أي معنى لوجودي خارج إطارالشعر ! وليس لي أداة للحياة سوى الشعر فتصوري… دجلة : هبيني رأيك بقصيدة النثر؟ بل هبيني اعترافا صريحا بقيمتها في نفسك ؟ فليحة : حين تكون قصيدة النثر مقنعة للمتلقي بأنها قصيدة تقف نداً في مقابل النوع الأخر من الشعر وأعني الموزون بأنواعه فإنني أرحب بها، بل أسعى إلى كتابتها أولا، واخلق صوتاً متميزاً لي بها ثانياً، فإذا كانت قصيدة النثر مجرد هذيانات لا تشي بهوية كاتبها، ولا ترفعه إلى مصاف الشعراء، فليس علينا أن نسميها قصيدة أصلاً .. دجلة : ما ذا تشكل القصيدة المترجمة لفليحة ؟ هل تفقد القصيدة المترجمة ايقاعها ؟ فليحة : قديما قيل إن الترجمة هي الوجه الآخر للبساط، هذه يعني إن المترجم مهما كان أميناً في ترجمته للشعر لا يمكنه إلا أن يضفي من عندياته بعض اللمسات اللغوية التي قد لا تخدم القصيدة وربما أثرت بها سلباً ، أما ما يخص الإيقاع فأكيد إن الإيقاع الموسيقي يتأثرباختلاف الأوزان الشعرية من لغة الى أخرى فكيف لنا مثلاً أن نترجم قصيدة (هايكو يابانية) إلى اللغة العربية ولا تتأثر وكذلك الحال عند ترجمة (سوناتا انكليزية) إلى اللغة العربية، والعكس صحيح عند ترجمة القصيدة العربية الموزونة بأنواعها! إذن في اعتقدي ان الوزن هو أول ضحايا الترجمة .. دجلة : متى يأتي شيطان الشعر ؟ أفي الفرح أم في الحزن ؟ أم في فوضى الحواس وبعثرتها ؟ فليحة : وهل أنت مع وجود شيطان للشعر سيدتي ؟الشعر ابن المشاعر كلها، للفرح قصائده وللحزن قصائده ،ولنا فرصة اقتناص الإبداع ساعة ولادته ،أما الفوضى فغير مجدية، وليس لنا إلا أن نكون منظمين حتى إزاء تبعثرنا .. دجلة : ما فكرتك عن البحر وارتطامه بالأمواج ؟ فليحة : منذ أن ولدت وإنا اكتب عن بحري أو أناي المفقود، الذي لم أقابله حتى الآن، وليس ارتطامات الموج إلا ساعات حوار بين الأمل ونقيضه ! .. دجلة : ماذا تشكل لك الطيور المهاجرة وسقوط طير من السرب أمامك؟. فليحة : ليس لي إلا أن أستحيل طيات دموع لحظة أن أرى سرب طيور مهاجرة وكثيراً ما استحضر مسرحيه (أولئك الذين تحت ) في ذهني لحظة الرؤيا ،التي يتحول أبطالها طيورا ويهربون من مدنهم خشية الرعب . دجلة : عندما تسرحين في الأفق لحظة خلق القصيدة ما هي اشتعالاتك ؟ فليحة : الغرابة شيئ من الاشتعالات ! الغرابة تتجلى أمامنا كل يوم فنستشعر الغربة ! و إلا ما معنى أن نرتبط مع موت يومي بوثيقة صلح أبدية؟ ومن أين لي أفق بلا دخان احلق به؟ واطمئن لانفلات الشظايا بعيداً عن أحلامي دجلة : من أين تستمدين افكار القصيدة؟ فليحة : رأسي صندوق إبداعي دوماً! أما تجاربي الحياتية فشحيحة جداً ولا تضيء مساحة إبداعي إلا بالنزر القليل ! فلا تنسي سيدتي أنني امرأة شرقية! مرهونة بالانغلاق! وان لم أشأ حفاظاً على ما يريده الأخر من نصاعة المرايا فإن ذلك يعني كسر التقليد المستبد . دجلة : كيف تستقبلين هطول القصيدة ؟ فليحة : الحزن والاضطراب أول زواري لحظة الكتابة ،ثم يبدأ الانفعال , فيأخذني بدواماته التي تتساوق مع عاطفة ما اكتب! وحالما انتهي من قصيدتي اشعر بسعادة الأم لحظة ولادة المولود الأول لها, فابدأ بإجراءات تسجيلها باسمي شرعياً واعني أن أجد متلقياً أُسمعه إياها ليشاركني فرحتي, ويبارك تلك الولادة . دجلة : ماراك بالألوان ؟ وأي لون مفضل لديك ؟ فليحة : أنا مع الألوان الهادئة فهي اقرب للشاعر! لكن ما يحيط بنا الآن من غيوم وطفاء مثقلة بإحزاننا لا تجعل إلا الأحمر لصيقاً بأعمارنا وهو لون لا يجر ورائه إلا الرمادي ومن ثم الأسود دجلة : وما ذا تشكل الوحدة للشاعرة؟ فليحة : الوحدة هي الوجه الأخر لي! فليس لي أن أجد نظيراً يتسع افقه لما أشير إليه من جنون،من هنا ربما تأتي سعادتي بوحدتي، دجلة : والرومانسية ؟ فليحة : نمط جميل من البوح يظلمه من يعمل على إزاحته إلى الزمن الماضي السحيق . دجلة : مع اي الجيلين تجدين نفسك ؟ مع الجيل الحديث أم القديم؟ فليحة : التأثر إذا كان يعني التقليد الببغاوي فأنا ضده تماما ولكن أنا مع هضم التجارب القديمة والحديثة ، نعم أنا شاعرة انتمي إلى الحداثة أو ربما إلى ما بعدها ،ولكني عقدت صلات وثيقة بالتراث العربي الذي أراه بحراً لا ينضب مهما اغترفنا من عذوبة مياهه . دجلة : أي قصة قرأتِ وتركت أثراً في تجربتك ؟ فليحة : كل الذي اقرأه من قصص أو روايات لا تستطيع إلا أن تترك أثراً في دواخلي ولكنني اذكر مرة إنني أصبت بمرض شديد راجعت به طبيبا ولم أشفَ منه ولكن حينما قرأت رواية (رقعة الشطرنج والرجل العاري) زال عني المرض تماماً وتكرر ذلك الأمر حين أصبت بحمى ولم أشفَ منها حتى قرأت ديوان (محمد الماغوط)الشاعر العظيم شفيت تماما . دجلة : يقول ناظم حكمت لن اكون شاعرا حين لن يكون حب ؟ هل هذا القول دقيق ؟ فليحة : الحب هو زاد المبدعين الأوحد سيدتي ، ومن تركه في ظني ربما سيصاب بالجفاف الإبداعي الذي يؤدي حتماً إلى خوائه ومن ثم موته هذا يعني مواصلة الحب لأنفسنا على الأقل . صديقتك المخلصة إلى الأبد فليحة حسن دجلة : كم هي مدهشة هذه الانسانة التي نسميها فليحة ويسميها الشعر مبدعة ! هذه الشاعرة الجميلة اشعرتني انني حيال موهبة تختزل كثيرا من سقط القول ! وكان علي ان افهم طفولة الرؤيا لدى الشاعرة وعفويتها وتركيبها معا لكي احذف شيئا من اسئلتي او اضيف شيئا وسأنتظر قصائد جديدة لهذه الشاعرة حتى اطمئن ان القصيدة الانثوية بخير فهي تتنفس رغم الهواء المسموم .
دجلة احمد السماوي الولايات المتحدة السبت 9 فبروري شباط 2008

– * الشاعرة العراقية فليحة حسن للزمان الدولية

الشاعرة العراقية فليحة حسن للزمان الدولية : لو عرف الحكام لذة ما نكتب لقتلونا/ حاورها عبد الحق بن رحمون 

fa

ما حكايتك مع القصيدة… وهل لك أن تروي لنا كيف تكتبينها والمراحل التي تمر منها ؟

ليس من السهل الحديث عن القصيدة التي أكتبها، فهي ليست تمريناً يومياً أجبر ذاتي على ممارسته ، بل هي موقف أعيشه حياتياً أمر به وأتأثر به قصيدتي ألمي الذي يعتصر روحي حدّ الكتابة وليس أقل من ذلك أبداً .

موقع الخيال والصدق في تجربتك؟ وهل بمستطاعك أن تكتبي قصيدة كل يوم؟

في أيما قصيدة توجد مناطق وعي لابد للشاعر أن يدركها ويخوضها بوعيه لحظة الكتابة، وفيها ما ينتمي الى المخيال الشعري الشيء الكثير جداً الذي لابد للشاعر ان يعتمد عليه في كتابة قصيدته ،

والشاعر الحق من يوصل قصيدته لمتلقيه ويظهرها وكإنها تنتمي الى مكامن الصدق وحده، فيصورها وكأنها الحقيقة التي عاش تفاصيها كلها فقد يبني على حدث مشاهد مرّ به مروراً عابراً قصيدة أو نصاً كبيراً وهنا تكمن عبقرية المبدع ،أن يظهر الهامشي والعابر وكأنه الاصل والمتن ، أن يبني من بسمة افلة بحار سعادة ، ومن وخزة ألم شلال قصائد حزينة ،

 وفي قصيدتي أسعى دوماً الى ان اكتب ما أحسُّ به وحده ، أكتبه لنفسي أولاً ومن يكتب لنفسه لابد ان يكون صادقا معها ، والعكس يكون نفاقاً شعريا ولا يدخل ضمن الابداع ابدا

نعم احيانا تجنح بي مخيلتي الشعرية عن الواقع قليلا لكنني لاأستسيخ هذا الخيال مادام يفترق كل الافتراق عن الحقيقة ، حقيقة ما احس وأعيش فأكبح جماح تلك المخيلة بالعودة الى نقطة صدق  عشتها فأكتبها بوعي .

مثلما قلتُ سابقاً انا اعيش القصيدة قبل ان اكتبها بمعنى ان قصيدتي مستنبطة من تجربة معيشة وقد يمنحني  ثراء هذه التجربة اكثر من قصيدة او نص، وقصيدتي لاتقف وراء الباب تنتظر ان أستدعيها فتدخل ، وهي أبداً لا تدخل ضمن التمرين الكتابي اليومي الذي أمارسه مطلقاً.

ماهي المراحل التي تمر منها قصيدتك؟

قصيدتي نتاج مخاض ألم  يعتمل في ذاتي لا أشفى منه إلا بعد أن يتحول شيئا فشيئا الى كلمات ،

هل سبق لك أن ندمت على قصيدة لم تكتبينها بعد أو كتبتها في وقت مضى؟

لاأعتقد ذلك ، لان قصيدتي هي الوجه المكتوب لإنفعال حياتي وتجربة معيشة كثيرا ما تكون مؤلمة -كما قلت سابقاً- فأذا ماندمت فهذا يعني إنني نادمة على ألم لم أعشه ! وهذا يدخل في خانة المستحيل .

هل فعلا كل قصيدة كتبتيها توازي خصلة شعر بيضاء في رأسك؟

نعم وبإصرار ، فالشيب يدخل لدي ضمن سياق الاحتراق  دوما، فالرمادي بان  تحرق الرأس هماً فينساك لونه ويصبح ابيض ؛

دائما أنت تخافين من أن تخذلك يوما الكتابة وتجف قريحتك، لذا تبدين مثل تلميذ مواظب على الحضور ، وخوفك من هذا المجهول هل يوازيه خوفك من تساقط شعر رأسك وإصابتك بالصلع؟

الجفاف والنضوب هاجسان  مخيفان جدا ، غير إن المواضبة  على الحضور بالنسبة لي لا تكون إلا في منطقة  الصدق الابداعي وحده وإلا فما معنى  تكرار الحضور أو دوامه في منطقة العتمة  والافتراق عن الذات ، نعم أخاف بل حتى خوفي من الموت نابع من خوفي عن التوقف عن الكتابة التي أتمنى  أن أصل بها في يوم ما الى لحظة تدوين  إشارة فرح ولو كانت عابرة  !

هناك من يوسوس له الشعر كل لحظة بمكر، ويكتب بشراهة، أو بتقتير كأنه يتنفس الهواء من منخر واحد. قد ينشر أو لاينشر ماكتبه، بالنسبة إليك أي طريق ستوصلك إلى نار الشعر المصفى؟

كل شاعر يحلم بقصيدة متخيلة لم يكتبها شاعر غيره قصيدة تدلل عليه وحده يتسمى بها وتوسم إبداعه  وتشير إليه ، فيكتب ويكتب علّه يصل الى ذلك المبتغى ، غير إني اريد من كل قصائدي الت اكتب ان تشير الي وحدي كونها تمثلني في الاقل والمي  والقصيدة متلازمان

هل أنت مقتنعة تماما  بوجود ضرورة أن يمارس عليك أحد ما وصاية على ما تكتبينه، ويحاسبك على أخطائك ويتغاضى على صوابك؟

الكتابة في الاصل هي رفض لوصاية مجتمع ومحاولة  للإنفلات من قيوده فكيف يقتنع كاتب ما بضرورة وصاية شخص ما وخصوصاً على إبداعه  وهو الذي يحاول التحرر والانفلات  من تلك القيود ،كيف يرضى أن يكتب على مزاج شخص آخرغيره هو ؟ لأن الوصاية على الكتابة هي بمثابة صناعة لقيد أثقل من ثقيل يكبل المبدع ويمنع رأسه  من التحليق بعيدا حيث منابع الكلمة الحقيقة الصادقة ، وأبداً لم أجعل شخصاً ما يفرض وصايته عليّ أو على إبداعي باي شكل من الاشكال  وانا المتمردة على كلّ شيء وبوعي

شهد العالم العربي تغييرا في أنظمته، هل تنتظري مثل هذا التغيير والثورات في الثقافة والابداع، وهل سيطول موعد تحقيق ذلك؟

ماشهده العالم العربي من تغير في أنظمته لايقع ضمن التطور أو الرقي أو التغيير نحو الافضل بل هو استبدال لدكتاتور بدكتاتور آخر وهو أن صح القول  تقدم  نحو الاسوء  وهو إرتداد لعصور مظلمة وهذا الامر لاأريده ولاأتمناه ان يحدث للثقافة مطلقاً ، فأنا لاأتمنى أبداً وبأية حال من الاحوال أن أكتب في قصائدي اليومية  المستقبلية  مثلا قصيدة عن (الناقة ) لأنني أرفض أن اراها وسيلة نقل يعتمدها الفرد العربي  تماشياً مع التخلف  الذي سحبنا إليه الربيع العربي ، هذا من جهة ومن جهة أخرى إن التطور في الثقافة لايأتي بالثورات المؤقتة والآنية والصرعات والحركات الزائلة ، بل يأتي هذا التطور وبشكل طبيعي وعبر مخاضات عديدة وصحيحة تقوم على بنى راسخة ولبنات يقوم بها المهتم والمتمرس فيها دون أن يبتغي من ورائها سوى مصلحة الثقافة نفسها وهذا أمر وارد التحقيق وإن طال الامد ، ثم ان الثقافة العربية في تغيراتها وكما تعلمون هي إمتداد طبيعي لتغييرات الثقافة في العالم وبصراحة القول لم تولد حركة ثقافية مهمة من داخل الوطن العربي بمقدار ماكان الوطن العربي ساحة متلقية وبوعي للحركات الثقافية الغربية وصلت إلينا عن طريق الترجمة وتاثرنا بها وربما حاكيناها بحركات مشابه إتسم تأثيرها بالانحسار والجزئية . 

هل من الضروري أن تكوني منتميا إلى مؤسسة ثقافية للأدباء…. هذا من جهة ومن جهة أخرى، هناك من يرى أن الشاعر أو الشاعرة قد يضيع عمره كله ولا ينال الاعتراف، بالنسبة لك هل نلت هذا الاعتراف إلى هذه الساعة وماذا أضاف لك؟

المؤسسة الثقافية  لا تصنع أديباً بل الأديب هو من يصنعها  كما فعل ذلك الجواهري مثلا وأسس إتحاد الأدباء في العراق ، بل قد تعيق أحياناً تلك المؤسسة تحمل يافطة الثقافة المبدع وتحد من انطلاقه ، بل  قد تعمل على جعل ذلك المبدع بوقا لها يمثلها في مناسباتها هي  وتهمله  لحظات العوز والمرض والجوع والشيخوخة  ،أما فيما يتعلق بمسألة الاعتراف فأنا أتساءل مستغربة ممن يجب أن أنال الاعتراف هل من  المتلقي ؟ أم من المؤسسة الثقافية ؟ أم من الحاكم ؟  أم من ذات المبدع نفسها؟

بالنسبة لي أنا أعترف بذاتي  مبدعة وأتصالح معها عن طريق ذلك الإبداع ، ولا يعنيني لا من قريب ولا من بعيد اعتراف المؤسسة بي خصوصاً وهي المسيسة والمحكومة  بأجندات معينة لا تمت للإبداع بصلة ، واعتراف الحاكم لا يعنيني  فلو عرف لذة ما أكتب لقتلني –كما يقول الجاحظ رحمه الله- أما اعتراف المتلقي بقصيدتي فهذا ما أسعى إليه لأنها الوجه الحقيقي لذاتي ، وكثيراً ما يصدف أن يُسمعني أحد المتلقين بعض قصائدي بل يبدون أحياناُ تأثرهم بها ويشكل  ذلك شيء من سعادة بالنسبة لي ولو مؤقتة!

– * جائزة النور للإبداع دورة الدكتورة ” آمال كاشف الغطاء “

النص الفائز بالمركز الثالث

جائزة النور للإبداع دورة الدكتورة آمال كاشف الغطاء بالصيغة المترجمة الى اللغة الانكليزية .

د - فليحة حسن

د – فليحة حسن

” فليحة حسن ” أديبة من أديبات العراق في النجف الاشرف ، حملت غربة الأيام حزنا واستطاعت أن توحد الحروف ” عشق و محبة ” ، وانطلاق بين أفق الإبداع لتكون فريدة بكل تفاصيل التألق وحدت خطواتها بهدوء رغم كل الأشياء والظروف المحيطة بها .

أنها ” الشاعرة ، والقاصة ، والناقدة ” التي طرقت أبواب الجمال في كل شيء ايجابي يحمل سمة الإبداع انطلقت من مدينة الضوء النجف الاشرف لتكون امرأة تحمل عبق عطر الكاردينا لتنثره على الساحة العراقية بشكل عام والساحة النجفية بشكل خاص .

من هي ” فليحة حسن ” ؟

امرأة تعيش بالقراءة حد أنها تتخذها دواء شافيا للكثير مما تعانيه .

•· كيف وجدت ” فليحة حسن ” نفسها وسط المشهد ألنجفي المنطوي والمتعصب للرجل ؟؟

النجف مدينة صعبة والمشهد الأدبي ألنجفي ينغلق على الرجال دون سواهم ، وعلى المرأة أن تتحلى فيها بصبر المحارة وألمها كي تلد لؤلؤتها المنشودة .

•· من وجهة نظر الأديبة ” فليحة حسن ” ، هل المهرجانات تصنع الشاعر أو العكس هو الصحيح ؟

مطلقا الشاعر الحقيقي هو من يصنع المهرجان بقصيدته وليس العكس طبعا .

برأيك لماذا التنوع في الإبداع … شعر .. قصة .. مسرح ؟؟؟

نعم أنا موجودة في كل ما اكتب ، لان ما اكتبه لا يفترق عني أبدا ، بل كتاباتي هي أناي المضمرة التي أحاول أن أخفيها عن الأخر القريب ، لكنها تأبى إلا أن تنز من بين مسامات الورق متخذة هيأة الكلمات ، غير أن ما أراه صدى لروحي دوما هو الشعر الذي يغطي مساحة بوحي الكتابي كله أو يكاد .

•· ” لفليحة حسن ” رواية جديدة هل تعتقد الأديبة ” فليحة حسن ” أن روايتها أخذت مداها الإعلامي ؟؟

روايتي الجديدة تناولها الإعلام كخبر لإصدار جديد في غالبية الصحف العراقية وأعلن عنها في قناتين فضائيتين .

نعم أكيد مثلما لا تستطيع المرأة الحامل التحكم في صناعة جنس جنينها ، كيف ما ترغب ودون تدخل العلم بذلك ، لا أستطيع أن أتحكم في صناعة ما اكتب فاجلس مثلا وأقرر ببساطة قائلة ، أريد أن اكتب قصة فاكتبها ، أو أريد أن اكتب قصيدة فتمتثل لطلبي ، وتولد أنثى قصيدة ، أنا اترك لإبداعي حرية اختيار النوع والهيئة التي يتشكل بها .

•· ” فليحة حسن ” أين وجدت نفسها في التنوع الأدبي ! ؟

نعم أنا موجودة في كل ما اكتب ، لان ما اكتبه لا يفترق عني أبدا ، بل كتاباتي هي أناي المضمرة التي أحاول أن أخفيها عن الأخر القريب ، لكنها تأبى إلا أن تنز من بين مسامات الورق متخذة هيأة الكلمات ، غير أن ما أراه صدى لروحي دوما هو الشعر الذي يغطي مساحة بوحي الكتابي كله أو يكاد .

•· ” لفليحة حسن ” رواية جديدة هل تعتقد الأديبة ” فليحة حسن ” أن روايتها أخذت مداها الإعلامي ؟؟

روايتي الجديدة تناولها الإعلام كخبر لإصدار جديد في غالبية الصحف العراقية وأعلن عنها في قناتين فضائيتين .

من وجهة نظر الأديبة ” فليحة حسن ” هل يوجد نقد في العراق يستطيع من خلاله المبدع أن يعرف خطواته القادمة ؟؟

العراق مثله مثل الوطن العربي يفتقر إلى النظرية النقدية الخاصة به منذ القرن الرابع الهجري ، وكل ما هو مطروح من مدارس أو مناهج نقدية أنما هي مدارس أوربية مستوردة مترجمة ومطوعة بشكل من الأشكال لصالح المشهد الشعري العربي .

وكل من يتعاطى النقد ألان من المبدعين لا يمكن أن نسميه ناقدا ، بل يتوجب تسميته ( المتناقد ) كما يقول الدكتور ” عبد الواحد لؤلؤة ” وأنا اويده في ذلك ، وبوجود مثل هذه المناهج لم يعد النقد معيارا صالحا للقياس وإطلاق الأحكام فهو هنا ليس أداة يعرف من خلالها جيد الشعر من رديئه ، ومن ثم فهو ليس أداة يمكن الاطمئنان لها في معرفة المديات التي وصل أليها شاعر ما ، تمكنه من التكهن بما يتوجب عليه فعله إزاء ما وصل أليه

لماذا لم نجد الأديبة ” فليحة حسن ” في ملتقى عالم الشعر في النجف الاشرف ؟ رغم تواجد جميع أدباء النجف الاشرف ؟

وهل مطلوب من الشاعر أن يوجد ( وليس يتواجد ) في جميع المهرجانات ، حتى يقول أنا شاعر ؟

أنا لا اعتقد ذلك ، فعدم حضوري مثل هذا المهرجان لم يؤثر على مسيرة أبداعي ، أليس كذلك.

•· هل حققت الأديبة ” فليحة حسن ” ما تريده وتصبو أليه ؟؟

لا طبعا ، طموحات المبدع لا تقف عند حد معين ، وما أصبو أليه لم يزل في رحم الغيب ، قد يصل إلى الحلم باختراق ما هو مألوف ومطروح والبحث عن الفرادة والتميز في كل ما اكتب .

الأديبة ” فليحة حسن ” الشعر في النجف أساس الأدب تقريبا هل وجدت القصة أو الرواية أو كتابة المسرحية مكانها الحقيقي في إبداعات مبدعي النجف الاشرف ؟؟

بين آونة وأخرى تظهر في الساحة النجفية مجموعة قصصية أو رواية تأخذ صداها هناك ، ويتصدى لها مريدوها بالكتابة أعلانا ونقدا ، وهذا شيء تترتب عليه عدة أمور منها ، أن السرد قد اخذ له مكانة لا بأس بها عند النجفيين .

وانه قد تمكن من الذائقة النجفية ، فلم تعد الأخيرة منغلقة على الشعر لوحدها بل تجاوزته إلى السرد بأنواعه ، وان شعراء هذه المدينة وجدوا لهم منافسين لا يستهان بهم إبداعيا في مجال القصة والرواية وحتى المسرح .

مرة أخرى أسألك لكن ” كفليحة حسن ” إنسانة مبدعة … من أنت ؟؟

وأنا أجيبك بإصرار على الاثنين معا أنا “فليحة حسن ” .

•· لماذا تجعل ” فليحة حسن ” الرجل مهزوم في داخلك من خلال الكتابة وساخطا مرة أخرى ؟؟

نعم هذه هي ميزات الرجل الذي وجدته يحتل المكان حولي ، واعني في المجتمع الذي أعيش فيه ، وجدته ساخطا ، ناقما على كل شيء لا يأبه للفرح ، بل على العكس من ذلك هو يجيد صناعة الحزن وينثر الرماد بمهارة فائقة .

لا ينشغل إلا بذاته غير مكترث بمن حوله ، ثق – ياسيدي – وراء كل ابتسامة رجل كلمة من امرأة حنون ، ووراء كل دمعة امرأة كلمة من رجل قاسي ، لذا فأنا حين اكتبه أصوره من الداخل ، اعري ذاته فيظهر على حقيقته مهزوما مسلوب الإرادة .

” فليحة حسن ” لماذا الحزن الدائم في كتاباتك ؟؟

ستبقى الأديبة ” فليحة حسن ” تطرق أبواب الإبداع بشكل يضمن الدهشة للمتلقي ولكل المحاقب الأدبية لأنها فرصة تألق حدا ثوي مستمر لجميع المحافل الأدبية .

في نهاية المطاف الشكر الجزيل للأديبة التي حملت إبداعها بين اكفها وبين أضلعها ابنة العراق “فليحة حسن ” شكرا لكرم ضيافتها وأجابتها لجميع الأسئلة الموجهة .

فراس حمودي الحربي

ترجمة // امال ابراهيم

ربما للبيئة النجفية المغلقة بحزن متراكم ومجاورتي القبور فيها والمجتمع الذي لم أجد فيه هواء صالحا للسعادة تأثير في ذلك ، فانا إذا ما تأملت فلن أتأمل سوى اختلاف شواهد القبور وعدد الجنائز المارة ، صوب حفرها الأخيرة ، وإذا تنفست خنقني ترابها المتطاير من أحذية المشيعين ، فألوذ عن حزنها برأسي فلا أجد فيه إلا أحلاما سرعان ما تتهشم حين ارتطامها بجدار الواقع ، بعض الأحيان اسأل نفسي قائلة ، إذا سافر الجنوبي عن مدينته حتما سيشتاق للنخيل والاهوار والمشاحيف .

وإذا فارق الشمالي مدنه سيأخذه الشوق والحنين إلى ملاعب أصحابه بين الجبال والوديان الخضراء وربما سيحن البدوي لامتداد صحاريه إذا ما ابتعد عنها ، أقول لمن ستحنين يا ” فليحة حسن “حين ترحلين عن النجف ؟

ولو أن الرحيل عنها رحيل مؤقت ومجازي لان الجميع عائد أليها لا محال ، ولو تأخرت تلك العودة وبحسب التوقيت القدري .

– * حوار مع الشاعرة العراقية فليحة حسن – سلام خماط

حوار مع الشاعرة العراقية فليحة حسن / حاورها – سلام خماط

د - فليحة حسن

د – فليحة حسن

قصائدي لا تقع ضمن المتشابه والمكرر بل تحفر اسمي في خانة التفرد

لم تكتب للنخبة بل كتبة كل نتاجاتها لجمهور مختلف الثقافات ,فقد كتبة للعامل والفلاح والمثقف وتتمنى ان تجد أي من مؤلفاتها في مطبخ سيدة خيرا من ان تراه مركونا على رفوف المكتبات يتثائب كسلا لعدم قرائته.
عاشت حدث قصائدها قبل كتابتها حتى بات الحدث عندها اكبر من اللغة المعبرة عن ذلك الحدث ,لم تنسج على منوال الاخر لأنها تسعى الى الفرادة التي بصمتها ببصمتها المتميزة.صدر لها من الشعر لأنني فتاة، زيارة لمتحف الظل، خمسة عناوين لصديق البحر، ولو بعد حين. وقصائد أمي وكتبت أيضا للأطفال (حارس الأحلام) شعر. وصدر لها مجموعات قصصية منها نقص في كريات الفرح. وفي المسرح مسرحية البابور وهناك ولكن، وفي النقد صدر لها تشضيات الفاء فوق مراياهم. وصدر لها مؤخرا رواية (نمش ماي) باللغتين العربية والانكليزية. وهي رائدة في مجال القصة الرقمية. وترجمت قصائدها إلى الإنكليزية والألمانية والدنماركية وغيرها من اللغات الاخرى , لقد حققت قيمتها كامرأة مبدعة في بيئة طالما اراد ان يغطي على ضعفه بتاكيد ذكورته ,انها الاديبة التي لا يوجد في نفسها جملة عصية على البوح انها فليحة حسن التي تعتبر العالمية من ابسط طموحاتها كان لي معها الحوار التالي :
أرجو أن تحدثينا عن تجربتك الشعرية ؟ محطات النجاح والإخفاق وماذا حققتي حتى الآن ؟
•- لا أتقن الحديث عن الموضوع كثيراً غير إني أقول لما أزل ومنذ عام 1992 اتخذ شكلاً كتابياً خاصاً بي يمثل تجربتي الشعرية ويشير إليها بامتياز ، أما بشأن نجاحاتي فهي كثيرة جداً وكل قصيدة اكتبها وتشير إليَّ وحدي دوناً عن سواي أعدها نجاحاً لأنها لا تقع ضمن المتشابه والمكرر وتحتفظ باسمي في خانة التفرد،

هل هنالك فواصل بين شخصية فليحة الشاعرة والإنسانة ؟
•- ليس من السهولة بمكان أن افصل بين الاثنين فأنا أعيش ما اكتب واكتب ما أعيش من هنا ربما يكون من الصعب على المتلقي أن يرى فواصل بين شخصيتي الإنسانية وبين قصائدي بل دوما ما يكون التماهي موجوداً بين الاثنين وأنا نفسي لا أجيد التفريق بين أنا الشاعرة وأنا الإنسانة لأنهما شخصية واحدة ،

ما هي مقاييس الشاعر الناجح؟
اعتقد إن أهم تلك المقاييس تكمن في مصداقية الشعور ،وفرادة التعبير عنه ،والوضوح بعيداً عن الوقوع في السهولة الممجوجة ، بالعمل على البقاء في دائرة السهل الممتنع الذي يفهمه الآخر وتلامس فيه جزء من مشاعره ، غير انه لا يقوى على الإتيان بمثله ، وعدم التعالي على المتلقي بحجة التغريب ، واعتقد إن الشاعر الذي يعمد الى لعبة التغريب الكتابية في قصيدته ليس سوى شخص موهوم لأنه يكتب لمتلقي يقرأه، فإذا ما اغرق نفسه في هذا البحر واستغرق فيه يكون ببساطة هو من عمل وبقوة على فقد متلقيه !
بمن تأثرت من الشعراء أو الشاعرات على المستوى المحلي والعربي والعالمي؟
إذا كان المقصود هنا التأثر بمعنى النسج على منوال الآخر فهذا لم يحدث أبداً لي ،غير إني كنت ولما أزل ابحث عن القصيدة التي تشدني إليها ويبهرني شاعرها بعيداً عن اسم الشاعر وأحياناً اقرأ مجلة ثقافية لها جمهوراً واسعاً في الوطن العربي غير إني لا أجد في ما منشور بها تحت مسمى قصائد أيما جملة شعرية فأستغرب لواقع الحال !
يقول احد الشعراء الكبار :ان مصطلح (قصيدة النثر ) وما يحمله من تناقض قد اثار الكثير

من الجدل ,ما هو تعليقك على ذلك ؟

نعم ، اعتقد ذلك كون هذا المصطلح قد جمع بين النقيضين وحاول أن يمزج بينهما لإيجاد شكلاً كتابياً آخراً، مازجاً بين القصيدة التي تعني الشعر الذي ارتبط عندنا نحن العرب بمفهوم الوزن والقافية من جهة وبين النثر الذي يعني الكلام المرسل الذي لا يحده قيد الوزن ولا القافية ،هنا حدث الارتباك أولاً في المصطلح وأوقع الدارسين في جدل لم ينته الى يومنا هذا بالرغم من إن هذا الشكل الكتابي صار أكثر من سائد وكتب به غالبية الشعراء بل جلهم .

ما هو الفرق بين الشعر المنثور والنثر الشعري ؟
•- يقول أمين المقدسي : ( لابد من التمييز بين النثر الشعري والشعر المنثور فالأول أسلوب من أساليب النثر تغلب فيه الروح الشعرية من قوة في العاطفة وبعد في الخيال وإيقاع في التركيب وتوافر على المجاز وقد عرف بذلك كثيرون في مقدمتهم جبران خليل جبران حتى صاروا يقولون الطريقة الجبرانية، على إن الشعر المنثور غير هذا النثر الخيالي

وإنما هو محاولة جديدة قام بها البعض محاكاة للشعر الإفرنجي واهم من فتحوا هذا الباب أمين الريحاني ) والذي يهمنا من هذا القول ما بهذين المصطلحين من نقاط تشابه وافتراق فالشعر المنثور في أوله شعر غير انه نوع من الشعر الذي يقف بعيداً
عن سلاسل التقفية وقيود الوزن ، أما الثاني فهو نثر في أصله ،غير انه نثر يحلق في أفق الخيال الشعري ولا ينجرف الى تلال السرد ،أما وجه التشابه بينهما فكلاهما يصبان في مجرى الكتابة الإبداعية ويفضيان إليها
هل يستطيع شعراء قصيدة النثر ان يساهموا في بناء الوعي كما اتيح لشعراء التفعيلة؟
•- إذا كان المقصود هنا بكلمة الوعي (الوعي الثقافي) فأعتقد إن ذلك متاح شرط أن يُثنى لهذا الشاعر الوساد أقول هذا من باب المجاز لا الحقيقة فليس بإمكان الشاعر بخاصة الآن ولا المثقف بعامة أن يسهم اسهامة فعلية في بناء وعي ثقافي فعلي ، وعالمنا العربي الآن يعيش تراجعاً غير مسبوق النظير في كل شيء ، فنحن ببساطة نعيش حالة من التطور نحو الاسوء هذا التطور الذي أسهمت به حكوماتنا اسهامة كبيرة بل إليها يرجع الفضل الأوحد والأول الى ظهور وتفشي هذه الحالة المخيفة والمخجلة بين أهم طبقات المجتمع والتي لا يمكننا التخلص منها إلا بظهور جيل كامل من المفكرين وتسلمهم الدور الريادي في عجلة بناء المجتمع ،

ما هو رأيك بالكم العددي الهائل ممن يكتبون قصيدة النثر وكيف يمكن تسمية احد بالشاعر وهو لا يعرف عروض الشعر او ليس له المقدرة على كتابة بيت واحد من الشعر المقفى ؟
•- لا اعتقد إن هناك شاعراً حقيقياً لا يستطيع أن يكتب بيتاً من الشعر الموزون أو المقفى ، أما تزايد الشعراء الذين يكتبون قصيدة النثر فهذا عائد الى خصب خيال الشاعر وقوة صوره الشعرية التي لا تحب أن تبقى حبيسة وزن مكرر وقافية متفق عليها مسبقا ، لذا يحاول أن يكتب بعيداً عنها ، والكم الهائل كما تقول أيضاً لا يعني العافية ،خصوصاً إذا ما ساد المتشابه الذي لا يميز بين كتابة شاعر وآخر ،والزمن غربال كفيل بأن يشير وبقوة الى الشاعر الحقيقي ويقف مع حضوره الشعري ،ثم إن مفهوم الشعر لا يقف عند حدّ الكتابة في الوزن أو عدمه بل إن هذا المفهوم يجب أن يشمل رؤى الشاعر ورؤيته التي تعمد الى تأسيس فكرة جمالية جديدة يقدمها للعالم المتعطش لها ،

هل صحيح ما قيل من أن أدونيس وانسي الحاج وهما من ابرز منظري قصيدة النثر قد اعتمدا على ما كتبته سوزان برنار في كتابها ( قصيدة النثر من بودلير الى أيامنا )؟
•- يذهب ادونيس الى ابعد من ذلك حين يقول أنا أول من أطلق مصطلح (قصيدة النثر) في العربية ترجمة للمصطلح الفرنسي,وذلك في مجلة شعر عام .1960 أما انسي الحاج فأنه يرى إن قصيدة النثر هي القصيدة التي تحمل ( الإيجاز والمجانية والتوهج)، واعتقد انه في هذا لا يبتعد كثيراً عن تعريف سوزان برنار التي ترى في قصيدة النثر قطعة نثر موجزة بما فيه الكفاية، موحّدة، مضغوطة، كقطعة من بلّورخلق حرّ، ليس له من ضرورة غير رغبة المؤلف في البناء خارجاً عن كلّ تحديد، وشيء مضطرب، إيحاءاته لا نهائية

يعتبر الدكتور إبراهيم السامرائي قصيدة النثر هجيناً حداثوياً بفعل مؤثرات أجنبية، كيف تعلقين على ذلك ؟
•- ربما إن سبب ذلك يكمن في إن قصيدة النثر لا تمتلك جذراً عربياً في حضورها كونها نتاج غربي جاء ألينا نتيجة تلاقح ثقافي بين العرب والغرب ، مما جعلها وخصوصاً في بداية ظهورها بعيدة عن الذائقة العربية الميالة الى الموسيقى العالية المتمثلة بقوة الوزن وتكرار حرف الروي في القصيدة والسجع في النثر .
هل إن المثقف العراقي لا زال مقيدا بثقافة الاستعراض اللغوي ,وهلان الماضي يلعب دورا في إضاءة مستقبل القصيدة النثرية ؟
•- اللغة هي سلاح المثقف الوحيد ، والمثقف العراقي لا يختلف حالاً عن المثقف في الوطن العربي الذي لا يجد سوى الكلمات زاده الأوحد وكنزه الذي يستطيع أن يحفظ به مكانته بين أبناء جنسه ، لكن مسألة الاستعراض اللغوي لعبة يلجأ إليها بعض مدعي الثقافة من اجل إيهام الآخر المتلقي بأنه الماسك الأوحد بزمام الثقافة وصاحب الفعل الحقيقي فيها وهذا أمر سرعان ما ينكشف لحظة الفعل الحقيقي التي لابد وان تأتي ، كل نوع من الشعر لابد وان لا ينقطع عن جذوره وبما إن قصيدة النثر العربية تختلف عن قصيدة النثر الأخرى الغربية فلابد لشاعرها أن لا ينقطع عن جذوره العربية كل الانقطاع، بل يحاول أن يبني وشائج وعرى قوية بينها وبين ماضيه كي يقترب من متلقيه لأن لحظة الماضي هي المنطقة الخصبة للتلقي التي يجب أن يحافظ عليها الشاعر كمنطقة دخول حية وفعالة نحو متلقيه .
ماذا تعني لك هذه الأسماء : محمد الماغوط ,,ادونيس , فاضل العزاوي,يوسف الخال؟

•- أدمنت محمد الماغوط بـ (عصفوره الأحدب ) حتى كدت أن احفظ هذه المسرحية عن ظهر قلب لكثرة قراءتي لها ،واعتصرت قلبي جملته التي كتبها على شاهدة قبر زوجته الأديبة سنية صالح ( هنا ترقد آخر طفلة في العالم ) وبكيت كثيراً وأنا اسمع بحة صوته المتهدج وهو يرثيها، تشدني كتابات ادونيس النثرية أكثر من كتاباته الشعرية ، ووجدته مترجماً مبهراً لقصيدة سان جون بيرس ( ضيقة هي المراكب) التي نشرها في مجلة شعر في الستينات ، والتي لما أزل احتفظ بنسخة ورقية منها الى الآن استمتع بشعريتها الهائلة بين آونة وأخرى ، دوماً اردد حكمة فاضل العزاوي الشعرية ما بيني وبيني ساعة الحلكة
( كلَّ ما عليَّ أن افعله هو أن أسير دائما الى الأمام حتى النهايات المريرة ) ، وليوسف الخال مع ادونيس وانسي الحاج طبعاً يعود في رأيي الفضل في تعريف الوطن العربي على قصيدة النثر فلولا جهودهم الحثيثة في إصدار مجلة شعر الستينية لما عرف العرب هذا النوع من الشعر.
كيف تقيمين دور الاعلام في انتشار قصيدة النثر ,لاسيما ان اغلب الصحف الورقية وخاصة في العراق قد عزفت عن نشر شعر التفعيلة ( العمودي والحر )؟

في الآونة الأخيرة ظهرت مجلات وصحف ثقافية متخصصة بنشر قصيدة النثر ربما اعتقاداً منها بأن هذا النوع من الشعر هو النوع الوحيد السائد في العالم الآن ، وهذا الأمر ليس صحيحاً لان القصيدة المهمة هي التي يجب أن تسود بعيداً عن شكلها الكتابي ، علماً إنني وجدتُ غالبية الشعراء الأمريكان الآن لما يزالون يكتبون القصيدة ذات الموسيقى العالية التي تزينها بالقافية !

•- ما هي آخر إصداراتك ؟

ولدت لي قبل أيام وعن دار آراس قي اربيل رواية جديدة تحت عنوان ( بعيداً عن العنكبوت حارستي حمامة واكره مدينتي ) وسيتم طباعة مجموعتي الشعرية باللغتين العربية والانكليزية في واشنطن قريباً إن شاء الله.

Post Navigation