موقع الأديبة د.فليحة حسن

الموقع الرسمي

Archive for the category “شعر”

– * جغرافية القصيدة أين؟

جغرافية القصيدة أين؟  

لا ادري لمَ أحالتني قراءتي  لقصيدة (وطن) للشاعرة “فرح دوسكي” والتي نشرتها على ثقافات  مركز النور قبل مدة  الى صورة  الطلل في الشعر العربي القديم فبكيت حتى شرقت بدمعي متمثلة  قول عمرو بن الحارث بن مُضاض :

 وقائلة والدمع سَكْب مُبادر

                          وقد شرقَتْ بالدمع منّا المحاجر

 

كأن لم يكن بين الحَجون إلى الصَّفا

                           أنيسٌ، ولم يَسْمُرْ بمكّة سامِر

  و لعل من الأمور اللافتة في هذه القصيدة / المتشظية هي الفواصل، فواصل الدخان و الرماد والحضور المكثف لومضة لا ترى غير الموت المتسع ليشمل القصائد / الوطن، حتى صار الدمار   يشكل عنصراً بنيوياً مهيمنا ًفيها لا يمكن إغفاله عند قراءة  تلك القصيدة ،

وبالرغم من وجود هذا الكم الهائل من الدخان الذي تكدس على نوافذ وطننا مازلنا نكتب ونتغنى به لأننا ببساطة ( أُناسُ لاَحِقونَ بأرْضِنا)- كما يقول النابغة الذبياني ،

 فاستحضرت حينها ما كنت قد قرأته عن رحلة قام بها المستشرق( وليم بولك ) حين أراد أن يترجم معلقة لبيد التي مطلعها :

 ِعَفَتِ  الدِّيَارُ   مَحَلُّهَا   فَمُقَامُهَا          بِمِنَىً  تَأَبَّـدَ  غَوْلُهَا  فَرِجَامُهَـا

 باحثا فيها عن الأماكن التي وقف عليها لبيد باكيا حبيبته الظاعنة؛  فكان أن استأجر( وليم بولك )  جملاً ،واخذ يقطع صحراء ( النفوذ) الشاسعة يتمثل بها الأمكنة التي جاءت في تلك المعلقة ،

والجميل في الأمر إن هذا المستشرق  استطاع أن يقف على أطلال القصيدة المذكورة  – كما يقول –  بالرغم من تقادم العصور ومرور الزمن وكأن تلك الأطلال لم تدرس بفعل عوامل التغير الكثيرة التي مرت بها ،

ويبدو إن الحال نفسها مع أماكن أخرى ُذكرت في المعلقات ، فربما وجد شوا خصها دارسون آخرون يخبرنا البحث بأسمائهم  إذا ما اجتهدنا في سبيل معرفة  ذلك ،

 فإذا ما تساءلنا عن سر ذلك البقاء فهل إن جوابه حقاً يعود الى(عزلة المكان الكبيرة التي تحصنه من تأثيرات العالم الخارجي وتقيه هجنة الاختلاط) – كما يرى  الناقد امجد ناصر ؟

وإذا ما كان المكان اسم مشتق من الكون الذي يعرّفه لسان العرب  بالحدث،

وهو اسم يدل أيضا على ( على موضع الحدث والخلق والوجود والاستقرار والصيرورة )، وإذا ما كان  الزمان والمكان عنصران مهمان لفهم الشعر،

 و(الأماكن الطللية في الشعر الجاهلي، ما هي إلاّ تأريخ مجغرف كما يقول)الدكتور صلاح نيازي،  وان (الانتساب إلى المكان يزاحم الانتساب إلى الآباء والأجداد)-كما يرى الدكتور احمد مصطفى سيلم- فهل من مجيب لإسالتنا البسيطة التي أولها

   إذا ما غاب عنا الوطن مع وجودنا فيه فالى أين ننتسب ؟

 وكيف نفهم القصيدة إذا ما كُتبت عن الوطن ونحن نجهل ملامحه وحدود خرائطه  ؟

ولماذا  نجهل أماكن أوطاننا في القصائد التي نخطها اليوم ؟

هل لأن أوطاننا لا وجود لها على الخارطة وإنها ،صارت مجرد تكوينات ذهنية قابلة لتلاشي وبضغطة زر متى ما شاء الآخر، وازدادت الفجوة بيننا وبينها عمقاً بحجم الجحيم الذي يحتويها؟

وإذا ما أراد باحث أو دارس ما – بعد حين – أن ينصت الى صوت الذكريات المكانية فيما كتبناه من قصائد كيف يتسنى له  ذلك؟

ومتى يصبح المكان نورا تستضيء به الذات في الولوج الى ذكرياتها؟

ولماذا اختفت من قصائدنا تجربة جغرافية المكان بملامحها الخاصة واكتسى وطن جميع شعراء العراق  بالرمادي أو قتامة اللون الأسود الكالح؟

هل الأمر يتعلق بالشاعر وما اعتاد أن يراه الآن  من جراحات وطن لا تلتئم ؟

  أم بالساسة وما يتأبطوه من شر يسيح من ظلالهم ليغطي وجه الوطن ؟

أم إن وطننا يحتاج لعزلة تقيه هجنة الاختلاط ؟

 ومتى يستطيع المبدع أن يحتفظ بوطنه  رغم الموت المتوالد كـ(دار الحفاظ)  يصبر على الإقامة فيها، ويذود عنها ويرسم لها خرائط لا ُتخترق وان كان ذلك شعراً .

الإعلانات

– * رحيم الغالبي… لن اتذكرك ميتاً أبدا ً!

رحيم الغالبي… لن اتذكرك ميتاً أبدا ً!

                                                                                       

كنّا وكلًما ألتقينا على النت أنا ورحيم الغالبي ذكّرني بقصيدة ومضة تعود لمجموعة ( لانني فتاة) الصادرة لي عام 1992 والتي اقول فيها ( كلّ صحابي اعمدة لكن من رمل ) يتذكرها ويسترسل في قصّ دوامات ألم حاكها له الاخرون ،

الاخرون بتسميات عدة اصدقاء ،جيران زملاء عمل،معارف، أهل ، يقصّها على استحياء ويقللّ من شأنها ليس لأنها اصلاً قليلة الشأن بل كي يقللّ من وقعها عليه، على روحه التي تشبه الاندهاش في قصائد الومضة، ثم ينهي حديثه بما يخطط لفعله غداً وبعده  ببساطة رجل لايملك سوى الحلم مستعيناً  بحرفيّ الاستقبال ( السين وسوف) في كلّ مفرداته ،

و……

يموت

هكذا ببساطة ينعيه النت لنا بعد تعرضه لحادث مفجع، يأتي الموت ويطويه ،فنشحذ اقلامنا ونبدأ بالكتابة عنه مستعينين بفعل ماض ناقص  ( كان وكان وكان )

نبدأ بتبادل تعازي فراق لرجل كان حاضراً مغّيباً إلا في القهر ، وجاء  الموت ليعلنه لنا  غائباً لابد لنا من تذّكره حاضراً في غيابه ،

 فلماذا  نتذكر رحيم الغالبي الان …… بعد موته تحديداً ؟

بل مافائدة الذكرى البسيطة بعد النسيان الطويل ؟

هل لانه مات مثلاً ؟

 بمعنى ان الموت وحده يمتلك القدرة على وشم ذاكرتنا بحضوره ؟

وهل الموت وحده الذي يعيد لنا سيرته الحياتية ويحفظها بعيداً عن النسيان ؟

وهل ان العلاقة الوثيقة بين الموت والتذّكر تنعدم مابين استمرارية الحياة والوجود في الذاكرة ؟

بعد كلّ تلك الاسئلة اقول اذا كانت مفردة الموت وحدها المؤدية  بنا الى قمة التذّكر بينما تنحدر كلّ الافعال التي نمارسها أو (ُتمارس ضدنا ) في الحياة المعيشة مادمنا احياء  الى سفح التهميش والنسيان فأنا افضّل ان اعيش في دائرة تهميش اصدقائي لي بدلاً من ان  يجعلهم موتي يتذكرونني على صفحات اوراقهم ليكتبوا باقلامهم المدببة ( كانت وكانت وكانت )

أجل  ارفض ذلك ،لأنني ببساطة لن استطيع حينها ان اعيش الحياة التي تحيا بالتذكر !.

– * الشاعر، كائن خاص أم نبات طبيعي ؟

الشاعر، كائن خاص أم نبات طبيعي ؟ 

يصنف بعض المنظرين أخلاق العناية على إنها( نظرية أخلاقية تحل محل النظريات الأخلاقية السائدة أمثال الكانطية والنفعية والارسطية) أما البعض الآخر فيراها وكأنها (نوع من أنواع أخلاق الفضيلة)،

 فان كانت أخلاق العناية تقدر الانفعال ولا ترفضه فهل  يحق للشاعر أن يعبر عن ما في داخله بمصداقية بعيداً عن انتقاد المتلقي  ؟

بمعنى آخر أن لا تكون الانفعالات المعبر عنها كقصائد من لدن الشاعر انفعالات انتقائية خشية خطأ التلقي؛

والى أي حد يمكننا أن نتخذ من نظرية أخلاق العناية كنظرية صالحة للتطبيق بين الشاعر ومتلقيه؟

أي إننا نتوسع في قراءتنا لأخلاق العناية فننقلها من إطارها الخاص– كأخلاق أسرة – الى إطار أعم لتشمل العلاقة بين الشاعر والمتلقي ، لأنها ببساطة وكما يرى لورنس بلم ( غير قابلة للفصل عن الاهتمام بالذات ) ، خصوصاً وان المتلقي يبحث في ذات مبدعها الشاعر -المنقولة له بهيئة حروف – عن ذاته هو،

  واخص الشاعر هنا لان القاص والروائي ربما تتاح له مساحة أوسع للولوج الى مناطق تعبيرية تتطلبها بل ربما  تفرضها تقنيات القصة أو الرواية عليه  فرضاً، ومن ثم فان أصابع الانتقاد السلبي لاتشير إلا لما يسيء لتقنياتها،

 بينما ضيق المساحة التعبيرية في القصيدة يجعلها ببساطة عرضة لانتقاد ما يظهر على سطحها من انفعال .

من هنا توجب على المتلقي أن يفهم الشاعر كعضو ضمن  مجتمع تؤثر فيه العلاقات الاجتماعية ، وان يكوّن معه بعض العلاقات الاعتنائية ،

خصوصاً وان الشاعر كائن اجتماعي يؤثر ويتأثر بما حوله من ظروف وليس نباتاً طبيعياً ينمو من تلقاء نفسه،

وان يبتعد المتلقي   قدر الإمكان عن النظرة الاستعلائية أو الدونية – بحسب شخصيته- ويتصرف بطريقة احتوائية بعيداً عن الاستهجان أو التفسيرات الخاطئة لما هو مطروح أمامه  من لدن الشاعر،

لأن ما يربط بعضنا ببعض كـ( مبدع ومتلقي) يأتي أولاً ،وان الاستقلال عن الآخر( كفرد أو مجتمع) غير متحقق إلا ما ندر؛

إذ إن الإنسان كائن اجتماعي علاقاتي ،تهمه الروابط  ويسعى الى تمتينها وتنميتها، وليس كما يقول مايكل ساندل(إن ما يفصل بعضنا عن بعض يسبق بمعنى مهم ما يربط بعضنا مع بعض…فنحن أفراد مستقلون أولا وبعد ذلك نشكل علاقات ) ،

وبما إن الشاعر كائن شفاف  غير قادر على تسكين أو إذابة  مشاعره متى ما أراد ومن ثم  فان ظهور تلك المشاعر في قصائده يعدُّ من الأمور الطبيعية  وان َكثُرتْ،

خصوصاً و إن  كانت تلك المشاعر المعبر عنها  من النوع  غير المضر بالمجتمع أي إنها ليست سلبية كـ(القلق ، والتوتر، والغضب والإحباط ) ،

 ليس هذا فقط  بل إن الشاعر أحياناً تحبسه الظروف في منطقة انفعالية واحدة مدة طويلة من الزمن من مثل حزنه بفقدان احد أحبائه ، فيمكث في تلك المنطقة الانفعالية مدة  أطول من غيرها  فيبدو لمتلقيه  متمسكاً بمشاعر دون أخرى،  وتصبح تلك المشاعر طاغية على ما يكتبه حتى تغدو  كمهيمنة دالة على إبداعه،

حينها نرى المتلقي يجعل من ذلك الحزن هوية لذلك المبدع  ،

  وربما يضفي على قصائده لقب  السوداوية متناسياً انه لو امتلك نفس الأدوات التعبيرية ووضعته الظروف بنفس المنطقة الحزنية لكان قد عبر عما عبر عنه ذلك  الشاعر وبالصورة ذاتها  أو يزيد  ،

من هنا يتوجب علينا كمتلقين لقصيدة ما، أن لا نتناسى إننا نبحث في تلك القصيدة عن ما يختمر في ذواتنا من مشاعر نحن في الأصل غير قادرين على كبحها أولاً ولا الإفصاح عنها بصورة صحيحة وصحية  لافتقارنا للقدرة التعبيرية التي تمكننا  من صياغتها وتحويلها الى كلمات ثانياً ،

مما اضطرنا الى الاستعانة بمن ترجمها لنا كما يجب وأعني  الشاعر ،

فيثبت لنا من خلالها انه كائن من طراز خاص ابسط ما يفعله انه يهدينا صورة جلية لذواتنا المخفية.

– * الشعر النثري

الشعر النثري    –      فليحة حسن 

(ما تكره الأمهات أنموذجاً دراسة سيميائية )

مدخل :

الفرق بين قصيدة النثر والشعر النثري :

عرفت  سوزان برنار ّ قصيدة النثر قائلة : إنها«قطعة نثر موجزة بما فيه الكفاية، موحّدة، مضغوطة، كقطعة من بلّور…خلق حرّ، ليس له من ضرورة غير رغبة المؤلف في البناء خارجاً عن كلّ تحديد، وشيء مضطرب، إيحاءاته لا نهائية».وذهب بعضهم الى تميزها بـ( الإيجاز والمجانية والتوهج)-  كما يقول انسي الحاج –الأمر الذي يجعلنا نرى إن كل ما يفترق عن هذا التعريف أو يجانب الصفات التي ُحددتْ لهذه القصيدة لا يدخل ضمنها بل يقع ضمن ما يسمى بالشعر النثري وهذا ما ميز  النص الذي أنا بصدد دراسته واعني ( ما تكره الأمهات ) للشاعر علي خصباك ،

سيميائية العنوان :

يعد العنوان واحد من المداخل الرئيسة في دراسة أيما نص أدبي والوقوف على  اكتناه معناه حتى عد العنوان أداة  مساعدة في سبر أغوار ذلك النص وانتهاك معانيه المخبوءة وتقديمها بجاهزية مقبولة للآخر المتلقي ، والعنوان هنا ابتداء من استعمال اسم الموصول ما والذي يعني (الذي) مستعملاً مع الفعل المضارع ( تكره) والذي من معانيه استمرارية الحدث يعطي للجملة تركيزاً  على الذي تكرهه الأمهات وتستمر في كراهيتها له ويغدو عنواناً يتمتع بقدرة على إثارة أسئلة عدة ابسطها  ما الذي تكرهه الأمهات ؟

 ومن الملاحظ أيضاً أن هذا العنوان هنا  صار لازمة في أكثر من مفصل من مفاصل النص فتكرر فيه (خمس ) مرات مما أعطاه القدرة على الحضورالاشعاعي الذي يمنح المعنى تجليا تنكشف لنا في نهاية النص دلالته المخبوءة ويهدي المتلقي الى ما كان يسعى إليه الشاعر من عنوانه وبذا يثبت لنا  إن العنوان ليس عتبة يمكن تخطيها بسهولة المار عليها المخترق لها والوالج بها أمكنة الى غيرها بل هو جملة أولى مركزة مضغوط فيها المعنى الأهم في النص والتي لا يمكن تجاوزها الى ما سواها ،

 وبما إن النص قد ُكتب للراحلين كما يشي الإهداء الذي قدمه الشاعر كعتبة تالية للعنوان  ” الى شهداء الحلة” فان الرحيل يتوجب على الشاعر أن يبتدئ بفعل يدل على زمن المضي ولذا استعمل الفعل (كان ) مجردا أو مقترناً بتاء التأنيث الساكنة

( كانت) في كل جمله بدئية نحو:

(كان البائع صديق الرصيف

كانت اليد الناعمة تتحسس وجيب القلب

كان المعلم يحمل على كتفيه قلق الزوجة
وكان الشاب الأسمر يحمل في جيبه طلسما
وكان مريض الربو يلج غرفة الحكيم
وكان الحكيم منهمكا بالعزف على قلوب قاصديه
وكان في الشارع كارثة تتسلل صوب
وكان الصبح يومئ لمن في المشهد..

كانت العصافير تطلق زقزقة… لا
كان ملائكة الرحمن منهمكين
بكتابة أسماء الشهداء.)

فبدا المشهد كما نقلته لنا عين الشاعر الرائي محتشدا بتفاصيل لحياة يومية  ماضية ابتدأت أرضية واقعية وانتهت سماوية واقعة تحت رحمة الغيب  (كان ملائكة الرحمن منهمكين بكتابة أسماء الشهداء) ،

سيميائية الشخوص :

ولان أحداث النص  – وكما اعتقد – مشاهدة أو معاشة من لدن الشاعر فانه لم يذهب الى صناعة  شخصياته بل إن الشخصيات هي التي تسللت من مكان الحدث الفعلي متلفعة بما تحمل من قلق و أحلام ورؤى وأمانٍ  تسعى لتحقيقها الى الصور الشعرية فيه، لا لتصنع المشهد صناعة بل لتنقله لنا وتحاكيه  ولذا فان ما نراه في ارض الشارع من شخوص جاءت بكليتها لنص (على خصباك) لتعيد لنا تمثيل المشهد كما حدث فعلاً،

 والملاحظ إن غالبية هذه الشخوص يلفها الانتظار، انتظار ما يبدل حياتهم نحو ماهو مرغوب فيه ومطموح إليه  أو يستأنفها بشكل أفضل متمثلة باستعمال الشاعر لمفردة ( اللامانع )التي جاءت هنا للتواصل مع حلم منشود قد يتحقق بالاقتران أو استئناف العمل أو مواصلة الحياة يقول : ( لا مانع من الاقتران ) ( لا مانع من العودة للوظيفة ) ، ( لا مانع من شد أزر الحياة ) هذا اللامانع جعله الشاعر يصدر عن الحكيم ( بانتظار ما يقوله الحكيم )  بمعنى إن كلمة اللامانع السحرية تلك لابد أن تصدر من حكيم مطلع على بما يجب أن يحدث أو يكون ،لذا فالجميع بدا منتظرا لـ(ما يقوله الحكيم) الذي وسمه الشاعر بالطهر والنقاء حين استعار للون طاولته البياض ( الحكيم الذي لون منضدته البيضاء اللماعة بالطهر )

بينما استعار للكارثة صورا مركبة من المكر المرموز له بـ(عيني ذئب) والمخاتلة الملمح لها بـ(هيئة ضبع ) ولحية افعوانية وقلب لا ينبض إلا بالموت ومن اجله
(وقلب خليط من سم وظلام وما تكره الأمهات
تنسل حاملة الثكل واليتم
وسكاكين تفرم الأجساد
وأمنيات شبقه متلهفة لرؤية الخراب)


سيميائية المكان :

مشهد النص ينقلنا الى مكان الواقعة التي تتضح ملامحه لنا ممسرحا داخل ثلاثة أمكنة :

 الأول ملمحا له إلا وهو( المشفى )والذي لم يترك لنا  الشاعر منفذا صريحا لولوجه غير الاستعانة بصورة شعرية جاءت في بداية النص مكنتنا من التعرف عليه حين قال : ( كان مريض الربو يلج غرفة الحكيم ليمنحه هواء نقيا للبقاء على قيد الأمل )

والثاني الشارع الذي جاء مصرحا به (لفظا )،(وكان في الشارع كارثة تتسلل صوب مشهد من يصارعون ما تكره  الأمهات ) و(محتوى) الذي دلت عليه مفردات : ( الصبح ، العصافير ، شط الحلة ، النهر ،البناية المجاورة )

والثالث المكنى عنه( بالجهة التي تغيب عندها الشمس) الجهة الظلامية التي رسمت المشهد مرتين مرة على ارض الواقع حين صنعت الموت وجاءت به كحقيقة حية معاشة ومستمرة

( ففي الجهة التي تغيب عندها الشمس أوقد زان شمعة ودعا مريديه )
و(وقبل أن يغادروا مكان الاحتفال جرى تبادل للزوجات،لإعداد أبناء زنا لارتكاب ما تكره الأمهات)

واخرى حين محاكاتها له تمثيلا (وجرى تمثيل المشهد كاملا وهم يطلقون ضحكاتهم العاهرة)

سيميائية الزمان :

المتمعن في زمن حدوث النص يراه زمنا مستمرا قابلا للتكرار اليومي فأفعالا مثل الترقب والانتظار والبحث عن لقمة العيش  والصراع مع المرض و الموت المتشظي أفعال تتصف بالدوام في بلاد مخترقة كالعراق ، غيران في النص دلالة  لفظية  تشير الى وقوعه صباحا (كان الصبح يومئ لمن في المشهد….لا )  ذلك الصبح الذي يتحول سناه بضغطة زر الى ليل ورماد فيغدو( الدخان يكفن المنتظرين )

سيميائية الحدث :

في نص كهذا نجد الحدث متداخلا مابين انتظار استئناف حيوات مختلفة لشخوص عدة استعمل لها الشاعر أفعالا حسية متوقعة  وبسيطة متمثلة بـ( التحسس، الاقتران، الحمل، الولوج، المنح الانهماك، العزف ،التسلل، التلهف ،الاتكاء و الإمساك ) وهي أفعال صورها الشاعر لشخوص نصه فأصبح ناقلا لها ليس أكثر بينما أعطى الفعل الأكبر للأشياء مستعملا تراسل الجواس فاستعار للصبح الإشارة ( كان الصبح يومئ لمن في المشهد ….لا) ، وللحلوى القول ( الحلوى قالت ….لا) وللشط القدرة على الاضطراب ومنازعة الضفة (شط الحلة ينازع ضفتيه) وبذا أعطاها الفعل الأهم في نصه ربما ليخبرنا عن هامشية  الإنسان وتلاشيه أمام حقيقة الموت وبقاء الأشياء  (فتشظى المكان
هذه يد المعلم ماسكة كتاب العودة الى الوظيفة
…. خاتم ذهبي وسط بركة دم
الحلوى مطفأة فوق رأس بائعها على جهة الرصيف المقابل
،

– أين مريض الربو ؟

بطاقة أحواله الشخصية حطت على البناية المجاورة)

فالموت لابد آت ولا تصلح لرده التمائم والرقى كما يقول الشاعر القديم :

 وإذا المنية أنشبت أظفارها         ألفيت كل تميمة لا تنفع

والشاب الأسمر تشظى جسده رغم ما علق من رقية تقيه موته

 (وكان الشاب الأسمر يحمل في جيبه طلسما
وضعته أمه حفاظا على ربيعه من الذبول )

وبين التشظي الذي امتد ليشمل المكان والزمان  والشخوص على حد سواء

( تشظى المكان ) ، والصبح ( أطره السم والظلام ) ، ( وراح الدخان يكفن المنتظرين ،والحديد والديناميت يتوزع على الأجساد)،

غير إن القراءة المتمعنة للنص تظهر لنا وجود فاصل بين الحدثين متمثل بعين الطفل الرائي  الأول لما حدث وفي ذلك إشارة الى إن الشر لا يراه  إلا نقيضه وهي هنا الطفل البراءة البكماء المستسلمة والتي لم تقو حتى على الإشارة الى ما تخفيه أجساد الدمار من نهاية فيتشظى أسوة بالآخرين

(وثمة طفل صغير متكئ الرأس على كتف الأم
صوب نظرته….أين الطفل…؟ـ سرقه تشظي الحديد،ـ لماذا الطفل…؟

ـ لمح الضبع وهو يهم بضغط أزرار ما تكره الأمهات.)
مع ذلك يصر الشاعر على وضعنا في تفاصيل مشهد(أطروه في لوحة رسمها أبناء الزنا والمشهد لم يكتمل) ويصر على تقديمه لنا غير مكتمل وهذا منطقي فمن اين للموت والدمار الكمال(والمشهد لم يكتمل، وان سار الدم نهرا بلا ضفتين، لم  يكتمل المشهد…)

سيميائية الصورة الشعرية :

اعتمد الشاعر في هذا النص على عدة أنواع للصورة الشعرية منها ما يمكن أن نسميه بالصورة المشهدية الكلية المركبة والتي  وقف الناقد شاكر النابلسي عندها  في كتابه” مجنون التراب- دراسة في شعر وفكر محمود درويش” والتي وجد في  دراسته لــ (25) نوعا من الصورة في شعر هذا الشاعر إنها مقسمة الى نوعين ( الصورة الكلية والصورة الجزئية ) حيث قال :(، ويمكن أن يرد المرء هذه الأنواع المتشعبة للصورة إلى نوعين فقط: الصورة المشهدية الكلية والصورة الجزئية.
فـ(علي خصباك) هنا يستعين بالأدوات النقدية البلاغية كالتشبيه والاستعارة والكناية والرمز في التوصل إليها نحو :
(وكان في الشارع كارثة تتسلل صوب
مشهد من يصارعون ما تكره الأمهات
كارثة لها عينا ذئب، وهيئة ضبع
وقلب خليط من سم وظلام وما تكره الأمهات
تنسل حاملة الثكل واليتم
وسكاكين تفرم الأجساد
وأمنيات شبقه متلهفة لرؤية الخراب)

إذ إن المتأمل لهذه الصورة يراها صورة شعرية مركبة تحاول أن  تشير الى الموت وصناعه وتحذرنا منه ،

والأخرى ما تسمى بالصورة الوثيقة ذات التناسل الأفقي التي ترتبط بالمدركات الحسية فقد  اعتمد فيها الشاعر على ما سمع وما رأى وأحس نحو قوله: ( كانت العصافير تطلق زقزقة ) أو ( يد المعلم ماسكة بكتاب العودة للوظيفة ) ،

وثالثة تنتمي الى ما يسمى بالصورة العمودية : والذي عدها (غاستون باشلار) أساس الشعر حين يقول: “يخضع زمن الشعر لخط عمودي) وان الغاية منها هي عدم التوقف وجعل الشعر غير خاضع إلا للعلو والعمق  فنرى الشاعر هنا يصور لنا مشهد الأمهات  بعد الكارثة قائلا
لم يكتمل المشهد
آه الأمهات…  الأمهات..!
يدفن شعور الرؤوس بالدموع
ويطفئن العيون بالخيبة)

 

فليس هناك دلالة أعمق على الثكل والفجيعة من دوام انهمار الدموع الى حد الانطفاء وقد افلح الشاعر في ذلك حين استخدامه للفعل المضارع ( يدوف ، ويطفئ) في تصوير الحدث واستمراره

– * الى مدينتي في العيد

الى مدينتي في العيد

الى (النجف)  المدينة التي كنت اعشقها قبل ان يحلّ ظلامهم ويطمسون نورها ،

بهية كنتِ، ومثل فراشات  تتراقص في روض الياسمين كنّا ،

 نركض  منفلتين من أحزاننا  بدروب تفوح منها رائحة الفرح الممزوج  بالحنين،

 نتبادل العشق سكارى بضوع بخور معتق يأخذنا الى ضفافكِ،

وحدكِ كنتِ ملاذنا

 يا طاهرة مثل أرواح القصائد،

 ويا بريئة مثل تباشير دعوات الاولياء،

 أتذكرنا كنّا نزدهي سائحين بين قبابكِ المذهلة ببريق مودتها ،

وكلّ شيء فيكِ يعني لنا  وجود

 لذا كنّا إذا ما سرنا بين شوارع حاراتكِ نتحسسُ وجيب قلب يخفق  بحبنا،

 وشرايين ُتشعرنا بها  ونحس بدفقها،

 كنّا مرهونين بحبكِ الى العمق،

 الله يا حبيبتي المهادنة ،

 لِمَ جعلوك تفقدين بهاؤك رويداً رويداً وتتصالحين مع حرابهم المفجعة؟

 ِلمَ تصمتين الآن وانتِ ترينهم يقتلعون اشجارك ويستبدلونها بالجدب؟

 يقلعون افراحنا من مضانها ويزرعون صلوات زائفة تفتقد الى ربِّ حنون؟

 انتِ مريعة الآن ياحبيبتي بثأليلك التي َنبُتتْ بوجودهم ،

 لِمَ لم تشعري بأرواحنا وهم يلتفون عليها خانقين ؟

هل تفقهين تسبيحنا  ونحن بعيدون عن ثراكِ نغتسل بدموع هجرانكِ ؟

أبداً لن تتعرفي على  ملامحنا  بعد الآن،

 فقد أسدلوا غيومهم الخانقة على عيونكِ فلم تعودي قادرة على التمييز بين ابنائكِ والتراب بين اعمارنا والخراب ،

انتِ لم تعودي أماً حنوناً كما عرفناكِ صغاراً،

 ولاصديقة لنا حين اضحينا نتمشى في دروب مراهقتنا ،

 لا، لم تعودي حبيبتنا عند شبابنا فقد سمحتي لهم بالنوم بين احضانكِ وهجرتنا ،

لم نعد قادرين على الصيام وقد غابتْ  عن موائد افطارنا  حلاوة تموركِ

 وزحف المرُّ الى كل ايامنا ،

 بعدكِ  من أين آتي بهلالٍ  لعيد لايكتمل بجمع أحبة آفلين؟

آه ياحبيبتي التي أريدها كما كانتْ،

 وأحلم بها كما كانتْ

 واتمنى ان تعود لي كما كانتْ،

 أغفري لنا هروبنا ،وتيهنا وتسللنا من بين مساماتكِ فنحن ببساطة نخاف،

 أجل صرنا نخافكِ بعد ان نزّتْ كلّ تلك الحراب من جدرانكِ

 واستبدلتِ اصوات حفيف الاشجار بفحيح الافاعي التي عشعشتْ في بيوتكِ القديمة ،

فقط تمني لنا عيداً سعيداً ، لأننا سنفعل ذلك مرغمين

– * Four Poems by Faleeha Hassan

 Four Poems by Faleeha Hassan

1. Age

2. Wish

2. Longing ness

4. The Child Martyr

                       

 1.  Age

I part my days:

One half for daughters not able yet

To count by hand

Or walk with open heart,

And a half for the man huddling upon the age

As heavy as the war

Or, like a palm with no breath of odour.

What left I turn to birds

Replete with white…

Fleeting sea gulls,

Butterflies lisping with magic,

Signs of Surprise,

Tales about elves,

And the carol

Living deep in the dream

Narrated by the grandma

As she was warning me

To run away

So that the core of the sea would cool off.

But, I forget her warning,

Wandering far out in my head,

But .. the clock calls to my dreams

So I come back…

To part my days:

One half for daughters not able yet

To jump as high as the wash rope

Burdened with woolen clothes,

And half

For the man sitting in silence

Away…

Sipping the nectar of the present

And cursing upon the future sorrow.

2. Wish

I’d like to come to you

But, our streets are red

And I do not have

But my white dress.

3. Longing ness

When the tomb has regained its lovely dimness,

I made my heart a window,

And started to praise my murderer.

4. The Child Martyr

For you, I write letters,

The others would be haunting me,

I hurried to the well to whisper:

It was a fast meeting

Like a bullet buried, through a bat, into the soldiers’ ribs.

It was a slow meeting

Like a mother’s tear

As she, preparing travel food

For the one born by the frontiers,

Whose birth certificate is full of worries.

All the overcoats are too large for him,

Yet, it is said that he’s worn an overcoat,

This is doubtful,

For he’s never been obsessed

With an instinct to take off his country.

I’ll gather all those bloods

Still traveling…

Lest I should say that

Our descriptions are but kindred.

Some difference is there between us,

It is the wound, oh my companion,

To which I am an echo.

           Translation by Hussein Nasser  Jabr Al-Abbadi

Post Navigation