موقع الأديبة د.فليحة حسن

الموقع الرسمي

Archive for the category “سـرد”

– * مجرد رأي

مجرد رأي

منذ زمن ليس بالبعيد جداً كنت مدعوة لإحدى المهرجانات الشعرية في بغداد  والتي لم تكن تتم  إقامتها آنذاك  إلا برعاية رسمية من قبل الدولة،وكان ذلك  المهرجان  يقام تحت رعاية وزارية  عادة، وكم أفرحني ان كان  من بين الحاضرين الشاعر الكبير محمد الفيتوري الذي احتل المقعد الأمامي بجانب الوزير لحظة الافتتاح وحين أنهيت قراءتي التي جاءت ماقبل آخر المشاركين أسرعت نازلة من المنصة متوجهة الى الشاعر محمد الفيتوري وسلمته نسخة من أول مجموعة شعرية لي وهي” لأنني فتاة” والذي قام بدوره بتناولها  مني بفرح كبير وتقبيلها ووضعها فوق رأسه تعبيراً عن  احترامه وامتنانه أما الوزير فلم اعرف ما العلامات التي ُرسمت على ملامح وجهه لأنني لم انظر إليه قط ،

وحين انتهت الجلسة اقترب مني احد الشعراء الذين كانوا ضمن اللجنة التنظيمية للمهرجان وهمس في أذني قائلاً بان الوزير أوعز بعدم مشاركتك في العام القادم ورّد سبب ذلك  الى كون قصائدي تحمل طابعاً سوداوياً وإنها غير متفائلة ؛

فما كان مني إلا ان التفع بالصمت وأغادر  القاعة مثل الآخرين ، وفعلاً لم تتم دعوتي الى ذلك المهرجان بعدها ،

وقبل أيام  التقيت بذلك الشاعر عائداً من المنفى واسترجعنا  بعض الذكريات ومنها حادثة المهرجان تلك  وما فعله الشاعر محمد الفيتوري اتجاه ما قدمت له ،

 تذكرنا كل حركاته وملامح وجهه والفرح الذي بدا عليه حينها واستحضرنا أسماء كل من شارك في تلك الجلسة غير إننا نسينا اسم الوزير الذي كان المهرجان  تحت رعايته ولم نفلح باستحضار اسمه مطلقاً على الرغم من محاولات التذكر غير المجدية التي قمنا بها ،

هذه القصة التي مررت بها تجعلني استغرب وأنا أرى قوائم الترشيح لانتخابات البرلمان أو مجالس المحافظات وهي تعج بأسماء الأدباء والشعراء منهم على وجه الخصوص واستغرب كيف صار الشاعر يطمح بالحصول على مقعد في البرلمان ؟

 و أتساءل الى ماذا يسعى الشاعر من وراء ترشيحه ذلك ؟

الى مجد يخلّده  وهو الخالد بقصائده  ؟

وهل ُيذكر الساسة إلا حين تكتبهم القصائد هاجية  أو مادحة ؟

فمن منا مثلاً يعرف أو يخطر بباله ان يعرف  أسماء الحكام أو الولاة أو  الوزراء الذين عاصرهم  الشاعر المتنبي لو لم يمن عليهم ذلك الشاعر بذكرهم مادحاً أو تذكرهم  أفعالهم الشائنة  فيذكرهم قادحا ؟

ومن منّا يتذكر أسماء المحافظين الذين عاش في زمنهم  السياب ؟

ثم من يضمن ان السياسية لا تفسد الشاعرية كما فعلت مع بعض الشعراء ؟

وهل بالضرورة ان يكون الشاعر مبدعاً في قصائده وفي  عمله السياسي أيضاً؟

وهذا أمر مستبعد إذ بين التفكير الإبداعي والتفكير السياسي بون شاسع ،

فالتفكير الابدعي كما يعرفه أحد الباحثين العرب : (على أنه قدرة الفرد على الإنتاج إنتاجا يتميز بأكبر قدر من الطلاقة الفكرية، والمرونة التلقائية، والأصالة)

تحكمه وأين العمل السياسي من طلاقة الفكر والمرونة والتلقائية ونحن نعيش في زمن قبضة الاستبداد المتبرجة بأصباغ الديمقراطية الزائفة؟؛

أما الحديث عن  التفكير السياسي فهو حديث عن تدبير أمور المجتمع  والشؤون العامة  والتحكم في تسييرها  وتحقيق المصالح  بطريقة عقلانية بحته وفيه (يكون العقل السياسي مشتغلاً بأدوات عامة ومنطق موضوعي ليس بذاتي.)

والذاتية  تعد غالباً سمة من سمات المبدع وان حاول تخطيها الى ماهو موضوعي أو ماهو عام ،

أم تكمن وراء ذلك الترشيح طموحات مادية ، كان الأجدر بالدولة ان توفرها  لمواطنيها ومنهم المبدع حتى لا يلتفت الى غير إبداعه منشغلا فيه  ومحاولا صقله وإنضاجه،  أليس المبدع ثروة الوطن القومية التي لا تنضب ؟ – كما يدعي الساسة – أم إنها مجرد شعارات تُخط على بوابات القصور وتُجمل  بها الخطب كي لا تكون شوهاء ؟

 ولكن يبدو ان من رشح نفسه من الأدباء تجاهل لذة الإبداع التي أكدها  كلام  الجاحظ – رحمه الله – حين قال (لو عرف الملوك لذة ما نكتب لقتلونا )  ،

– * (الرفض في بيت الطاعة )

 (الرفض في بيت الطاعة )             فليحة حسن

قامت قراءتي لرواية( بيت الطاعة) للكاتبة السعودية (منيرة السبيعي) على أمرين هما:

أولا–  قراءة الخبر ومن خلاله توصلت إلى  بعض المفاهيم السائدة في المجتمع السعودي والتي طرحتها الكاتبة في روايتها  والمتمثلة بهشاشة الأواصر الأسرية وسهولة تهشم تلك الأواصر ولأتفه الأسباب فبمجرد اكتشاف  البطلة لرسالة عابرة في هاتف زوجها النقال يتحول ذلك الاكتشاف الى كابوس يطارد حياتهما وينهيها بالطلاق ،

الثاني – الخطاب (وهو ما صار به هذا العالم شيئاً )- كما يذهب لذلك بعض الدارسين

دلالة العنوان :

يذهب بعض النقاد إلى إن العنوان يعد واحدة من أهم نقاط دراسة  النص السردي فالعنوان يصلح أن يكون ( ثريا للنص ) فيذهب الى تغطية المساحة السردية الكاملة للعمل الأدبي وهذا ما يلاحظ في ( بيت الطاعة) الرواية السعودية التي عملت الروائية ( منيرة السبيعي) فيها الى التطرق الى مشكلة اجتماعية تستشري في المجتمع العربي بشكل عام والمجتمع الخليجي بشكل خاص واعني بها الشك الذي يؤدي الى الطلاق وتحطيم الأواصر الأسرية ، ولعنوان الرواية ( بيت الطاعة) دلالة عميقة في النص السردي إذ أن البيت هو كوننا الحقيقي الذي يمكن أن يلخص أفعال وردود أفعال  قمنا بها على مدى عمر بأكمله ويمكن لنا أن نصف البيت بالقوقعة التي تحمي لؤلؤة أرواحنا من أن يكتشفها الآخر الذي لا يصلح لعملية الاكتشاف تلك ، وانه مكان يصلح لكي يكون دورقا يحتوي أفعالاً وانفجارات صانعها ليس هذا فقط بل أن بعض النقاد ومنهم باشلار يرى أن ( الكثير من ذكرياتنا محفوظة بفضل البيت) ،

أما كلمة ( الطاعة) التي جاءت هنا معرفة بال لتعرف قبلها واعني كلمة ( بيت) النكرة فهي تشي بمعنى الخضوع والاستسلام فصار أن أضفت على كلمة البيت ذلك المكان الخاص ، الخلاق، المرتبط بالوحدة مع الذات ، القادر على نقلنا إلى حياة الطفولة غير المتحركة والتي بها نريح أنفسنا من خلال إدخالنا في ذكريات الحماية التي نحتفظ بها مسبقا فسلبت منه كل صفاته تلك وأضفت عليه نوعا من الألم حتى تحول ذلك البيت الى مكان معادي فإذا ما تجاوزنا العنوان الى تفصيلات البيت (ذهبت لتفقُّد أبواب المنزل والتأكُّد من إغلاقها. غادرت غُرفتها مروراً بالصالة العلوية ثُم الدرج الرُخامي، هابطةً إلى الدور السفلي، ….المنزل هادئ، …..انصرفت للتوّ لِغُرفتها في السطح …..بدا البيت موحشاً …..خواء انسكب في داخلي ……جالت بنظرها في جنبات المنزل، كأنما تبحث عن شيء، لوهلة نسيت سبب نزولها للأسفل، ) نرى إن الروائية عملت على رسم البيت بصورة مبالغ فيها عملاً منها على سلب ألفة ذلك البيت وحميميته حيث صار بيتا ليس للبطلة وإنما هو بيت متفرج عليه بيت للضيف للآخر وهي بذلك أرادت إثبات ضعف ارتباطها بكونها الأول واعني البيت الذي رأت فيه  خلاصة لكون اكبر هو الرياض / السعودية وهي التي جسدت ذلك الارتباط الروحي بمكانها قائلة ( كانت الرياض لروحي كما غرناطة لـ( لوركا) المكان الوحيد الذي تنعم فيه روحه بالسلام ) وبما أن المكان هو الحيز الأول الذي به  يقوم الحدث وان الغرفة خاصة تحمل علامة ألفة لا تنسى – كما يقول – بعض النقاد فان البطلة قامت بسحب صفة الألفة من غرفتها كنتيجة حتمية لضياع هوية الآخر المشارك لها تلك الغرفة تقول (ذهبت لغرفة نومي، ووقفت عند طرف السرير أتأمل هذا النائم أمامي للحظات، لوهلة خِلته غريباً.. ليس زوجي الذي عشت معه.. )  واستبدلتها بمكان مناسب قادر على أن يجعلها تأتي بفعل جديد فنراها هنا بعد أن ( دارت بها الغرفة ،)، (  أغلقت باب غرفة الملابس عليها بالمفتاح ) و(تهاوت على ارض الغرفة في حالة ذهول ) وعلى الرغم من أن البطلة هي المحور ألارتكازي في الرواية إلا إننا نلمح كثافة حضور البيت في هذه الرواية كونه الفضاء الأول لحركة الشخصية المؤنثة عكس الفضاء الحركي  الأوسع للشخصية الذكورية علاوة على أن المرأة أكثر قدرة على السرد المكاني من الرجل كونه  المكان المثالي لها ،وقد عملت في نهاية الرواية على بناء بيت امن لها سورته بأهلها حصولا على الحماية الدائمة تقول  (أحتاج إلى منزلي لأُقيم فيه. لا أُريد وصاية من أحدٍ عليّ بعد الآن، حتى في السُكنى، ولا أظُن والدتي تُمانع في  ذلك؛ فلا يفصلني عنها سوى حائط) فيجيبها أخوها : (فكُلنا نُحيطك بالمنازل، وبحبّنا”) توكيدا لوجهة نظر باشلار الذي يقول فيها ( عندما نسكن بيتا جديدا وتتوارد إلينا ذكريات البيوت التي عشنا فيها من قبل فإننا ننتقل الى ارض  الطفولة غير المتحركة كالذكريات البالغة القدم ، نحن نعيش تثبيتات السعادة )

دلالة الأسماء :

يحمل الاسم علامة أشارية على مسماه وكثيرا ما يأتي به السارد بوعي تام من هنا نرى الروائية (منيرة السبيعي ) قد اختارت لبطلتها اسم ( نواره حامد أبو الهمم ) وسمت كل من يحيطها بـ( رباب ، ومعتز وعزيزة ) وغيرها من الأسماء التي تشي بالتفاؤل فالنور والحمد والهمة والرباب والعزة كلها أسماء  تبعد سامعيها عن التشاؤمية بينما أعطت للزوج اسما هو ( إبراهيم آل فارض) فعلى الرغم من أن اسم إبراهيم يحمل في دلالته نوع من القدسية كونه يعود في أصله الى خليل الله ( ع) إلا أن الكاتبة هنا سلبت منه تلك القدسية بان جعلته يقترن بلقب ( الفارض) لتحمل المتلقي على وضع ذلك الاسم تحت مظلة الاستبداد والظلم بينما اختارت لابنتها اسم ( لارا) وهو اسم أعجمي لتشي بولادة جيل هجين  فقد ملامحه العربية ، جيل ولد من أبوين عربيين وتربى بأيد أجنبية وهذا  ما عملت الكاتبة على توكيده بان أعطت كل من الخادمة والمربية أسماء أجنبية كونهما من العمالة الأسيوية التي جلبتها السعودية إليها فسمتهما ( ميري ، خضرا) وفي ذلك شيء من ربط النص بواقعيته وقد أعطت للمرأة التي سلبت منها زوجها اسم ( نوف الناهب ) لكي تؤكد قسوة ذلك الاسم ومدى وقعه في تنامي  الحدث .

دلالة اللغة :

ولأجل ربط النص السردي بمحليته  قامت الكاتبة بإدراج لهجة سعودية في  اغلب حوار  الشخصيات نحو (أوف… ذكرتني بالمحمول… الله يستر) ،(“ياخي مرة في حياتك ابزا البيت والبنت)كما استعملت اللغة الانجليزية في حوارها مع سائقها الفلبيني لكي تدلل لنا على هوية ذلك المستخدم (buy me Sawa now, the prepaid card،

Now mam

(But don’t use your Iqama, buy me one without a name )

كما أن الكاتبة وعملا على سحب المتلقي إليها استخدمت لغة شعرية عالية في الوصف وخصوصا في  بداية  الرواية نحو(تغفو الشمس مُلتحفةً بالغسق؛ لتبدأ كؤوس المصابيح تسكُبُ نورها في طُرقات المدينة المُعتمة، تُضيء مساكنها التي تُغلق على قصصٍ لا تنام،)

وبما أن اقتحام الألم نوع من التفكير الصعب انه حالة فكرية يعيشها إنسان ما – كما يقول بعض النقاد – وان هذا الألم ينقلنا الى مرحلة الشيخوخة مبكرا ويجعلنا أكثر شبها بآبائنا فان الكاتبة أكدت ذلك الأمر حين  شاهدت البطلة وجه أمها مرسوما على صفحة مرآتها  تقول (أمام المرآة في غُرفة نومها توقفت، نظرت إلى صورتها التي انعكست لها، خُيل لها أنها لمحت وجه والدتها بدلاً من وجهها،… هل بدأت علامات السن تغزو ملامحي، أم أنه همّك يا إبراهيم يحفُر له رموزاً على مسام جلدي)

 وبما إن هذه الرواية هي خطاب أنثوي معلن ومصرح به للآخر الذكر  فان الكاتبة كانت راوياً عليماً ،وإنها وضعت زمام الأمر بيد بطلتها التي استطاعت في نهاية الرواية أن تصنع لها عالماً  خاصاً ليس للرجل يد فيه حتى ولو من بعيد فهي تقول (“إبراهيم دفعني للذي خشيته سنيناً؛ فتح لي بوابةً للخروج إلى الحياة لن أُغلقها أنا الآن. إذا سألك عنّي ثانيةً فقل له: نورة وُلِدت حُرّةً. لم تحتمل قُضبان سجنك؛ فغادرته إلى غير عودة. والبارحة، البارحة فقط، نالت أُمنيتها، وطارت في المنام مُحلِقةً عالياً، فإذا رغبت بها فتعلّم الحُلم والطيران؛ هي لن تهبط لك ثانية!)

كما كشفت الرواية عن بواطن عوالم المرآة السعودية واستشراء بعض الأمراض السلوكية الخطيرة مثل ( الاسترجال ) و(الجنس المثلي ) والذي هو رد فعل لضغوطات المجتمع الذكوري والقهر والتهميش الذي تعيشه المرأة هناك فرسمت بعض شخصياتها النسائية وهن يرتدين ملابس الرجال ويمارسن تصرفات الرجال دون رادع أخلاقي, فهي تصورهن في حفل (وقد ارتدين بِدلاً رجالية وقصصن شعورهن على نحوٍ قصيرٍ جداً، وأغفلن وضع الماكياج، وكذلك الحُليّ، كما انتعلن الأحذيةَ الرجالية……لاحظت كذلك أنهن كُنّ يمشين مشيةً ذكوريةً)،(….. أجابت في ثقة وبلهجة لا تمُت إلى الأنوثة بصلة، واضعةً يدها اليُسرى في جيب جاكيت البدلة، بينما كانت تمسح بأصابع كفها اليُمنى على أطراف شفتها العلوية؛ مكان الشنب تحديداً، وهي تنظُر مباشرةً في عيني نورة، وفي أماكن أُخرى من جسدها)

نوع السرد :

وبما أن السرد نوعان ذاتي وموضوعي فان السرد في رواية بيت الطاعة التي كانت الكاتبة راويا عليما اطلعت على كل شيء حتى على ألا فكار السرية لأبطالها غير إنها لم تتدخل حتى لتفسرها وإنما وصفتها وصفا على قدر كبير من المحايدة وتركت الباب مفتوحا للمتلقي ليوؤل تلك الأحداث .

أنوع الشخصيات  :

أظهرت لنا الكاتبة  نوعين من الشخصيات الأولى  نامية متمثلة بشخصيتي(نوارة وإبراهيم) والثانية شخصيات مسطحة متمثلة بـ( نوف ومعتز وعزيزة  ) إذ إن شخصيتي نوارة وإبراهيم  انكشفت لنا بالتدريج وتفاعلت مع أحداث الرواية وتطورت معها وقد فاجأتنا  في نهاية الرواية بحدث لم يكن متوقعا  منها أما شخصيات نوف ومعتز وعزيزة فهي شخصيات لم نر إلا جانبا واحدا منها ولم تؤثر في أحداث الرواية أو تتأثر بها

    الزمان والمكان :

المكان: هنا هو الرياض وقد رسمته لنا الكاتبة  بشكلين:

 الأول:  القديم الأليف يوتوبيا الكاتبة المنشود فهي تقول فيه (“يا الله، هذه نفسُ المدينة الحُلم التي دوختني بِعشقها فيما مضى، في زمنِ حُبنا، لمّا كانت تبدو كأميرة الصحراء تزهو على وصيفاتها بثوبها المُترامي الأطراف يفوحُ بعطر زهر النفلِ والخُزامى، تحمل شذاه ريح الشمال عابرةً به لِفؤادي، وبِحُمر رمالها شرقاً وغرباً تُطرّزُ هذا الثوب، حافرةً في ثناياه أعذب قصص الحُب العطشى لمحبوبها المطر، ناظرةً جنوباً، في تحيُّن  لِمَقدمِ “الوسمي” الغائب المُنتظر)

 أما الثاني: فقد أظهرت فيه ما استجد في الرياض  من أبنية وأماكن للمتعة أنتجت عادات وسلوكيات جديدة   لم يعرفها المجتمع السعودي سابقا سواء أكانت تلك الأماكن خاصة بحفلات النساء أو حفلات الرجال وهي هنا رسمته مكانا متأثرا ومؤثرا بالتكوين الشعوري ووعي الشخصيات مثل المقاهي وبيوت(الوناسة)والتي  وصفتها الكاتبة بدقة محاولة منها في نقل المتلقي لما يدور في تلك الأماكن   من سلوكيات لم تألفها الرياض القديمة في الماضي تقول(  المقهى الذي التقت عزيزة فيه، والمُكوّن من قسمين أحدهما للعائلات والآخر للرجال، تفصِلُ بينهما حواجز بعضها ثابتٌ والآخر مُتحرك،كما هي الحال في مُعظم مقاهي الرياض ومطاعمها، مع اختلافٍ بسيط في هذا المقهى؛ حيث كانت حواجزه متفرقة، تُمكّن فتحاتها الصغيرة كلاً من الشباب والبنات من استراق بعض النظرات التي تمرّسوا عليها. مزدحماً يومها، وقد لاحظت نورة حركات “الغزل” التي بدت جليةً أمامها)( صوت الموسيقى ينبعث من داخل الفيلا …..إلى القبو حيث تُقام الحفلة. لاحظت نورة سِعة المنزل الذي بدا بأثاثه الفخم أشبهَ بالقصر لا الفيلا، وقد غطّى الرُّخام أرضياته كُلها، وزينت أسقفه ِثُرياتٌ تتدلى منها قطع الكريستال المُلوّن، تحُفّها زخارف الجبس كأنها لوحاتٌ فنيةٌ، مُضفيةً على المكان جمالاً وأُبّهةً، بإضاءتها الهادئة الموزعة بإتقان، كذلك عكس المسبح المُقام في القبو جواً من الرفاهية على المكان …بالكاد وجدت لهما مكاناً في الجلسة؛ فقد فاق الحضور العدد المتوقع له، كما يحدث عادةً في حفلات الدي جي.)

الزمان:
فقد جاء هنا تتابعيا روت فيه الكاتبة أحداثا ذاتية عاشتها البطلة وزوجها إبراهيم وتنامى الحدث حتى انتهت ذروته بالطلاق واستعادت الزوجة حريتها التي كانت تحلم بها دوماً، أما زمن  القص فهو زمن الحاضر الروائي الذي استطاعت الكاتبة أن تجسده بوعي الأنثى الرافضة له والمتحررة منه .

– * الإبداع و الحجاب

 الإبداع والحجاب

لم أكن المحجبة الوحيدة التي تدعى الى ورشة العمل التي أقامها منتدى نازك الملائكة كمشاركة والتي كانت تدور طروحاتها عن المرأة والإبداع و حضرها عدد من المبدعين والمبدعات وأُقيمت ُحلقاتها في اتحاد الأدباء المركز العام في بغداد ، وكنت قد أعددت فيها ورقة نقدية  تحت عنوان المرأة والكتابة ، قدمتني السيدة الفاضلة إيناس البدران الى السادة الحضور وحين انتهت قراءتي صعد احد (المبدعين)  الى المنصة معقباً على ما طُرح وكان قاصاً سبعينياً وافتتح تعقيبه بجملة استفزازيه قالها بلهجة عراقية دارجة  : ( شوفوا شلابسه وتحجي عن حرية المرأة ، شوفوا ربطتهه وجواريبهه ) ، ثم انتقل الى التحدث عن المرأة وتحررها وما يجب أن تكون عليه  اليوم في الملبس والشكل ،كي يعرف مدى ما تحمل من أفكار تقدمية،

 وشكر الحضور ونزل ،ولسان حاله يقول لا يجب أن تكتب المرأة عن الحرية ما لم تكن متحررة من  الحجاب ،

 وهو ربما لم يدر في خلده إن ( علم الهوية المعرفي يرى في  أنواع وأشكال الملبس والزى، مكون ثقافي محدد للهوية الجماعية والهوية الفردانية الشخصية.وقد تناولتها المدرسة الثقافوية التي يستند أصحابها على الإرث الثقافي في تحديد الهوية)، وإنني لم انظر يوماً قط  الى الحجاب  بمعنى الحجب والمنع،

بمعنى إن حجاب المرأة  لم يقف يوماً عائقاً  يمنعها من التحليق في آفاق الإبداع المختلفة ، ويكبل تجربتها الإبداعية ويحول دون تقدمها ،

 والأمر الآخر الذي غاب عن ذهن المعقب حينها  إن غالبية النساء المثقفات وخصوصاً العربيات إنما اكتسبن ثقافتهن تلك عن طريق المثاقفة ،

 فليس ثقافة المرأة العربية أمر اكتسبته من مجتمعها وهي التي  تعيش فيه مهمشة عن قضاياه المصيرية مكبلة في قيوده المتوارثة ،

و إلا فما معنى أن لا أتنفس سوى بخور القباب الزرقاء ،وتخنقني شواهد القبور واكتب عن نسيم البحر وهو يعانق أنفاسي كل صباح ؟؛

إلا يعني هذا إن المرأة تستطيع أن تحقق اندماجا بين ذاتها والأفكار الكونية بعيدا عن ضيق التجارب المعيشة في مجتمعها .

 بمعنى إن الرؤية الجديدة للمبدعة  تتجه اتجاهاً مزدوجاً من الذات إلى الموضوع فتمتزج لتكون عالماً آخراً جديداً يكون خلاصة لذلك المزج فيأتي من هنا إبداعها ٍ،

فتولد القصيدة لديها كمجموعة من الرؤى المتنامية وفق منطق شعوري يتساوق مع إيقاع النفس وهواجسها وأحلامها وأفراحها وأتراحها وكذلك بقية أنواع الإبداع الذي تخطه أنامل النساء ،

وحتى إذا استخدمت كلمة الحجاب استخداماً لغوياً أي حسبما وضعت  في كتب اللغة بمعنى الحجب والمنع والستر فهل يقف الحجاب ساتراً أمام أفكار المرأة المطروحة ومتلقيها مثلا ؟

وهل يمنع الحجاب القصائد الصادقة من أن تقال وتتقبلها النفس وتقترب من الروح وربما تمتزج بألفاظها ومعانيها ؟

وهل سمعنا يوما إن قصيدة ما لم يستسغها الجمهور فقط لان قائلتها كانت محجبة ؟

وبما أن هذا الأمر لم يحدث الى الآن أقول لندع المرأة ترتدي ما تشاء مادامت لم تسئ بذلك للناظر إليها،

وإذا كنّا ننادي بحرية المرأة أليس إجبار المرأة على ترك ما اعتادت على ارتدائه وفقط ليتواءم مع أذواق البعض نوع من قيد آخر تفرضه عليها الذائقة ؟

نعم منع الحجاب يدخل ضمن المنع أيضاً وليس ضمن الحرية مطلقا ً؛

ملحوظة  حقيقية :

لولا ارتدائي العباءة لما استطعت أن اخفي تحتها الجرائد التي اشتريها من بائع الصحف والتي تنشر بها مواضيع لي أو عني عن عيون زوجي وأخوتي وأبناء حينا من الذكور طبعاً؛

– * الأدباء و الاثنية

الأدباء و الاثنية

قد يعتقد القارئ لهذا المقال إنني أطالب فيه بانفصال الأديب عن الدولة

ومعاملة الأدباء كأقلية، كون هذا المفهوم يشير ومنذ ظهوره واعني عام 1909 الى”التعبير عن جماعة فرعية أو أقلية “،فليس التمايز الجسدي أو العرقي أو ألاعتقادي أو القومي ولا القرابة في النسب هو ما يمكن الاتكاء عليه حين النظر الى أثنية الأدباء ،  بل هي دعوة للنظر الى جمع الأدباء على إنهم امة،

وبما إن مفهوم الأمة يشير الى “ظاهرة اجتماعية تعبر عن جماعة تشترك في سمات معينة” والأدب سمة مشتركة بين أبنائه، لذا فان هذا المفهوم  هو الأكثر تشابها وقرباً من الاثنية ،ومن ثم فمحاولة التعامل مع الأدباء ضمن  هذا الإطار هي محاولة للاعتراف بخصوصيتهم وقيمتهم  وتميزهم في المجتمع،

  خصوصاً وان غالبيتهم يمتلكون   القدرة والكفاءة  المؤهلة لشغل المناصب المهمة

  وإدارتها أولا، وإبعادهم عن العنف باختلاف أنواعه ثانيا ،

وبما إننا كأدباء نعيش في  مجتمع لا يستطيع الفرد فيه  أن يستعين بالعشائرية أو المناطقية، في حل مشاكله لتعقدها فإننا بحاجة الى قانون يصون حق المبدع ،

تتجلى فيه كرامة المبدع كقيمة عليا  ، ولا اعني قانون اتحاد الأدباء وما يخص الانتخابات  وطريقتها، بل اعني المعالجة الفعلية للمعاناة اليومية لهذه الركيزة الحيوية في المجتمع ، فإذا ما أخذنا  مثلاً أدباء العراق فإننا نرى افتقار غالبيتهم الى مورد مادي دائم  يركنون إليه في تلبية حاجاتهم وحاجات عوائلهم المعيشية،  الأمر الذي يجعلهم يعمدون الى الاعتياش على النشر في الصحف المحلية  التي تعتمد نظام القطعة في ذلك،  إذ ليس من المعقول أن يخصص عموداً ثابتاً لكل أديب ؛والحال تؤول الى الاسوء مع عدم توفر البيت الصالح للسكنى والكتابة على حد سواء،

وليس لنا بمكان  أيضا أن نستبعد المرض بشتى أنواعه والعجز والإصابة بأحدهما أو كليهما عن المبدع وهو المنتمي الى سلالة البشر ؛

وبوجود هكذا مشاكل واستمرار تفاقمها بعيداً عن حل جذري مطلوب لها أمر يؤدي الى تحول العراق وهو بلد الإبداع الحق وقبلته  الى مكان طارد لمبدعيه ، وإن  فقر الأدباء يستدعي بالمقابل تفشي وباء ثنائية أدباء الداخل وأدباء الخارج ويعمل على زيادة الهوة بين من بقى ومن اغترب منهم ، لذا فان محاولة التعامل مع أثنية المبدعين واعتماد قدراتهم الإبداعية المنتجة للثقافة يقع على عاتق المسؤولين في الدولة ، فالثقافة أهم العوامل لتي يتوجب على الحكومة العمل على نشرها وترسيخها من اجل التغيير الاجتماعي المنشود .

– * انطباعية أم مرآة الناقد

انطباعية أم مرآة الناقد

يعود أصل الانطباعية التي يعرفها  قاموس (لاروس) (Impressionnisme) بأنها “مدرسة فنية تشكيلية” إلى فن الرسم، وبالتحديد الى  لوحة  تشكيلية عنوانها (انطباع : Impression) للرسام الفرنسي كلود موني،كانت  قد مُنعت من العرض في إحدى صالات المعارض الفنية،

وحين انتقلت الى الأدب كمنهج نقدي صار الناقد الانطباعي  يعتمد على ما يشعر به اتجاه النص الأدبي  بعيداً عن المنطقية في التفكير ،

 بمعنى إن الناقد  لا يبتعد عن ذاته كثيراً  حين يقوم بممارسة ذلك النوع من النقد

فصار يملي على متلقيه ما يلاءم ذائقته هو ليس إلا،

وكأنه يؤكدا ماجاء به الناقد  جول لوماتر حين قال إن المؤلفات الأدبية ” تبدو جيدة لأننا نحبها”

وقد يتخذ  بعض النقاد ذلك النص مسرحاً يصممه  بشكل من الإشكال  لطرح أفكاره الخاصة وان ابتعدت  عن ماجاء به ذلك  النص من مضامين ،

ليس هذا فقط ، فقد تنزّ أحيانا من بعض النقود الانطباعية  اعترافات ذاتية لنقادها،

وربما هذه الأسباب متفرقة أو مجتمعة جعلت العرب يطلقون على هذا النوع من النقد تسميات متعددة  فسموه بالذوقي والانفعالي والتأثري و الذاتي،

 كما ويظهر هذا المنهج وكأنه  بعيد تماماً عن مقولة “النقد علم”

وقد لخص بعض الدارسين سمات النقد الانطباعي بنقاط أربع هي :
– 1 – التقريظ .
– 2 – التجريح .
– 3 – التستر .
– 4 – الخصومة .

وهي سمات لا تصب في صالح النص أو منتجه  ،

فليس الإعجاب بالبيت الواحد من الشعر مثلاً قادر على الكشف  عن بواطن الجمال  في القصيدة كلها،

 وقد  تسحب الألقاب أو الصفات التي تطلق انطباعياً و بلا روية على شاعر ما، ذلك  الشاعر الى دائرة الغرور والتكبر ،

وكثيراً ما غفل  ناقد انطباعي مجرِّح عن  صور شعرية  في غاية الجودة الإبداعية،

بينما قد يتستر ناقد ما على عيوب قصيدة أمامه لقصدية اخوانية،

والأدهى من ذلك،  فقد تتسبب أراء انطباعية تقال في مجلس ما بخصومة بين شاعر وناقد، والأمثلة على ذلك كثيرة ،

وأنا هنا لا أنادي بنقد يعزل  النص عن مؤلفه وظروف نشأته  ويجعل من اللغة الأساس الاوحد الذي تقوم عليه عملية النقد،

بل أدعو الى تركيز على النص الأدبي أولاً وجعله هو المعبر الشخصي عن نفسه ،

و بدلاً من أن نمسك بعنان الذوق وحده فيسحبنا الى نتائج لا تخو من الغلو في الحكم، ولان الذوق الشخصي وحده لا يعتمد عليه في التوصل الى القيمة الجمالية للنص،

ولان وجود النص  يبقى  واحده من أهم المرتكزات التي تساهم في بناء التفكير النقدي ، وبدلا من أن يردد  ناقد ما على قصيدة مسموعة أو مكتوبة عبارات  من مثل :  (  يا لها من قصيدة جميلة؛ ) عليه أن يؤشر جمالها،

 بمعنى أن يوضح للمتلقي مكامن الجمال،والطرق  المستعملة في  صنعه عن طريق

 البحث عن قصديـَّة المفردة المكتوبة فيها ،وطريقة الاعتناء بالفكرة المطروحة، ومكونات الصورة الشعرية وغيرها،

 لكي يبقى النقد  ملكة وعلماً وممارسة مضافاً  إليه الذوق ،

وأخيرا فإننا لا نريد من نقادنا أن يكونوا مثل  مروان بن أبى حفصة حين أُنشِدَوه  شعراً لزهير، قال: زهير اشعر الناس، ثم أُنشد للأعشى فقال: بل هذا اشعر الناس، ثم أُنشد لامرئ القيس، فقال: امرؤ القيس والله اشعر الناس).

– * الإيروس و الأيروسية

  الإيروس و الأيروسية

Eroticism/ Eros

تعني كلمة (Erotic ) الإيروتيكية في اللغة  الإنجليزية “المثير للشهوة الجنسية” ، أما كلمة ” إيروسية ” فتعود الى تسمية لأحد آلهة الحب عند الإغريق

وقد ذهب بعضهم الى وضع تعريف للإيروتيكية فقال هى : ” أدب المواخير “

ومن الدارسين من يرى إن الكتابات ” إلايروتيكية ”  قد كثرت في الأدب الحديث إلا أن هناك من يرى أن هذا النوع من الكتابات تعود جذوره الى الكتاب المقدس وخاصة ما جاء في سفر ( حزقيال) ،

والأمثلة على هذا النوع من  الكتابات في الموروث الأدبي للعرب بشقيه الشعر والنثر كثيرة ،

  والكاتب الايروسي يكتب بعبثية واضحة مندفعا في كتاباته  بعيدا عن القيم الأخلاقية والمجتمعية  والدينية ،

فالشاعر الايروسي مثلا  يتخلى عن التابوالجسدي ( المحرّم ) ويفتح فضاء قصيدته على  تشكل صوري مفاده الجسد بفضائه الصريح ، فيفرط في استخدام الكلمات التي تشير الى تفاصيل  الجسد أو يعمد الى الاستعمال غير اللائق لها صانعاً منها دلالات شبقية ، كما يرى رولان بارت في ” لذة النص” : (أن الكلمة تكون شبقية بشرطين متعارضين ، هما ؛ التكرار المفرط و الحضور غير اللائق )

والايروسية في الشعر-كما اعتقد – هي اندماج دوال تفاصيل الجسد المخفي  باللغة والتصريح عنها  بقصديه ، حتى يبدو الإيحاء المولد من الكلمة الشبقية هو المنتج الرئيسي للصورة الشعرية فيها،

 وبما إن غالبية عوالم الكتابة الإبداعية مفتوحة على فعل التخيل، فاني أرى إن  الشاعر العاجز عن الاتصال الفعلي   بالآخر ، هو وحده من يحتمي بنصه  فتظل لذته  كامنة وراء ذلك  النص  المنتج،

بمعنى أن  صورة الجسد المحظور واقعاً تتشكل عنده  كتابياً سعياً  لبلوغ النشوة المنشودة من وراء اتصال واهم  ،  وكأن الشاعر في قصيدته  يتوحد بالآخر من خلا ل الشعر فقط  وصولا الى وهم الإشباع ،

أما في الرواية  فان كاتبها يعمد الى  “أسلوب التوضيح والتفصيل والتصوير الجنسي المباشر”، فتظهر  الرواية وكأنها تتمحور حول الثوابت ايروسية هي (الجسد وفتنة غوايته )،ويبلغ المجون حداً يصير فيها واحداً من أهم  مفردات الخطاب المعلن،

 والمثير في الأمر إن هناك من يتصيد المفردات الايروتيكية في كتابة المرأة  فقط دوناً عن الرجل ، ويبدو الغلو واضحا لدى بعضهم حين  يذهب الى إن المرأة الكاتبة تكتب (بالجسد وتحوله إلى أيقونة )

متناسيا أن غالبية النساء الكاتبات – خصوصاً العراقيات منهن – تعي تماماً أن  الإغواء الكتابي الذي يكوّن النص من جهة قد  يفتك به من جهة ثانية ،

وليست الكلمة الإباحية قادرة على توفير الاحتماء الوجودي الذي تسعى إليه المرأة في كتابتها ، فالأسرة والمجتمع يبقيان رقيباً غير مرئي لكنه صارم في الوقت نفسه على ما تكتبه المرأة هنا،

نعم إن هذا النوع من الكتابة  قد يوجد في مجتمعات أخرى غير العراق،

لان المبدعة  العراقية بالرغم من إنها تستعيد تحررها عن طريق الكتابة في مجتمع ذكوري صارم ، إلا إن نصها  يتشكل ضمن سياقات ثقافية و اجتماعية وحتى دينية  ليس من السهولة بمكان الانفلات منها، أو الكتابة ضدها،

نعم هناك العديد  من الشاعرات الأوربيات من وصفت كتاباتهن بالايروتيكية وخصوصاً من كتبت  بعد مرحلة الستينيات،

ولانعدم وجود مثل  تلك الشاعرات في الوطن العربي وخاصة في المغرب منه ، ولكن وجود شاعرة عراقية يمكن أن نطلق عليها هذه الصفة، اعتقد انه أمر مستبعد الآن في الأقل .

– * التفاعلية ( interaction )

التفاعلية ( interaction )

بالرغم من غياب الاجماع على معنى هذا المصطلح، الذي وضع له اكثر من ثلاثين تعريفاً، كان اهمها ماجاء في الموسوعة العالمية للاتصال كونه

 ( تكنولوجيا توفر اتصالا من شخص الى شخص اخر بواسطة قنوات الاتصال عن بعد وتفاعلات تتم بين الانسان والالة تحاكي التفاعلات الشخصية )،

 الا انه  يبدو وكأنه في دور الصياغة اكثر مما هو في دور التداول في الحقل الابداعي ،

ويعد ( jackel ) واحد من الذين ذهبوا الى انه مأخوذ من معنى التبادل والتفاعل والتأثير المتبادل ،

وقد برز في ثلاثة حقول اكاديمية هي علم الاجتماع والدراسات الاتصالية والمعلومات ،

الا انني أرى ان النص التفاعلي هو نص يأتي به منتجه مسايرة للتطورالتقني الحاصل في العالم، فمثلما تطور الهاتف المحمول عن شكل سابق له، وهو جهاز اللاسلكي المتطور هو الاخر عن جهاز الهاتف السلكي،

 فيقينا ان الكتاب الورقي  الحالي سيتطور عنه كتاب آخر يكون في متناول الجميع ربما سيكون احدث من الكتاب الالكتروني المطروح الان على شبكة الانترنيت ،  وسيكون لتقنية الحاسوب الاثر الاكبر أو ربما الاوحد في انتاجه وتقديمه ،

بمعنى ان النص التفاعلي هو ليس نصاً منتجاً عن ترف أو محاولة لاسترضاء ذائقة مستعملي الحاسوب، بل هو ضرورة يقتضيها ذلك التطور ،

فالقصة الرقمية مثلاً ،  التي انتجت منها ثلاثة  نماذج ونشرت منها نموذجين في موقع ( النخلة  والجيران) كانت في احدى غاياتها اشراك غالبية حواس المتلقي في عملية التلقي ،

فبمجرد الضغط على ايقونة النص عن  طريق المؤشر، سيجد المتلقي نفسه امام نص  (مكتوب ، مشاهد،  مسموع ومتحرك ) في آن واحد،

 اي سيجد نفسه امام نص محسوس باكثر من حاسة ، وبهذا يرتفع المتلقي من عملية التلقي البسيط الى عملية أعلى منها في المستوى واعني عملية الشراكة في انتاج لذلك النص،

وبالرغم من ان تقنية الحاسوب قد هيمنت على النص التفاعلي ، وان أنزياحات ذلك النص تقع خارج اللغة ، الا انها لم تستطع الغاء وجود المكون الرئيسي للادب وأعني اللغة، التي بقيت من أهم عناصر الخطاب في الادب التفاعلي ،

وبوجود الانسجام بين المسموع والمرئي يعطي اللغة القدرة على الاتساع في المعنى ، ويحملها الى اختلاف في التأويل مؤداه الاتساع في النص .

 مع انفتاح زمنية ذلك  النص صوب المتلقي ،

 اما مكان السرد في القصة الرقمية ، فهو ( world wide web) الشبكة العنكبوتية العالمية وهي المساحة الاكثر نمواً في مساحة السرد، من  حيث عدد المستخدمين لها، ( فقد اشارت الاحصائيات ان عدد مستخدمي الشبكة العنكبوتية قارب من 950 مليوناً في عام 2005 ) ،

وبما ان العالم يعيش اليوم ( الموجة الخامسة الطويلة من الابداع التكنلوجي والجيل الرابع من النظام التفاعلي )

فلماذا لاتقترب منه كأدباء بضغطة زر ؟؟

– * (الثقافة والمثاقفة) ، وحدة جذر أم اختلاف مضمون ؟

(الثقافة والمثاقفة) ، وحدة جذر أم  اختلاف مضمون ؟

                                                                      فليحة حسن

كثيراً ما نقرأ بعض المصطلحات المشتقة من جذر فعل واحد ، فتوهمنا بأنها  متطابقة من حيث المعنى ، وان كان ذلك معكوساً ، وهذا ما نراه في مصطلحي الثقافة والمثاقفة ، فالأول وأعني الثقافة يعرفها الجاحظ (ت 255 هـ ) بأنها ” الأخذ من كل علم بطرف ” وفي اللغة العربية  تثقيف الرماح تسويتها ، وهي تختلف في معانيها بين شعب وآخر ، فهي مثلاً لدى الفرنسيين العناية بالأرض ، أما الألمان فيطلقونها تعريفاً لكل ما يتصل بالقيم الروحية ،

وهناك من يرى فيها أنماطا عليا من سلوك اجتماعي  مكتسب،

بمعنى إن الثقافة مقتصرة على الإنسان وحده كونه كائن اجتماعي أولا ،وإنها  لا تتأتى لمن يطمح بها من  باب التمني ما لم يكن هذا التمني مصحوباً بجهد وعناء للوصول إليها ثانياً ،

وهناك من يرى تعارضا بين الثقافة والطبيعة بينما يذهب البعض الآخر إلى التوكيد  على عدم وجود هذا التعارض،  لأنها تعمل على تطوير ذلك السلوك الإنساني  وفق ما هو موجود في طبيعة المجتمع البشري المعيش ،

أما المصطلح الثاني واعني به المثاقفة فهي لغة تعني الخصام والعراك ، يقال ثاقفة بمعنى خاصمه وعاركه ،

وهي بالمفهوم  الاورو- مريكي “الانتصار للمركزية الغربية” ، وكأن المثاقفة هنا  تسعى لان تكون الشعوب تابعة لما تأتي به الدول الكبرى  من طروحات فكرية ، ثقافية  غازية ، محاولة منها جهد الإمكان أن الربط بين “سلطة المعرفة بالقوة” ،

وكأن هم المثاقفة هو السعي  الى جعلنا نحتذي بالنموذج الغربي كونه النموذج الأصح من حيث التنظير والأصلح من حيث قبوله للتطبيق في الشعوب المفروض عليها ، ومن ثم هي محاولة لطمس ثقافة تلك الشعوب الممتحنة ،

 الأمر الذي حدا  بالكثير من المفكرين إلى محاولة استقصاء هذا المصطلح ومحاولة اطلاع المتلقي على ماهو كامن خلفه من محاولات تأثيرية كان الغرض منها تصدير ثقافة غازية إلى بلدان مازالت ضعيفة ، كما  أوضح ذلك  إدوارد سعيد في كتابيه «الاستشراق» (1978)، «الثقافة والإمبريالية» (1993)،

وقد نبذ الكاتب  الكيني  نغوجي واثيونغو المثاقفة في كتابه المعنون «تصفية استعمار العقل» (1986)، الذي نادى فيه بذلك من  أجل «تحول اجتماعي أساسي لبنى مجتمعاتنا يبدأ من قطيعة حقيقية مع الاستعمار وحلفائه من الحكام المحليين»،

غير إننا كمثقفين يتوجب علينا الاعتراف بالمثاقفة المعكوسة وان جاء هذا المصطلح متأخراً ، ففي المثاقفة المعكوسة وحدها تُحترم  ثقافات الآخرين بتعددها واختلاف مشاربها ،

خصوصا وان أشكال الثقافة المعكوسة مترسخة منذ زمن ليس بالقريب في الأدب العالمي ، فقد ظهرت مثلاً  صورة العربي  جلية للعيان  في ما كتبه كلّ من  بوشكين و بورخيس ،

كما إننا يمكننا  أن نتبنى رأي  الباحث الاجتماعي الفرنسي «ميشال دوكستر» حين عد الترجمة واحدة من طرق المثاقفة المعكوسة  كونها  “مجموع التفاعلات التي تحدث نتيجة شكل من أشكال الاتصال بين الثقافات المختلفة كالتأثير والتأثر والاستيراد والحوار والرفض والتمثل وغير ذلك مما يؤدي إلى ظهور عناصر جديدة في طريقة التفكير وأسلوب معالجة القضايا وتحليل الإشكاليات، مما يعني أن التركيبة الثقافية والمفاهيمية لا يمكن أن تبقى أو تعود بحال من الأحوال إلى ما كانت عليه قبل هذه العملية”،أي الترجمة ،

الأمر الذي يجعلنا وبدلا من أن نتبنى المثاقفة كمفهوم عولمي يهدف الى إقصاء التعددية الثقافية ، أن نعمل على ترسيخ مفهوم المثاقفة المعكوسة للحفاظ -في الأقل – على ثقافتنا التي نراها ُتستلب يومياً وبالتدريج .

– * الحداثة وما بعدها

الحداثة وما بعدها

من زمن ليس بالقريب ومصطلح الحداثة تلوكه الألسن حتى صرنا نسمع به كل حين في مجالسنا الأدبية فلا يخلو حديث من الأحاديث الأدبية  من هذا المصطلح وأصبح َمنْ لا يتشدق به ُيركن في خانة المتخلفين عن سرب التطور ،

متناسين أن هذا المصطلح الغربي الأصل لم يعرفه العربي إلا  بعد أن صدّرته لنا أوربا ميتاً ،

فالحداثة ” modernus” مصطلح لاتيني  يقصد به” الآني، الحالي، المعاصر، وضدّ القديم” ، وُيرجح  بعضهم ظهوره إلى عام 1517 وإلى  قيام حركة مارتن لوثر في أوربا تحديداً  ، ومنهم من يذهب الى إن إرهاصات الحداثة وان ظهرت في القرن الخامس عشر إلا إنها لم تستقر في أوربا إلا  في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وقد كانت إيطاليا المهد الأول لظهورها  ،

وليست الحداثة واحدة لدى مختلف الشعوب فالحداثة الأمريكية- كما يرها بعضهم – ” موازية متسارعة، ليس لها أجداد ولا تاريخ” في حين  يذهب آخرون الى إن الحداثة اليابانية  “استلهمت معطيات الثقافة الغربية بشكل مرن” ووصفت الحداثة الروسية بـ”الاستدراكية التي تفتقر إلى مرجعية ماضوية ولا تلتزم بحتمية التطور التاريخي”.

أما العرب فلم يتعرفوا على هذا المصطلح إلا بعد لقائهم بالغرب واعني في عصر النهضة ،

 ولكن شخصية العربي المرتكزة  على التراث وعدم وجود أرضية صالحة

لهذا  المفهوم الوافد الجديد جعل الحداثة  تتراجع خاصة  بعد حرب حزيران 1967، لأن العربي  وجد فيها  حالة من الفصام بينه وبين تراثه ، بمعنى إن وصولها الى المجتمع العربي لم يكن وصولا موفقاً ، ومن ثم اتصفت بعدم الفاعلية في ذلك المجتمع ولا جدواها فيه ،

والمتتبع لهذا المفهوم يراه وقد نبع من الفكر الغربي ولم يستورد له أو يفرض عليه فرضاً الأمر الذي جعلها ترتقي بالحياة الغربية نحو العقلانية في “الفكر والفن والإبداع “على العكس مما حدث مع العرب الذين لم يتقبلوها حتى ُعدت الحداثة العربية وجهاً من وجوه الخضوع للاستعمار ونوع من الارتباط “الانطولوجي بالفكر الغربي” ، فليس هنالك “تحديث  إلا مع التغريب “- كما يشيعه بعض المفكرين العرب – ،

ويبدو إن العربي لم يشفَ من صدمة الحداثة حتى ُصدم بمصطلح آخر هو ما بعد الحداثة ، الذي جاء استخدامه الأول من قبل المفكر (أرنولد توينبي) عام1959والذي مثل عنده “اللاعقلانية، والفوضوية، والتشويش”،

وكان أهم ما قامت به فلسفة ما بعد الحداثة  العمل على  تعرية الحداثة وإيضاح نقاط ضعفها وإصابتها في مقتلها حتى تم إعلان “موت الحداثة”

 والتقارب الزمني في الوصول  بين الحداثة ومابعدها جعل المفكر العربي ينظر إليها على إنها ليست أكثر من  ” سرعة ثانية للحداثة” كما جاء ذلك في كتاب الحداثة وما بعد الحداثة الدكتور محمد سبيلا،

وحين يعرف بودليرالحداثة قائلا : أنها  حضور الأبدي في اللحظة العابرة فيما هو مؤقت”. يجعلنا نتساءل كيف يحضر الأبدي في اللحظة العابرة بغياب سحر العالم الذي تنادي به الحداثة حين تدعو الى فصم الائتلاف والوحدة بين السماء والأرض ؟

فهل بعد ذلك لا يبدو مصطلح  ما بعد الحداثة إلا ظلا لحداثة ميتة ؟؛

 وكيف لظل الجثة أن يستقيم؟ ؛

– * الذاتية كما اعتقد

الذاتية كما اعتقد

(الذاتية عطر معتق في زجاجة مغلقه)

بهذه القراءة واجهني احد الأصدقاء معلقاً على نص منشور لي في احد المواقع الالكترونية وكأنه أنكر عليَّ أن اكتب نصاً اعبر به عن ذات عاشتْ، فأحستْ، فكتبتْ، وأنه لا يريد من المبدع إلا أن يكون موضوعياً لينطلق الى المتلقي بعيدا عن دواخله ،ولا يلامس في كتاباته  إلا الأفكار العظيمة مبتعداً عن المشاعر خاصته ،

ويربط صديقي -المعلق – الشاعر بوظيفته الأولى في العصر الجاهلي واعني  كونه لسان حال قبيلته المعبر عن أفراحها وأتراحها،متناسياً  كيف كانت القبائل تحتفي بولادة شاعر فيها  حتى قال ابن رشيق : (كانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها وصنعت الأطعمة واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر كما يصنعون في الأعراس ويتباشر الرجال والولدان ….وكانوا لا يهنئون إلا بغلام يولد أو شاعر ينبغ أو فرس تنتج)

  متناسياً إن الشاعر -العربي بعامة  والعراقي بخاصة-  اليوم ينبغ ويتألق ويموت غريباً حتى في وطنه  دون أن تحتفي مؤسسة به أو تكافؤه بطبع نتاجه الشعري ،فلماذا لا يحتفي بذاته هو فيعبر عن مكنوناتها  بقصيدة تعكس ما يعيشه من الم ومأساة ،

ولماذا إذا ما عبر الشاعر عن تجربة معيشة استهجن عليه المتلقي  ذلك الأمر؟

 فإلى أي حدّ  يستطيع المبدع أن يكون موضوعياً في التعبير عن  تجاربه الخاصة ؟

وهل سيكتفي  ساعتها  أن يكون  مؤرخا ناقلا للحقائق فقط غير متأثر بها؟

وهو الذي يرى العالم من خلال ذاته هو؟

وهل إن منطقة الذات منطقة مستحيلة الولوج من قبل الآخر كونها منطقة معتمة لا توجد فيها نقطة ضوء مشتركة يمكن أن يطل بها المتلقي  على الذات المبدعة ليكتشف انعكاس ذاته بها ؟

وإذا كان الأمر كذلك فلماذا نسمح للقصائد الذاتية بالتسلل الى أعماقنا والسكنى فيها حدّ إن آهاتنا تتزامن مع أهات شاعرها فتنطلق معها ،فمن منا مثلا لا يتوجع مع المتنبي حين يقول :

أرَقٌ عَلى أرَقٍ وَمِثْلي يَأرَقُ                              وَجَوًى يَزيدُ وَعَبْرَةٌ تَتَرَقْرَقُ

جُهْدُ الصّبابَةِ أنْ تكونَ كما أُرَى                         عَينٌ مُسَهَّدَةٌ وقَلْبٌ يَخْفِقُ

ومن منا لا يتعاطف مع ذاتية السياب وهو يطلب من حبيبته أن تبادله الحب بقوله

أحبيني

 لأن كل من أحببت قبلك لم يحبوني،

ومن منا لا يتبنى دعاء محمود درويش مع ما به من ذاتية مفرطة  عند الأزمات

يا الهي أنا لم أسألك حملاً هيناً

يا الهي أعطني ظهراً قوياً

اعتقد إن المبدع كلما كان ملتصقاً بذاته قادراً على الإفصاح عن خلجاتها مصوراً لما يعتمل فيها من أفكار أو مترجماً لما عاشه من تجارب كلما كان اقرب الى متلقيه لأنه حينها يستطيع أن يجمع ذوات متعددة في ذاته الواحدة ويعبر عنها بإخلاص ، وهذا هو الفرق بين الذاتي والشخصي الذي اعني به الموضوع الذي يهم شخص المبدع دوناً عن سواه ،

ليس هذا فقط فأنا مع من يقول إن الذاتية هي طريق معبدة للوصول الى العالمية ، وربما ذاتية ماركيز جعلته واحداً من أهم كتاب الرواية في  العالم ،

  يقول الشاعر الروسي  يفغيني يفتوشينكو:  (من واجب الشاعر أن يقدم لقرائه مشاعره وأعماله وأفكاره على راحة يده، وعليه كي يحظى بإمكانية التعبير عن حقيقة الآخرين أن يدفع الثمن بالكشف عن حقيقته من دونما رحمة أو شفقة…نعم  الشعر امرأة حقود، لا تغفر الكذب ولا ترضى بنصف الحقيقة)

لذا فانا لا أعدك ياصديقي – وأنا الشاعرة- أن اجلس في غرفتي التي لاتفارق وجه القبور أن انبذ ذاتي واكتفي بالتفكير بمستقبل الوطن العربي ،

Post Navigation