موقع الأديبة د.فليحة حسن

الموقع الرسمي

Archive for the category “الشاعرة فليحة حسن – قالوا عنها”

– * أقرأوا الشاعرة فليحة حسن – ياسين النصير

أقرأوا الشاعرة فليحة حسن   – ياسين النصير

د - فليحة حسن

ياسين النصير
ياسين النصير

لم يدر بخلد أحد منا أن يلتقي يوما بشاعرة لا تسبقها دعاية ما، فليحة حسن الفتاة النجفية السمراء، تقتحم قراءاتك دون استئذان بديوان شعر صغير، 37 صفحة، وبـ31 قصيدة قصيرة، شاعرة تتلمس طريق الفراشات إلى حقول الشعر،لا تفتعل اللغة، ولا الصورة، ولا الكلمة، بل تجد ما تريده منساباً بتراجيديا حزينة دون تعقيد. هذه الشاعرة الكريمة كأي واحدة من أدباء العراق الشباب تتحفك بمجموعة أو أكثر من نتاج الشعر وهي لا تدعي أكثر مما تقوله قصائدها، وخلال متابعتي لها ولغيرها من الشاعرات لم أجد لهن فسحة في صحافتنا الثقافية إلا قليلاً، فقد سد مشرفو الصفحات الثقافية عليهن النوافذ بصداقاتهم وحقولهم المجدبة الصغيرة المعاني، وتركوا الشاعرات خارج السرب،
على العكس من إحتفاء الثقافة اللبنانية والمصرية والسورية والخليجية بشاعرات أقل موهبة من شعرية رسمية وفليحة ونجاه وغيرهن. تتحدث الشاعرة فليحة حسن في ديوانها الصغير/الكبير، زيارة لمتحف الظل عن خسارات جيلها، في الحب، في البيت، في الحرب، في الهناءة، في القوت، في الرغبة ، في أن لا يموت أحد موتا مجانيا. لتؤسس إلى مثيولوجيا جديدة مادتها ما حدث للعراقيين بفعل الحروب. – الشاعرة وقد تعرفت عليها في مهرجان المدى في أربيل -لا تطلب منك سوى أن لا تترك دواوينها في الفندق حينما تغادر- كما يفعل الكثيرون-لأن ما في القصائد القصار صخب مرحلة وشواخص لا يمكن العبور عليها، ورؤيا مثيولوجية معاصرة. فليحة بديوانها الصغير الخجل، كأي طائر، تحلق بصوت عال لتتحدث عنا جميعا، نحن الذين تركنا أجسادنا في متحف الظل العراقي، هناك حيث رسومنا الظلال تقرأ ما نحن فيه، ثم أغلقنا الباب على أنفسنا دون أن نسّر أحدا بمكان مفاتيح الأبواب، تأتي فليحة فتجعل القصيدة مفتاحا لكل باب، لاأدري كيف قارنتها في لحظة وأنا أستمع إليها في أربيل، عندما حضرنا مهرجان المدى، بالشاعر المهم في الشعرية العراقية شيركو بيكس، فيلسوف الحجر والشجر والينابيع والجبل والأشياء والعطور الشاعر الصوفي الأممي الذي يحوّل تراب كردستان إلى ثراء شعري، فقد وجدتهما معاً بالرغم من فارق العمر والتجربة، يعتمدان مفردة لجدلية الموت والحياة،فهي الأكثر حكمة، فكلاهما ينأى بقصائده عن نثر المعاني، ويذهب إلى شعرية الصورة. ما يحسسك بهما أن فليحة شاعرة يومية مألوفة النغمات، عذبة كنسمة ترطب جو العيون، وتحيط نفسها بثوب الألفة العاشقة في قرابة الصور، بينما شيركو يحلق كطائر جبلي عنيف في أعالي الأحداث ليجمعها في بوتقة تاريخ ومناخ وأرض كردستان. فإذا كان ثمة حمزاتوف عراقي جديد، ذلك هو شيركو بيكس.وإذا كان ثمة مغنية صمت لشعرنا الحديث فتلك هي فليحة حسن.
كتابتي دعوة لقراءة فليحة حسن الشاعرة، وسماع صوتها الغنائي العذب الدفين وهي تنشد أحزان جيلها، شاعرة الأيام القادمة للقصيدة النسائية. أقولها وعمق دلالات ديوانها شواهد.
1
تفصح استهلال قصائدها التي توزعت بين الحروف والأسماء والأفعال بشكل متقارب، عن اعتباطية شعرية تحكمها صورة ذهنية مسبقة، واستهلالات من هذا النوع واخزة مشحونة باللحظة ولذا يكون ما يأتي بعدها قصيرا ومكثفا ولحظويا، ليس فيها ما يولد أو ينمو إلى أبعد من القصيدة نفسها، لذا تكون بحاجة إلى دربة أعمق للبدايات، تشعر وأنت تقرأ قصائدها أنها مقطوعة من سياق سابق، وكأنها نتوء يبرز في الطريق لا يمكن تجاوزه، القصيدة عندها تكملة لما سبقها، أو تواصلا لجريان لم ينقطع جاء لها في لحظة تحوله إلى صور بكلمات. بمثل هذا الاستهلال المكثف تعيد فليحة حسن إلينا أغنيات مفجعة سبق وأن عشناها سماعاً ولغة ومشاهدة وكأن القصيدة عندها محطات توقف في مسار طويل، لذا فجديدها هو صياغتها بحاسة المتحفية، حاسة العتق التاريخي للحال.
في دلالة العنوان ( زيارة لمتحف الظل ) تنقلنا فليحة من الجسد إلى الظل،من المرئي إلى اللامحسوس، من الولادة إلى الموت، ومن العلانية إلى الاختفاء، هذه الظلال التي تتشكل لغة مقروءة هي أعادة صياغة لتاريخ حالة ما، فالمتحف مختص بظلال الأحداث،وليس بالأحداث نفسها، لأن الأحداث لما تزال تترى وتعاش ولم تنته بعد في حين أن ظلالها هو ما يجب وضعه في تلك الأقبية الزمنية/ المكانية كي تُرى من قبل الأجيال.
(أيامنا مرهونة في قبضة التابوت
ها نحن نجلس خلف أكياس المخاوف
…………
والرب ينأى
بات أبعد من مدارات التكهن
بالوصول)
لا طلب نجاة من أحد حتى الله تخلى عن العراقيين
ولذا فكل الظلال تاريخية متحولة إلى أمكنة مادتها أننا نحيا في تراكم المحن. أما نحن، الزائرين لمتحف الظل، فسنجد هناك، قتلانا في الحروب وما فقدناه في الحياة، وما سوف نفقده أيضا.
2
الشعر العراقي مبادر إلى اكتشاف أمكنة وثيمات جديدة، مضمخة بالمثيولوجيا، وهذه طريقة بدأها السياب وتمعقت في الشعر وعدت جزءا من حركة الحداثة الأولى، لكن الأسطورة والمثيولوجيا التي قدمت لأول مرة نيئة في شعرهم كما هي ، في حين قدمت في الحركة الثانية للحداثة وهي تتداخل مع سياق المجتمع حياتيا وسياسياً أصبحت لغة وصورة متداولة ومألوفة ويومية، مثيولوجيتها معيشة ومؤولة ومعروفة وعن استعادة أجزاء من التاريخ كما في قصائد أدونيس وكريم كاصد وفاضل العزاوي. الشاعرة فليحة حسن تستعير المتحفية والظلال القديمة كأرضية تفرش عليها وسائدها لكنها تمزج بين أفلاطون في رؤياه المثالية والمثيولوجيا الإسلامية في رؤياها الدينية، وهذه نقلة جديدة في استثمار المثيولوجيا في الشعر،عندما لا تقدم الشاعرة المثيولوجيا كحدث مستقل- الحركة الأولى للحداثة-، وعندما لا تستثمرها كدالة على وضع- الحركة الثانية للحداثة- بل تجعل منها صورا جديدة، مستلة من أحداث واقعنا وما جرى لنا في الحروب. في هذا الديوان الصغير أشعر لأول مرة أنني أقرأ أحداثا مثيولوجية توضع في المتحف ونذهب لمشاهدتها ونعيش لحظاتها ثم نغادرها تاركين ظلالنا معها. فالشاعرة لا تستعيد مثيولوجيا، بل تولد مثيلوجيا عراقية جديدة.
(أيامنا مرهونة في قبضة التابوت
ها نحن نجلس خلف أكياس المخاوف
ساهمين
لنعد ما يبقى
من الأطراف في جسد الحياة
والأرض صارت تعلك الأجساد
تبصقها شحوبا للعناء
والرب ينأى
بات أبعد من مدارات التكهن
بالوصول).
هذه مثيولوجيا وليست قصيدة عن حال، إنها تجسيد لسلطة الفراغ بين أن نكون أو لا نكون، حتى أيماننا الذي يهيمن على مقدرات الدولة لا معنى له، هذه مثيولوجيا حديثة ليس فيها آلهة أو بطولات خارقة كل ما فيها أناس من زماننا هذا، ولدوا فوجدوا أنفسهم في حروب دائمة، مثيولوجيتهم أنهم يعيشون هذا الزمن.
3
في مفردات عنوانات قصائدها، تجد سعة الرؤية،فالأبواب المتعددة للدخول إلى مملكة الجسد،طرق مثيولوجية، حيث لا يوجد في المتحف غير الجسد، الجسد بمعناه المثيولوجي وليس بمعناه الكمي من أنه عدد من كيلوغرامات اللحم، هذا الجسد المثيولوجي الخفي الآتي من الحروب والسجون والاختفاء والقهر والتعذيب يمتلك مساحة من الرؤية هي القصائد، فالجسد كيان غائر وسري ودفين، أعد قراءة العنونات تجدها دعوة صريحة للدخول إليه.
الأبواب مداخل للجسد. الشاعرة تلغي الأزمنة، لا حدود وفواصل لرؤيتها لسنا إلا أناسا نتبادل الأقنعة عبر التاريخ، فما حدث في الأساطير يحدث في واقعنا اليوم، مثيولوجيا القدم تجد من يمدها بمثيولوجيا اليوم.فنحن نتبادل الأقنعة.
(الأساطير مرآتنا الكاذبة
ولي غاية في التفتت
كي يستعاد بناء الصروح
والسراب الذي قد تسمونه بالسراب
سيتعبه الركض في المستحيل
فيصبح نحن
أو
….. تتبادل الأقنعة).
4
تسعى الشاعرة الى تكوين بقعة خاصة بها في الشعرية العراقية هذه البقعة مؤلفة من ثلاثة مفردات هي:

الروح
الجسد
القارئ
هذه الثلاثية هي نواة حية للخلق وتجد في كل القصائد ما يدل على هذه الثلاثية!

Advertisements

– * فليحة حسن و إشتغالات الظاهرة الفراغية – جبار النجدي

فليحة حسن و إشتغالات الظاهرة الفراغية – جبار النجدي

د - فليحة حسن

د – فليحة حسن

جبار النجدي

جبار النجدي

إن أهم مشهد نتلقاه من الفضاء الشعري للشاعرة فليحة حسن هو محاولة تعويض الفقدان الذي لا يمكن استبداله بأي جهد، عبر استحضار صورة المرأة المشدودة الوثاق لأثر الرجل الغائب وبالتالي إعادة توجيه النظرة إلى ما يترتب عن تشغيل وظيفة الاستحضار للبنية المتنحية، فيتحول الشعر إلى تمثيل إنتاجي لشيء مستبعد، لاسيما وأن حضور الرجل يتخذ منزلة الحب الأسروي المفقود. إن ما تولده الحروب من توتر وتغير يتحول بالنتيجة إلى اغتراب وشعور بالوحدة، خاصة وأن الحروب هي بالدرجة الأساس عقاب جسدي جماعي تتسع مراميه لخلق ضروب من اضطرابات النفس واختلالات العقل، الأمر الذي يدعو المرأة الشاعرة لسد هذه المنزلة الفارغة بالشعر، ولعل هذا الأمر يمثل ميداناً حقيقياً لحلول الشعر بديلاً عن الجسد الغائب، فلا مناص للمرأة الشاعرة من الغوص في بواطن الشعر المنشغل بالجسد الغائب، طالما ظل الرجل من ممتلكات مشعلي الحروب، وهكذا تتشكل اشتغالات الشاعرة فليحة حسن من أحاسيس تهرع وأخرى تنتظر الكارثة، لتقف بمواجهة نسخ مكررة من أصل المأساة التي تفرض منطقاً غريباً وهو الإصرار على إدامة الحياة ببدن واحد، وتلك هي أهم مكونات الاغتراب في شعر فليحة حسن، فالرجل لا يمثل في شعرية الشاعرة سوى صورة الحياة القصيرة القاسية، وانطلاقاً من ذلك يتحتم على الشاعرة مواجهة التحديات ومن بينها مليء الفراغ بالجسد الشعري الأنثوي، وأمام حياة الرجل هذه والتي لا تكون إلاّ ذكرى وانعكاساً آفلاً، تتجه المرأة الشاعرة إلى إعادة اكتشاف الفضاءات الفارغة ونحت الأجساد الإنسانية فيها اعتماداً على شاعرية تعتمد البرهان المظلل لأثر الحضور، ومواصلة الاشتغال الشعري الذي من شأنه ان يحوّل الشعر إلى كثافة جسدية وإنتاج مكان إضافي للنمو الأنثوي في عالم فارغ من جسدية الرجل، لذا تكون صورة الغربة حاضرة بالضرورة في الاشتغالات الشعرية للشاعرة (فليحة) وهي تنتج هذا الضرب من الشعر الكامن وراء معنى الانتظار. إن الاشتغال الشعري يثير الانتباه إلى ما نستطيع تسميته بـ(الظاهرة الفراغية) في الشعر، وهي ظاهرة لها لسان شعري من نوع آخر، منشغل بمعالجة تبديد القوة الجسدية للرجل بأفعال تقترب من العبث واللعب مع الأقدار، وهو معطى شعري فارغ من أية حميمية، لكنه واقع في صورة الجسد الرجولي الذي تمزقه الحروب فلا تتلقى المرأة من شظاياه المتناثرة سوى الانطواء والعزلة بعد إمحاء موجوديته التي يتملكها سواه، حيث تبرز الهيئة الجسدية التي تنتج شبحاً حاملاً لسجل الأجيال الدامي ومرغماً المرأة على الترقب واجتذاب هواجس الفزع الموصولة بجذور التصورات الكارثية: تلك علامات صبح آفل
تقول التي
لم تزل للآن
تسوي غطاء السرير
وتحلم ان سيجيء
بواحدة من ليالي الحنين
تشعل عود ثقاب
تطفئه
تلك بقايا سنين ذوت
————-
————-
————-
تقول أخته: قبل حربين
كنت أوسد رأسي لصدر حنون
ما عدت أذكر
كيف وجدنا عظام القتيل
وكان أبي
يدافع عن بعض أرض سراب
ويسأل ظله،
لمن هي في الأصل؟
يلتقط الشعر صورة تخمينية للرجل الشبح في محاولة لترسيخ مناعة الأنثوي في الرجولي الذي يسمح للأنثى بإدارة ذات الذكر، هذا التعاقد الأنثوي الذكوري المنحوت في الفراغ هو سمة لشعرية المرأة التي استوفت شروط الشعرية بغياب الرجل وجسده بوصفه مشروع غياب تتبناه الحروب، ولكن تواري الجسد الذكوري يسمح بحلول الجسد الأنثوي الذي يعمل على إيقاظ الحواس الأنثوية بدلاً من إماتتها، لذا تصبح مسألة الإنصياع لمحنة الرجل بمثابة تحرر من تبعيته، لكنه التحرر الذي يسمح بالاتصال الجسدي مع الروح الهائمة، هذا الاستمرار الشعري الذي تحتمه العلاقة مع الغائب، وان كان غياباً، لكنه يشكل حصوراً لبنية الشعر، التي تستجيب لغياب الوظائف الجسدية، وتكوين الأواصر معها، حيث يتحقق المعنى في غير صورته المألوفة:
صار يشدّ عليّ غطاء الدفء
فأقرر:
سأعلن حربي
واليوم
أبصرت الطفل المهووس بقربي
يرفع عني غطائي
ينظر صوب الأشياء الناضجة
ويمد يداً نحو الرأس الأتعبه الركض
في دهليز الحرب
————-
————-
————-
مذ كان لي والد
قد بيع للثكنات …. السواتر
ومذ كنت أبالغ فيك
فأرسم كفاً أصافحها
رغم شدو السياط فوق جدراننا
————-
————-
أيه (محمد):
لو كانت الأرض مربعة
لاختبأنا بإحدى الزوايا
ولكنها مدورة
لذا يجب ان نواجه العالم
ولكن هل تفلح الأقدار في تصحيح أخطائها؟، وعلى الرغم من أن الأقدار لا يقوى على بطلانها أحد، غير أن الشاعرة عاجزة عن مقاومة رغبتها في الحلول ببقايا إنسان، لعل الدور الإيهامي الذي يمارسه الاشتغال الشعري هذا والذي ينشئه الغائب في الحاضر يتعلق بملكة الحلول التي تحتوي على متضمنات، من بينها تحويل الشعر إلى سلوك اتصالي، يقوم بدور المنشط للذاكرة، مستثيراً خبايا الغائب أو شكل نهايته وهو دور إحالي وليس دوراً ختامياً انه يشير إلى ما يتلوه ويستغرق في لذة إنجاب أثر لما هو غائب، أن الشيء الغائب يكون مستحيلاً، إنه قابل للمبادلة بغيره:
يا هذا المستوحش أبداً
في غابات تمطر تيهاً
لا تعبث بتراب الصورة
أو وهج حصاها
فاللوحة لغراب هائم
أكمل تأثيث منافيه
وعلى الرغم من ان الأنوثة الحزينة المنكسرة في قصائد المجموعة لا تحصل على اعتبار إلا إذا كان موصولاً بغياب الرجل مما يولد اغتراباً في مشاعرها ويزعزع قيمة وجودها وهو تصور يتأسس على مبدأ التفاعلات الجسدية الناقصة، التي توجب إطلاق سلسلة من الاستحالات ومن بينها إعادة إنشاء الجسد الشعري في الفراغ ومحاولة حذف الأخطاء عبر هاجس التصحيح، غير ان استحالات الشاعرة المتمثلة في استحضار الغائب ما هي إلا صور ترتدي أشكالاً للذكرى، وان هذا ليعني إذن بأنها تشتغل عكس منطقها على افتراض ان لكتابة إنتاج ليس مستقلاً عن الفرد، ولكن هذا التأسيس هو في حقيقة الأمر متأسس على مهارة تحويل الدلالي إلى طيفي وهو بالنتيجة نفي لموجودية الإنسان والاشتغال على جدلية (اختفاء الظهور) والتي لا تفترض أناساً لا يراهم الشعر إلا بجسد كامل، بمعنى ان ظهور بدائل للأجساد هو إخفاء لها، لكنه إخفاء مضاعف وتعويض من شأنه ان يولد أملاً:
لو كان القلب شمالاً لاستمتعتم ببرودته لكن جنوبيته تأبى
إلا ان تهديكم جمراً
اختراع نهراً وأصيد الظمأ
أن أغني لفرحة قاتلي
في حداد روحي أرتدي البياض
وبالمقابل فأن ثمة طرق أنثوية في التعبير الشعبي تشف حزنه وامتثالاً للذكرى ولوعة مشبوبة بالوفاء لمن غاب، لدرجة أن المرأة قد تعامل جسدها حزناً بمنطق ما يعامل به جسد الرجل في الحرب، بوصفها الأكثر إحساساً بأهمية الجسد، ولذلك فهي التي تعيد إنشائه بعوامل التخييل على صور شتى، وأني لاعتقد ان الشعر يماثل كل ما هو قادر على إعادة الإنشاء، اما الفارق المثير للاهتمام فهو إعادة الإنشاء غير المستقلة عن ذات الفرد الغائب والتي بوسع المرأة ومن خلالها ان تمتلك أسراراً شعرية:
بين الوجه وبين الناس
فيقذفني المنفى
للمنفى
والحرب الأولى
للأخرى
وأعود أيمم وجهي
شطر المرآة
مرآتي:
هل يوجد في هذي الأرض
أكثر حزناً مني؟
فتهز الرأس
لابد من ان ينتهي المطاف الشعري بإثارة مشاعر الغربة في نمط من التعبير الشعري المنشغل بالعودة إلى شيء ضائع لكنه يشغل مساحة الأنوثة الشعرية بآليات اشتغال تعتمد الخيالي لا الوهمي. أن اشتغالات الشاعرة فليحة حسن تكمن في توجيه سلوك الشعر من سلوك يبحث عن متلق لأمنيات يتمناها إلى اشتغال يبحث عن إشكالية صادمة لدى المتلقي وهو سلوك أي كائن ينتج معنى أو دلالة فلابد له من تفكيك المواثيق والثوابت بالمعنى الذي يرفض الاستقرار والوقوف على شيء بعينه.

– * الحلم الضائع فليحة حسن تلهم الاشياء – غالب حسن الشابندر

 الحلم الضائع فليحة حسن تلهم الاشياء         غالب حسن الشابندر

fa

غالب حسن الشابندر

 (حزينيا أو نقص في كريات الفرح) هي المجموعة القصصية الا ولى للشاعرة العراقية فليحة حسن، صدرت عن دار () وكان تصميم الغلاف من إبداع الفنانة العراقية (عفيفة لعيبي)، والسيدة فليحة حسن شاعرة عراقية نالت العديد من جوائز التقدير لنشاطها الشعري المتميز بالقوة والخصب والروح والتوتر، ولها إسهامات فنية بارزة في عالم الأدب، في النوادي والمحافل العراقية التي تشهد منذ سقوط الديكتاتورية فعاليات مستمرة تتسم بالقوة المشرقة والحضور الحي، الأمر الذي ينبيء عن مستقبل عراقي متألق على صعيد النشاط الثقافي والروحي والفكري.
تضم المجموعة أربعة عشرة قصة قصيرة (إغفاءة على هدب عينيها، حزينيا أو نقص في كريات الفرح، في إنتظارها أموت، سندرلا الرمل، إشارات، إمتدادات يوم معطوب، سر المرايا، طوق الحديد، إينانا ويستمر الاحتراق، الشاهدة وجه آخر للبرد).
تصر السيد فليحة حسن أن تنتمي إلى فن القصة بملكوتها الجديد، حيث تتحرر من عبودية الحبكة المكثفة على شكل حدث، لتحيلنا إلى حبكة الحدث المنتشر، أو حبكة الحدث الحاضرة على إ متداد السرد، وهي بذلك تجعلنا نعايش حدثا واحدا ولكنّه يتوزع بمهارة فنية شاعرية شفافة وحارقة على جسد السرد كله، فالحدث روح والسرد جسم، والروح تتنقل بحركة ساخنة على كل ذرات الجسم. فيما تشكل الفكرة بوصلة التواصل بين الحدث والسرد، أي بين الروح والجسم، وبهذه الطريقة الفنية الجميلة يتشكل هيكل الإنجاز، متميزا منفردا.
في (حزينيا أو نقص في كريات الفرح) يلتقطنا الحدث ليصهرنا في روحه المتوثبة حزنا، والسرد وإن كان يعبر عن (أنا) مكثفة ولكنه يتوزع بين هذه الأنا والآخر كقضية ملحة وساخنة، تستوجب من القاري والناقد على حد سواء أ ن يلاحق الحدث المتوزع بين الطرفين ليصل إلى نتيجة، ليس لأن الحدث بحد ذاته يشغل آخرين وليس فليحة حسن وحدها، بل لأن الحوار يشكل عمقا في الرؤى، وتصورات عميقة عن ا لمآساة، وكل من الطرفين يملك شخصيته وهويته الخاصة، مما يستدعي الصراع والتوتر الحادين. ولكنه في النتيجة بين طرفين، أحدهما يشعر بالضعف و الأخر بشعر بالقوة، والإحالة هي أكداس الماضي وا لموروث المترسخ في أ عماق اللاوعي الاجتماعي المذهل والقاهر.
هناك صراع بين قوة الكسل، وضعف الجدية، صراع بين أصالة المشاعر وقسوة العضلة، صراع بين الصبح البازغ والنهار الكسول، وكل ذلك هو صراع بين روح تغلبت على جسد، وجسد تغلب على روح، فما أ بعد ا لشقة بين الطرفين، وكيف لهما أن يشقا طريقهما في هذه الحياة؟
ــ العاشرة أعلنت عن نفسها وهو لما يزل نائما، منتشيا،ككل يوم بكسل إشتراه بعمري، وصار أن تبادلنا الادوار ـ قسرا ـ هو ينام إلى ما تيسر من الوقت وأنا اركض لاقمة ثوبي بفمي….
يلعب الرمز هنا دوره في سرد فليحة حسن، الرمز المادي الذي يخفي وراءه عالما كبيرا من المثال والخيال، فالزمن هو العاشرة صباحا، ولكنه هو العمر كله، بما ينطوي عليه من حقيقة روحية ساكنة خلف الجلد واللحم ولكنه متوهج بالمشكلة، ثائر على الزمن الممتد لهذا التوقيت المحلي البسيط.
ينحاز مصطلح الإنتصار إلى الوهم في (حزينيا) فيما ينحاز الإنتظار الى الحقيقة، لان لا شي في ضمير (السارد) سوى الانتظار، ولكنه على مضض، وعلى أمل أن يكون هناك حدث ما يغير المعادلة ويقلب الموازين، ولكن كما يبدو لا نتيجة.
حب تصنعه الضرورة لا يدوم (هل الحرب وحدها قادرة على لصق أذاننا بهمس العشاق، ودوي القنابل معا، فإذا رحلت سكن كل صوت)!
مثل هذا الحب يترجم كل الحياة المشتركة بـ (كفى) كمدخول كامل وحصري لأعمق علاقة تصنع الوجود.
ــ أعرف أنك زوجتي وكفى.
كان الرمز المادي حاضرا بقوة، ولكن يختزن بقوة أيضا الحقيقة المخفية، تراود نفسها من بين ثنايا الرمز لتعلن أنها هي الواقع، وإن (فليحة) تتكلم خائفة ليس من الوشاية، بل من الواقع ذاته.
ــ هو ينام الآن مستلقيا على جانبه فيحتلني،إيهٍ من هذه اللحظة، إذ لا درع يقنيني من سليل الذكريات.
إحتلال جسد لروح، وهيمنة ظل على شاخص، وتمادي وهم بتورية الحقيقة الساطعة، وهناك تضيع الحياة!
ــ ها قد أتعبه النوم على جهة واحدة، هو ينقلب ليواجهني بوجه لا أعرفه،فأصرخ في داخلي: من هذا؟
إنه هو، تعرفه جيداً، ولكنها تعرفه بإسمه لا بسماه، ضاع في داخلها، وضاعت في داخله، ليحتل الفراغ كل هذا الوجود.
في عملها (ليس من حقك أن أ تلاشى) نلتقي بتجربة أخرى، ولكنها تلتقي بكل بسابقتها من حيث الجوهر، هي قسوة الحياة عندما تفرض معادلاتها بغير إرادتنا، فمثل هذا القدر الجاسي يقود إلى (تشيء) الروح، وتحويلنا الى سلعة من دون أن نشعر في كثير من الاحيان بأننا تحولنا إلى سلع، وهي مآسآة أقل وجعا فيما لو علمنا ذلك ووعيناه، وفليحة كا نت تشعر بإن هناك ضغطا هائلا يحول دون ممارسة روحنا لحقها من الحب والحياة!
ــ وأطرق خجلا وأريد أن أخبره بأني لم أُصب يوما بالتبلد العاطفي غير أنهم يجعلوني أتجه صوبه وأنخرط به مرغمة.
تلك هي مآساة الكثير من البشر في عالمنا اليوم، وإذا كانت هي نتيجة غير منطقية لتيار الحياة كما أرادها الله، فإنها تأتي لأسباب كثيرة، يبدو إ ن السارد هنا التقط منها ما يتصل بنا نحن ابناء الشرق.
يرسم لنا السرد مأساة الحب مقابل لا شي، ولكن الطرف الآخر يستهين بمثل هذه المعادلة ويستغلها لأنه من الجنس القوي الذي حكم التاريخ صدفة وبسبب ظروف خارجة عن منطق الحياة.
ــ اصخب في ّ كل شي، أنا التي لم ارد منه شيئا ما.
ـ سأقول له.
ـ لماذا تتركني صاخبة بك وترحل.
تلك هي الخاتمة، في سياق سرد متوتر، متوزع، يتحكم به تيار اللاوعي، ليس على صعيد الصياغة الشعرية،بل حتى على صعيد الحدث، فكا نت الا حدات تجري رغما عن السرد.

– * التمرد على المقدس عند فليحة حسن – جمال المظفر

-4 –التمرد على المقدس عند فليحة حسن  – جمال المظفر

د - فليحة حسن

د – فليحة حسن

قراءة في مجموعة ( ولو بعد حين )

جمال المظفر


فليحة حسن شاعرة متمردة على المقدس الوضعي لاهثة حول ألق المفردت التي تفلت من بين سلطة الرقيب الذاتي وسلطة العرف الاجتماعي . فالمقدس لمدينة مثل النجف الاشرف يبتدئ بقداسة المكان وإنتهاءا بقدسية النص الشعري ( الوزن والقافية ) والمعنى المحافظ في داخل النص ، فمن يتعد حدود هذه المسميات يعد خارجا عن نطاق المقدس فليحة حسن تسير على خطى إبنة مدينتها نازك الملائكة التي ثارت على المقدس و لم تلتزم بقصيدة الوزن المقفى بل راحت تتمرد وتكشف عوالم أكثر حداثة من الشعر الكلاسيكي الذي بقي ضمن قالبه الذي يقتل الصورة الشعرية أمام الوزن ( المقدس ) ، فشنت الحملات حينها ضد الملائكة في بداية تجربتها في الشعر الحر واعتبرت قصائد خارجة عن الذائقة الأرثية ذات الوزن والقافية والرافضة للمقدس ( الوضعي ) .. رغم أن متطلبات الحياة العصرية من حداثات دفعتها الى ولوج شكلا آخر للشعر وليس رفضا لعروض الفراهيدي .. في مجموعتها الشعرية ( ولو بعد حين ) التي صدرت عن الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق تثبت فليحة حسن وجودها كشاعرة من طراز خاص ، لها بصمتها الخاصة وإسلوبها الحداثوي الذي يطوع المفردات ضمن خيال مفرط في الاستعارات اللفظية الدلالية واعتماد اللامباشرة في الخطاب الشعري :

وأقسم أيامي
نصف لبنات لم تعرف بعد العد على أصابعها
أو المشي حاسرة القلب
ونصف للرجل القابع فوق العمر ثقيلا كالحرب
أو كالكهف بلا شهقة عطر ….. / من قصيدة عمر
ورغم ان الشاعرة المتمردة على النظام الوضعي والرمز الديني والاسطوري الذي أسسه الانسان بهيئته الشكلانية تلك ، الاانها لم تنس أبدا أنها أنثى تكتب بذات الانثى التي تستلب القوانين الالهية والوضعية نصف هيبتها كأنثى وتنتقص من حقوقها الدنيوية ، انها تحول خطابها الرافض للواقع الديني الى المضمار الادبي – الشعري – :
هكذا
ومثل رجل أدمن خيباته
اعتلينا العربة
وحده الحوذي
صار يصغي لوقع خسارتنا …../ قصيدة العربة
قدرة الشاعرة على كتابة القصيدة النثرية ذات الوزن الموسيقي – الايقاعي واعتماد التقطيع الصوتي بحرفية عالية ، تقرب القارئ – المتلقي من القراءة البصرية التي يجهل الكثير من ناظمي قصيدة النثر طريقة التقطيع التي تشوه النص أحيانا رغم أن هناك مساحة من الابداع في كتابتها ، فالتقطيع الصوتي مهم جدا في قصيدة النثر ، اماكن الوقف والنزول والمساحات البيضاء والفوارز ، كل تلك النقاط مهمة في الصناعة الحرفية للنثر الجيد :
امام عيوننا
يشحذ المتسول خنجر أسئلة ابدية
حين نجوع
تتخذ الؤوس شكل علامات إستفهام
ونبتاع يانصيب الادعية
نتمسك طويلا بلحية الصبر
تعويذتنا الملائمة لكل الانواء
كلما التهب الموج
أشعلنا الصمت في غاباتنا …./ من قصيدة نوافذ أو نهارات

فليحة حسن تعيد ترتيب المفردات في السطر الوحد وتطوعها من أجل اكتشاف صور جديدة غير مطروقة ، وقد تعطيك نفس المفردة معان مختلفة في القصيدة الواحدة أو في القصائد الاخرى من خلال المرور عبر البوح الشعري المتقن في النص ، فاللغة والمفردات في يد العديد من الشعراء، والكثير منهم يكتبون الشعر ولكنهم لايحسنون صياغة المفردات صياغة محكمة أو إنتاج صور شعرية غير مطروقة أقرب ماتكون الى اللوحة الطبيعية أو السوريالية :
كان لقائي سريعا به
كما طلقة دفنتها الهراوة في ضلوع الجنود
كن لقائي بطيئا به
كدمعة أم
تعد المزادة
للذي انجبته الحدود……/ من قصيدة الشهيد الطفل
وفي مقطع آخر من القصيدة تحاول الشاعرة هندسة النص من خلال صورة شعرية درامية تحول القصيدة الى ميتا – خطاب شعري يتأمل نفسه قبل أن يؤسس لرؤية المحيط المادي أو الميثولوجي:
لكيما أقول
بأن تفاصيلنا واحدة
وثمة
مابيننا فارق
بسيط …. بسيط
هو الجرح ياصاحبي
غير اني صداه ….
للحرب لغة غير لغة الحب ، عندما يكون الوطن الملوث بالحروب ، تختزل الفحولة وتضمر ، تتخلى الانثى عن هيئتها ككائن يهوى الكلمات والمفردات المثيرة والتحايل على الشكل الاجتماعي والقالب المناطقي المحافظ الذي تقولبه ذاكرة وشكل المدينة ، تقول في قصيدة ( احبك والوطن ملوث بالحروب ) :
كل الدروب لبيت قلبك ناحلة
كل الشوارع اضرمت بالقحط
والخجل المزخرف بالرحيل
وأجوب فيك تحول الاحلام
نحو جارتها المقاصل
لاأنت تأخذ شكل نسياني
ولا ……
الهجر يفقأ عين الصبر
الشاعرة في قصائدها جميعا تدخل لغة الحرب كائنا إفتراضيا يغزو نظام القصيدة ، لاتخلو قصيدة من مفردة الحرب أو وقعها القصائد تعتمر خوذة الحرب ، أي أن الشاعرة وتواريخ قصائدها هي / عمر الحرب / الخسائر والنكسات / مكامن الخيبات / أرقام الشوارع بأرقام الشواخص والشهداء / كم يبلغ حجم الوطن عندما يصبح في فوهة مدفع / عندما تلبس القصيدة الخوذة ، ماذا يلبس النخل إذن ،:
لملمت مساماتي
وأتيت أعطرها بشذاك
لكني تفاجأت بأنك دفلى
…………
وأنا في ذاكرة الهم
أخط ملامح ليست تشبه إلا أنت …/ من قصيدة ( تعويذة )
فلسفة النص هواية الشاعرة ، نصوصها غير تقليدية ولغتها منتقاة من مجموعة مفردات أنيقة تفرضها داخل النص ، تصنع القصيدة بحرفية عالية ومهارة وذكاء مفرط يقربه من النص الملحمي ، الشاعرة تدس نفسها في داخل النص من خلال محاورة الذات :
*
قبل بسملة الحلم الأخضر….. تنساب الاضرحة
*
كان في هبة من شرر
حوقل أل غ ر ي ب
وانتهى في إنفراط الجموع
*
صانع البحار
الراكع وان كان أصما عن نداء الصلاة
ارتدى قبعة
بينما الآخرون منشغلون بتركيب رؤوسهم .
*
كان يسمح للاخرفي كل الاحيان أن ينخر أعوام تدحرجه
محتفظا بصورة كاملة للغراب
وهو يداعب قلب أبيه ( المفطور ) عليه
هو الماضي أبدا
بين الركوع وبين الركوع
ولي عليه شاهدان
السوط …. وأسلاك الرحيل
من يقرأ القصائد يشعر انها تخرج من فوهة وطن يعتمر خوذة العسكر ، أو من بين ذاكرة مقاتل علق ذكرياته فوق الجدران المثخنة بالخيبات والشظايا ، او على ضفتي نهر يمارس العشق الازلي رغم دوي الحروب المتتالية
تقول في قصيدة ( همسة ) :
رغم شدو السياط فوق جدراننا
كم مرة غششت المعلم وقلت ( أذاكر )
وكنت أعد قائمة بحروفك أهجيها الروح
إيه ( محمد ):
لو كانت الارض مربعة
لأختبانا بأحدى الزوايا
ولكنها مدورة
لذا يجب أن نواجه العالم
في قصائدها القصار القريبة من القصة القصيرة جدا ذات الطبيعة المكثفة أو مايسمى بقصيدة ( الومضة ) الشعرية الصادقة ، هناك إقتصاد في المعاني الدلالية بعيدا عن الاطالة وكثرة المفردات مع إختلاف في لغة السرد ، التقاطات اشارية واستعارات لفظية مختزلة تعطي للنص بعدا دراميا ومسحة جمالية أقرب الى اشارة مرور للمتلقي تختزل المسافة في تقاطعات مزدحمة بالمفردات المجازية :
*
ميسون حسن كمونة ، سهام حسن ، ع …….!!
الراحلون وأدري اين وجهتهم ………. لولا الزمان لكان القلب مأواهم
*
ياجرح الموجة / فراقك يتآمر ضد بقائي /
*
كيف امشي بجرح تفضحه الآه
*
سهام
ياجنوب الشجن
لو كان حلما نسيناه
ولكنه القدر المرتقب
في المجموعة تتوالى الحواريات / انا / أنت / هو / هي / قال / قلت / نحن / تقطيع المفردات / تشظي الحروف ، نوع من الشعر الذي يرقى الى الصناعة الميلودرامية المنتجة لمشاهد خاطفة يتبع آثارها المتلقي الفطن الذي يقتنص اللحظة – الومضة :
هي
قالت : أهديك ملك
آسف ماعندي قلاع للتدمير
هو:
كان سيغدو ملكا
لكن التيجان صغيرة
هامش ( مازال حوار الطلقات يناقش وجه نبوءته )
نحن:
ماأقسى اللهب الموبوء
هم :
يتشبهون بالمياه
فينجرفون الى المنحدر
في قصيدة تعريفات ، تفلسف الشاعرة المفردات وتحيلها الى دلالات منهجية – فقهية تعتمد الموروث الحكائي الشعبي في صياغة المعاني الدلالية للشكل العام للسطر الواحد ، لها قدرة إستكشافية للصور الشعرية الغير مشوشة المعالم ، تسهل على المتلقي فك مغاليق اللغة المتشابكة :
*
الفائز في مرثون الغربة …. حاز على ملجأ
أزمع أن يرجع للمضمار
طمعا في تكرار هداياه
*
أرمم داري ….. يسقط وجهي هرما
*
المحاربون القدامى ……. حولتهم المدافئ حطبا ونهايات حزينة
*
الرقاب التي صلبتها الريح …… تعيد بناءها الاسئلة
*
لكثرة ما أشير اليك
صرت كل جهاتي
*
وجهت وجهي للذي فطر السماء
فسال دم الجياع
وكان ياماكان
وتدخل الايحاءات الجنسية في متون النص بلغة حذرة ، منصهرة ، يكتشف تلك الخاصية من يعيد قراءة النص الواحد لاكثر من مرة ، هناك هذا الجاثم على شظايا الروح يعبث بخلايا الشاعرة ويحيلها الى كتلة من المشاعر والاحاسيس والحاجة الى افراغ شحنتها في الكتابة على ورقة تكون فيها مساحة الكتابة هي مساحة ترويضها :
ابصرت الطفل المهووس بقربي
يرفع عني غطائي
ينظر صوب الاشياء الناضجة
ويمد يدا نحو الرأس الاتعبه الركض
في دهليز الحرب
لغة مصاغة بحنكة وفطنة شاعرة تتقن استخدام اللامباشرة في الخطاب ، رافضة متحررة من شبح الميثولوجيا الساكنة التي تحيل الانسان الى دمية أو روبوت ميكانيكي يحرك وفق بديهيات الفتاوى وتصارع الافكار في منطقة المقدس اللا واعي :
لست في نقطة الاختيار
فأينما تبرك الناقة
ثمة منفاي……/ قصيدة اينانا والرماد

حواريات فليحة حسن هي محاكاة للذات ، اللاوعي مع الوعي ، الملتقط والباث ، الغواية والتطهر ، الخوف من الصارخ والمستصرخ به ، اللاشعور الدال مع الشعور الفطن :
سنفلسف الانواء

هذا للمكوث
وذلك القزحي مرآة الهطول
ونقول نقربها
ويمنعنا الدوار
حتى كانك لم تكوني مرة
حتى لكاني لم اكن يوما اناك
حسب اغتراب لهيبنا
يامن يشظينا الجنوب

وتظل تجمعنا الحقائب
…/
من قصيدة غربة البيوت
استدعاء الذات الى داخل النص وبلورتها بصورة ايحائية تشد القارئ المتذوق الذي يفك مغاليق النص وأسرار كينونته ولغته الخطابية ذات الدوال المشتركة والتي تختصر المسافة مابين ذات الشاعر والمتلقي ويوجد شريكا ثالثا يوحد القراءة النصية ويوضح المعاني الحقيقية لثيمة النص :
وأنا استدعيك ربيعا

ضد ذبولي
أنا الممحوة من كلمات النص
إذ
لابد لذاكرتي
من خنق مداها
أزيح عن كاهلك الصمت
واخيط جلابيب الشوق
البسها للقاك

وتراتيل لم تبق صالحة لسواك /
من قصيدة صهيل في القلب
التمني لغة تتعدى حدود المعقول ، تكون لغة الخطابة للشاعر الذي يفقد تسلق أناه الى الممكن والموجود / السر اللاهث في المخيلة ، ( لو ) هي لوعة الشاعرة وغربتها الروحية ، ثورتها على اشكاليات الثقافات المغلقة ، السباحة مابين مساحات المسموح والمقموع والمصرح به ، التمني آخر ورقة تلعب بها الشاعرة في مساحات النص :
لو كان بأمكاني

لسألت
أبراج الحظ
عن سر القداح المنسي على بابك
وسر تلفت هذا القلب
إذا ماقيل الآن يمر…..

كما ان ادوات الرفض للسلطة ( ايا كانت ) سلطة سياسية او دينية او رقابية اجتماعية تؤدي فعلها في التمرد على الاستغلال الفكري والميثولوجي للكائن المنصهر في تلك الايديولوجيات الممسرحة من أجل ابقاء هذا الكائن مستمعا لاقطا غير باث للافكار والفتاوى والفنطازيات ، إنها تسير بنصوصها ضد ماهو إرثي ، عالم يسير عكس التيار مع مراحل التطور / تطور ثقافي وعولمة وتكنولوجيا وعلوم وتقنيات :
يصدق بعض العرافين
فنخوض الحرب حفاة

أو من غير خوذ
يعز علينا أن تسقط
من رأس صواحبها
أو هالات
للنصر المزعوم
أو درب
للعودة
مفروش بعظام قد سبقتنا

أو وطن
يبكينا بحرارة
وقد
يرتعب الاصبع / حين يرى ان لافجوة للنيشان / يعلق فوق الصدر المنخور / فالحرب ثقوب / وقد يوجد في ( الانترنيت ) الحل / لمشكلة الفجوات / لكن / لاحل / لمن باعدته الغربة / بين ملامحه والمرآة …..
/
من قصيدة ( قصائد قصيرة )

تدوير النص وجعله نقطة تلاق مابين بدايته ونهايته سمة قصائد المجموعة ، فهي تحيك لغة متقنة تراوغ فيها لتغوي الناقد مبتعدة عن مشرطه الذي يشرح به النص ويعيد فك طلاسمه ،إ نها تحاول ن تجعل من نصوصها محطة إغواء للناقد والمتلقي :
وأنا أصعد
سلم داري
أسأله في كنه قراري
أكل هذا العلو

ويوجد من يدوس عليك …..
صراع الفكرة وصيرورتها تنبع من ملاذات الشاعرة ووجدانياتها وهذا الكبت الذي يمارس سلطة الرقيب والمانع للمتحرر والمنطلق من اللاشعور الى الشعور الواعي والاحساس بالمطلق …. صراع النفس مع نقيضها في داخل الجسد الواحد / الجسد المتشظي المتباعد مابين اللذة والعفة :
ولماذا لااكتب عني

وأنا
منذ وجودي محبوس في قمقم رأسي
أفكر
أن أصلح هذي الهوة
بين الوجه وبين الناس
فيقذفني المنفى للمنفى
/
من قصيدة ( تساؤل )
من خلال هذه السياحة في مجموعة الشاعرة فليحة حسن اكتشفت ان للشاعرة عالمها الخاص في كتابة القصيدة ولم تتاثر بتجارب الاخريات من الشاعرات ، لها بصمتها الخاصة ، تجيد التلاعب بالمفردات ، تتقن فن الاغواء ، رافضة للمقدس والوضعيات تثبت وجودها من خلال نصوصها ، واثقة من الخطوات التي تخطوها في مسيرة الشعر ، لها مساحة من التميز في الشعر ، لاعلى صعيد مايسميه البعض بالادب النسوي وانما على مساحة خارطة الشعر بعمومياته وصوره المتعددة ….

– * قصيدة (أنا لست مريم يا أبي!)..المقارَبة والاختلاف ! وديع العبيدي

 -5 – فليحة حسن.. وقصيدة (أنا لست مريم يا أبي!)..المقارَبة والاختلاف !   وديع العبيدي

Faleha_hassan

واقفات خُلِقنا والدّروبُ تمرّ بنا مسرِعة!..”

وديع العبيدي

وديع العبيدي

ثمة رعب مكتوم تختزنه عبارة (أنا لستُ مريم يا أبي!)، رعب يتجاوز الورقة والنص والجملة الشعرية إلى تلافيف واقع تاريخي مرتبك تصوغه الشائعة المغرضة ، وليس الحقيقة المخلصة. فإذ يتمثل التاريخ إطارا لحركة الصراع الداخلي بمستوياته الاقتصادية والاجتماعية العدّة، فأنه يفرز بطولات وفرائس. التاريخ هنا هو الشائعة (الشفاهية) تحديدا، والفريسة  هي الأنثى/ المرأة. حجم الرعب المخزون في العبارة يترجم حجم القسوة والوحشية المضادّة، يختلف عن خطاب (يا الله لا تمسك يدي المجروحة) لفرات اسبر بما يختزنه من شعور بألم دفين، غير منقطع الرجاء. جملة (أنا لست مريم يا أبي)، تختلف تماما عن جملة (أنا يوسف يا أبي)*، رغم ما يبدو بينهما من تقارب بنيوي أو انتماء لعائلة لغوية واحدة. قوة النفي الكامنة في فعل الماضي الناقص أقوى من قوة الإخبار والإثبات في جملة المبتدأ والخبر. ربما قال أحدهم (لست يوسف يا أبي) هل يتغير الأمر؟.. النفي هنا نفي قطعي خبري لا يتخلله رعب أو توجس، بينما توظيف مريم ينطوي على تحدي ومواجهة. ممن استخدموا الترميز الديني بكثافة.. إضافة لفليحة حسن ثمة مهجة قحف* في ديوانها المترجم إلى العربية (مبارَكة أنتِ بين النساء)*،

لو كنتُ أجد متسعاً في الأرض ليأسي
وأخبئُ نفسي كشيء منسي
في جذع شجججرة ميتة مزدرى مقلي
ولا أسمع أو يسمعني أحد – مبارَكة أنتِ.. ص19

..
مريم حاملُ وهي فتاة
وأهل المدينة حولها
يقولون عارٌ عليك
تريد أن تخبر…! هذا أيضا مما شاء الله
لكنكم لا تعرفون نهاية القصة.. – مبارَكة أنت.. ص23-
وللشاعرة بلقيس حميد حسن مجموعة شعرية تحمل عنوان (مخاض مريم) – كما أعتقد*- توظف هي الأخرى نفس القصة في حالة من استعارة تاريخية (تراثية) لا تكتفي بتفنيد موقف المجتمع وانما افحامه بصورة القداسة التي تؤطر النص. والرسالة المقصودة هي ابراز مدى الجرم المجتمعي ليس ضد (الانثى) فحسب، وانما ضدّ القداسة ذات الصفة الالهية. لقد عمدت بعض الثقافات القديمة إلى تضخيم مرموزية مريم ورفعها من الحالة الاجتماعية إلى القداسة واعتبرها البعض في مصاف الأنبياء، واختلطت صورتها مع صورة (مريم النبيّة) أخت كل من هارون وموسى أبناء عمرام، وقع مثل هذا الخلط في النص القرآني ومنه الى التراث العربي، ولمريم وجود وإشارات عند المندائية والزرادشتية والبوذية، يخرج عن إطار النص العبراني أما الشاعرة ورود الموسوي في مجموعتها البكر (وشم عقارب)* الحافلة برموز واستعارات دينية، فلا تتقيد بالنص ولا تتعكز على مرموز اللفظ وانما تسعى لنحت مريمها المستقاة من صورة ذاتها الكونية الايحاء..
أكون محض ليلٍ يتخايل في جسد
محض ليل يتماهى مع الظل
محض ليل مقنن في المعبد المتعري

في الكنيسة المستوية ريحاً
ها أنا أكسو العالم من دثاري
أنا الليل بانعتاق هلاميّة الجسد
ألامسُ أطراف السماء
أطعمها سوادا بزرقة
زرقة بحمرة
أجاذب أطراف الأرض
تسطع النجومُ فيّ

يندّ سهيل من تحتِ قلبي
نجمة نجمة فنجمة
أتحوّلُ سماء داكنة رمادية
نجومي تعلِن رقصة الليل معها
السماء أنا
النجوم أنا

الليل أنا
العالم يتوحّد فيّ.. أنا.. – وشم عقارب.. ص9-10 –
حيث تحاول كل منهن توظيف المرموز الديني مع الدالة الاجتماعية لتصوير انعكاسه على شخصية المرأة وواقعها الراهن. ويمثل هذا النوع من الخطاب جانبا من خطاب (نسوي) أشمل يتخذ من (خصوصية الأنثى) وغبنها الاجتماعي قضية ثقافية وأدبية كما لدى بلقيس حميد حسن.

مريم المسيحية..
النماذج (المريمية) السابقة تعود في الغالب لشاعرات من خارج الوسط (المسيحي أو العبري)، فجاءت نظرتها في إطار الموقف من الآخر (المختلف) مع شدّة حرص النص على تحقيق مقترَبات مع الواقع تجمع بين الطرفين، مع مؤاخذة عدم اهتمام الشاعرة للذهاب إلى الرمز في عقر داره، مكتفية برسم صورته من وراء الزجاج. والزجاج هنا يفتقد الشفافية والصفاء ولذا يلقي بخيوط وظلال على الصورة الحقيقية وينتج منها صورة تعويضية بديلة. الشاعرة مهجة قحف المقيمة منذ طفولتها في الولايات المتحدة ولا تكتب باللغة العربية تخلط بين صورة مريم وهاجر.. كما في قصيدة أرض مريم المفتوحة.. فالمعروف أن هاجر كانت في البرية المفتوحةحسب الرواية القرآنية، ولذلك تضفي عليها..
مريم، هل ستدفق الماء من الينبوع؟.. – أرض مريم.. ص19 –
مثلك يا مريم، حيث سعف النخيل تمتدّ.. – أرض مريم.. ص20 –
تنحني مريم على شجرة نحو الشرق
على الحافة بين الصحراء والمدينة
..
تدفع الجذع كقابلة تضغط البطن
تلد نفسها الجديدة
وتسّاقط عليها رطبا جنيّا ضفة الحبّ.. ص24

وقد وضعت النصوص القرآنية المقاربة في مستهل القصائد، دون مراعاة لقدر الخلاف والتناقض، ليس بين مريم وهاجر، وانما بين الرواية العبرانية والرواية القرآنية، أو تلتفت لقدمية النص. وفي حالة استعارة تراثية مثل هذه لا بدّ من الاعتبار بالمصدر الأصلي، حفاظا على السياق التاريخي للرمز. فالشاعرة – بحسب الحالة هذهإذ تتوق نحو الآخر وتحلم باستشرافه، لا تريد مغادرة مكانها أو خانتها التراثية، مما يعكس حالة من الانتقائية والانغلاق، رغم أن مثل هذا قد يرتبط باللا وعي والثقافة الشفاهية أكثر منه شيء آخر

ما أودّ الاشارة إليه بالمناسبة، أو المقارنة، هو موقف الشاعرة المسيحية من التعامل بالرمز الديني، ومرموزية (مريم) تحديدا. حيث تندر الاشارة لذلك عموما، ولا يتخذ الترميز التراثي أو الاسطوري حيزا في شعرها، ويتجه خطاب النص مباشرة للواقع الراهن، ويتخذ مسميات الراهن كما هي دون تزويق أو تأطير من خارج النص، ويمكن ايراد أمثلة من دنيا ميخائيل في مجموعتها (الحرب تعمل بجدّ) ولا سيما قصيدتها (أمريكا..)، والشاعرة جاكلين سلام في كندا والشاعرة فرات اسبر المقيمة في نيوزيلنده.. هل تقف الشاعرة المسيحية خارج حلبة الصراع أو خط المواجهة مع الواقع، أم أن محيطها الاجتماعي يختلف في مقوماته وشروطه عن المحيط الاجتماعي العربي الملتبس بالثقافة الاسلامية.. وبالتالي ان ما تطمح الشاعرة أو الشاعر غير المسيحي الذهاب إليه، تعيشه الشاعرة/ الشاعر المسيحي أو الغربي عادة فتختلف لغته وأدوات خطابه وأنماط تفكيره..
هناك يا بيتنا على شطّ بحر بعيد/ تركت قلبي/ وغادر الجسد/ في كل زاوية نبض قلب/ لمسة حنان/ وأم تعدّ العشاء/ تعلم أن الأحبة قادمون/ من الشرفة تارة ترنو/ وقلبها على الباب ينتظر. يا بيتنا هناك على شط بحر بعيد/ أب على الشرفة جالس/ يرتشف قهوة الصباح/ يقول: تأخر المطر والأحبّة ما عادوا/ طويلا كان السفر/ سنين انتظار وشوق لا يُمَلّ/ وقهوة في انتظار.. ما زالت ساخنة. – مج مثل الماء لا يمكن كسرها.. ص47 –
تنسجم بساطة الجملة مع شفافية اللقطة الراهنية لأسرة تنتظر أبناءها البعيدين، ورباط من حب وشوق يجمع العائلة.. بهذه البساطة نفسها تناولت دنيا ميخائيل مشاعر وظروف عائلة تنتظر الهجرة إلى أمريكا.. وعندما تتحقق الهجرة بعد انتظار طويل وقاسي لا يكون الأمر خاليا من الفجيعة. اللغة هنا أقرب إلى النثرية من جعجعة الموسيقى أو الايقاع التي تستلب حرية الشاعر وتتركه يجري وراءها لرسم صور تفرزها جاهزية اللغة قبل رؤية العقل.
*
تمرين في القراءة.. قصيدة – أنا لست مريم يا أبيلفليحة حسن..
*
أنا لست مريم
مع ذلك
هذا الذي سترونه
يلهج بينكم ولست والدته
ولن يولد مني
وما ُيدعى يسوع يعود لي ؛

القصيدة تبدأ بالنفي (لستُليس: فعل ماضٍ ناقص يفيد نفي ما بعده – جملة مبتدأ وخبر-). ولما كان النفي يتضمن إحالة على الماضي، فأن واقع النفي يتحوّل إلى إنكار (واقعة). ان قيمة الانكار تتركز في بعد اجتماعي اجرائي غير منقطع عن الامتداد، وبالتالي، فأن الرغبة في الخلاص أو تقرير البراءة تبقى شاخصة ومبرّرة، وهي ما تمنح (النص) – بالنتيجةمبرره أو مغزاه. النفي أو الانكار بحدّ ذاته يشكل علامة طيبة لكشف حالة تقاطع مع واقع ما أو منظومة ما. ولما كانت بنية الخطاب الحواريّةقائمة بين جيلين متعاقبين في دائرة ثقافة –أبوية/ بترياركية – فالاحتمال الأكبر أن يشكل الصراع بين المحافظة والحداثة ثيمة رئيسة لذلك. بعبارة أخرى، أن الاطار العام، أو بنية الاستهلال تحمل نزوعا للانطلاق إلى أمام والتحرر من ربقة أحمال/ أعباء ماضوية ثقيلة أو غير مبررة.
*
لماذا مريم..
هذا سؤال كبير، لا تتحقق إجابته داخل النص. فمحدودية مرجعية الخطاب لا تترك مجالا كافيا للتأويل، أو استشراف المعاني الحقيقية لدلالات الرمز. (مريم) ليست رمزا محليا في الإحالة على بيئة الشاعرة فليحة حسن النجفية الأصول، لا جغرافيا ولا ثقافيا/ دينيا. على صعيد آخر، تخدم (مريم) عدة وظائف جانبية:
عالمية الرمزوامتداداته التاريخية والثقافية الموغلة في التاريخ والجغرافيا والثقافة العصرية والمقبلة.
شمولية النص – في ضوء علاقة (مريم) بلاهوت يسوع المسيح، وما يشكله من إحالة جندرية مال إلى ترسيخ مبدأ (ألوهة مريم) الممثلة في العقيدة الارثوذكسية (مريم والدة الأله) والمحيلة بدورها على الميثولوجيا القديمة لفكرة (الألهة الأم)، التي وجدت لها تخريجات متنوعة في العقائد المختلفة. وتشكل ظاهرة (الجندرية) أو (Feminism) واحدة من ملامح ثقافة الألفية التي بقيت مختزلة أو دون القشرة الخارجية في أدب الرواد.

والقول بوجود مهاميزها في ثقافة نازك الملائكة أو شخصيتها كان أكبر من تصوره في شعرها الذي بدأ في جوقة الخطاب القومي لمرحلة الخمسينات، متحولة منها إلى خطاب سياسي مضبّب حول المرأة والتقدم، ثم انكفأت في ظلّ معاناة عقدة مرضية نفسية فشلت في تطويرها أو تطويعها شعريا أو فلسفيا. ويبدو ان الملائكة استغرقت نصف قرن في محاولة اكتشاف ذاتها (الجندرية) شعرياً، دون توفيق، وقد تجلت خيبتها تلك في خطابها السياسي النثري في مجلة الاداب في وقت كانت خبت شعريتها تماما، الأمر الذي لو اتيح لها التملص من قشرة الخجل الشرقي الخمسينية، لبوّأها مكانة لائقة في وقت مبكر من النسوية الثقافية. يستثنى من ذلك الشاعرة (لميعة عباس عمارة) صاحبة القصيدة النسوية أو الانثوية الخالصة بعيدا عن جعجعات الخطاب السياسي أو متاهات الحداثة، وفي وقت مبكر. غير أنها بقيت خارج المؤسسة الاعلامية والدعائية حتى مغادرتها العراق الى باريس ثم الولايات المتحدة الأمريكية. اختلفت الصورة في الأجيال اللاحقة، ويبدو أن حجم المشاركة النسوية في أدب ما بعد الثمانينيات، كان دافعا جيدا للمنافسة الأدبية والبحث عن التمايز وتحديد الخصوصيات الجيلية او الفكرية، ولم يعد ثمة ما يبرر استمرار السلطة الذكورية على النشاط الثقافي والفكري للمرأة المنافسة له، والمحرومة من أية مراكز قيادية في المؤسسة الثقافية أو التقييم الشعري لقد انصرم الجيل السبعيني دون تميز أصوات شعرية نسوية، رغم حضورها غير الشعري أمثال ساجدة الموسوي ونهال العبيدي. أما جيل فليحة حسن فيضمّ عديد الأسماء الشعرية الجديرة والمؤثرة، والتي استمرت في تحقيق تقدم ملموس منذ ظهورها الأول في الثمانينيات أو أواخر السبعينيات، على صفحات الملحق الثقافي لجريدة الراصد*، الذي كان يديره الناقد العصامي عبد الجبار عباس. ومن تلك الأسماء.. دنيا ميخائيل ، لهيب عبد الخالق، ريم قيس كبه، بلقيس حميد حسن، كولاله نوري، داليا رياض، أمل الجبوري، فاتن نور، ورود الموسوي، وفاء عبد الرزاق، أفراح الكبيسي وغيرهن الكثير، ممن لا يمكن اغفال ظاهرة النسوية في أدبهن، في شقيه النسوية الحركية مثل بلقيس حميد أو النسوية الخالصة عند أمل الجبوري وفاتن نور، أو تأرجح البعض بين الجانبين.
تحقيق الانفصال عن تبعات المكان أو البيئة التقليدية عبر المخيال الأدبي واستشراف ضفاف ثقافية منفتحة تحقق التقارب مع الأدب الانساني رغم أنف الجغرافيا والحدود.
*
نكهة المختلف والعالمي.. ويمكن الإضافة إلى ذلك أن الرمز (مريم) يعكس رغبة التعرف على الآخر أو الخرج من إطار المحلي، كما يلحظ ذلك في لائحة الأدب العربي في تعامله مع (الآخر) غير العربي أو غير المسلم، إذ تشيع تسمية مريم محققة طفرة خارج الدائرة الضيقة، رغم سوء الفهم الملحق بها روائيا وسرديا. وعلى صعيد الشعر يمكن الاشارة إلى مجموعة شعرية بعنوان (مبارَكة أنت بين النساء) للشاعرة مهجة قحف الأمريكية من أصل سوري ان مراجعة استخدام (مريم) في المدونة السردية والروائية العربية اكثر انسياقا مع نهج الواقع السائد على خلاف مريم الشعرية التي تسعى لتحقيق القطيعة مع الواقع التقليدي والتقدم للامام. أذكر هنا على سبيل المثال رواية لكاتب (بطل) سعودي يطلق زوجته ويقضي فتة نقاهة لتجاوز تبعات فشل زواجه، فيقرر السفر الى بيروت (!!) لتحقيق النسيان. هنا يستذكر صديقة قديمة (!!) هناك فيتصل بها يخبرها برغبته في قضاء مدة هناك، فتهلل لقدومه. هذه اللبنانية (الصديقة) اسمها مريم، تعاني من مرض (غامض) تركها الجميع وتقيم لوحدها، وقد وجد البطل (السعودي) نفسه ملزما برعايتها وتحطيم وحدتها ومنحها البهجة وابعاد شبح الموت المرفرف في منزلها. لكن الرعاية والحنان النابعة من روح النخوة والشهامة لا تستثني خدمة الغرائز الجنسية بين امرأة ورجل في مكان مغلق (من غير محرم) ويجري مناقشة موضوع تحليل أو تحريم علاقة من هذا النوع مع شخص مشرف على الموت، ولا يترتب عليها انجاب، فالتبرير هنا يركز على الجانب الانساني وخدمة رغبة ميت قبل الموت. ولا يخلو جو الرواية من استعراض أفكار دينية / اسلامية ومسيحية. وفي نهاية الرواية يتحقق موت مريم ويعود البطل الذي كلفته عناية إلهية لخدمة رغبات ميتة من (أهل الذمة) هذه الرواية الجارية على نسق كثيرات غيرها، ليست الأولى في استخدام تسمية (مريم) للطرف الآخر في العلاقة غير المشروعة مع رجل (مسلم) مما يدخل في باب الخطاب العنصري الاستعلائي. فمعظم النماذج المعروفة تجعل من المسلم (رجل) ومن الأخر (المسيحي) (امرأة)، وفيما يتم اختيار أسماء مقصودة مثل (كامل/ خليل/ مصطفى) يشكل أسم (مريم) القاسم المشترك بين النساء، ناهيك عن خصائص العلاقة وأجوائها التي تجعل من الرجل الشرقي حمالة قيم رجولة وشهامة وفحولة وعشق بحيث يكون مقصود المرأة التي تلاحقه وليس العكس. ان كلا من بطلي (الهجرة نحو الشمال) و(الثلاثية الروائية ) لاحمد الفقيه يكونان ضحايا ملاحقات نسائية وأبطال جنسيين يدفعان النساء لهجرة أزواجهن وقبول علاقة غير مشرعة مع (غريب). فمثل هذه القص/ الفكر الذي يعاني من تبعية هزيمة حضارية وسياسية أمام الغرب، يحوّل الهزيمة إلى إنتصار جنسي في حجرات النوم الغربية. وذلك في سلوك باطني أو واعي متوارث جعل من انتهاك الجسد الأنثوي وسيلة لامتهان الآخر، وظاهرة السبايا وإماء الحروب أمثلة نقية لتمثيل جذور العدائية البدائية وطبيعة النظرة إلى الآخر.
ومن هذه النقطة الخلافية الحضارية تنطلق قصيدة الشاعرة مستنكرة ما يقال..
لكن هذا الاستنكار المختلط بالاحتجاج والتحدي لا يقف عند حدود الشائعة، ليس تأكيدها ونفيها فحسب،

وانما تحدي (المجتمع)..
هذا الذي سترونه
يلهج بينكم ولست والدته
ولن يولد مني
وما ُيدعى يسوع
يعود لي

فهي إذ تنكر أن تكون أمّ (الطفل)، وعدم ولادته منها أو ولادتها له، تقرّ انه يعود لها، أو تعود له. وموضوع عودة أحدهما للآخرالمختلف عن العلاقة البيولوجية أو الجسدية، ينقل الخطاب إلى مستوى آخر، هو مستوى التحدي.

من هي مريم..
المصدر الأكثر شيوعا هو المتعلق بكون مريم والدة المسيح يسوع الناصري، وقد وردت قصتها على تفاوت لدى الديانات السامية كما لدى ديانات أخرى، كالبوذية والمندائية. ومتابعة صورة (مريم) لديها جميعا ضرورة للاحاطة بخلفيات النص وخلافه الجدلي، الذي شاء الاسلام من خلال تقديمه لها فرض قطيعة بينه وبين أصوله المتفاوتة.

بدأت ملامح صورة مريم أول ظهور لها في كتب العبرانيين، وسيما المزامير وكتب أشعياء وأرميا. وأقدم إشارة جاءت في نبوءة أشعيا من القرن السابع قبل الميلاد..
(
فقال اسمعوا يا بيت داود. هل هو قليل عليكم أن تُضجِروا الناس حتى تُضجِروا إلهي أيضا. ولكن يعطيكم السيد نفسه آية. ها العذراء تحبل وتلد إبنا وتدعو اسمه عمانوئيل. زبدا وعسلا يأكل متى عرف أن يرفض الشرّ ويختار الخير) – سفر أشعياء (7: 13- 15).
وترد نفس القصة في الانجيل بحسب لوقا كالتالي:
(
وفي الشهر السادس أرسل جبرائيل الملاك من الربّ إلى مدينة من الجليل اسمها ناصرة، إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف. واسم العذراء مريم. فدخل إليها الملاك وقال سلام لك أيتها المُنعَم عليها. الربّ معك. مبارَكة أنتِ في النساء. فلما رأته اضطربت من كلامه وفكّرت عما عسى أن تكون هذه التحيَّة. فقال لها الملاك لا تخافي يا مريم لأنك قد وجدتِ نعمة عند الله. وها أنتِ ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع. هذا يكون عظيما وابن العليّ يُدعى ويعطيه الرب الاله كرسيّ داود أبيه. ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية. فقال مريم للملاك كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلا. فأجاب الملاك وقال لها. الروحُ القدسُ يحلُّ عليك وقوّة العلي تظللك فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله.) – لوقا (1: 26: 35).
كما ترد نفس القصة بدون خلاف مع شيء من ايجاز في الانجيل بحسب متى كالتالي:
(
أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا. لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا، وجدت حبلى من الروح القدس. فيوسف رجلها إذ كان بارا ولم يشأ أن يشهرها أراد تخليتها سرّا. ولكن فيما هو متفكر في هذه الأمور إذا ملاك الربّ قد ظهر له في حلم قائلا يا يوسف ابن داود لا تخفْ أن تأخذ مريم امرأتك. لأنّ الذي حُبِلَ به فيها هو من الروح القدس. فستلد ابنا وتدعو اسمه يسوع. لأنه يخلّص شعبه من خطاياهم. وهذا كلّه لكي يتمّ ما قيل من الربّ بالنبي القائل. هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا. فلما استيقظ يوسف من النوم فعل كما أمره ملاك الربّ وأخذ امرأته. ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر. ودعا اسمه يسوع.)- متى (1: 18- 25).

اشتري خبزي بدمعي

كلّ حين
ما أطعمتني
سماؤكم عنباً وليس لي خال نبي بل حتى أمي
لم تبعني
قبلة لصلاتها
مالي أرى الأكمه
والأعمى
يزاحمني
على دكة بابي ؟؛

ثمة رعب مكتوم تختزنه عبارة (أنا لست مريم يا أبي!)، وهي ليست المرة الأولى التي تجاهر عناوين نصوص نسوية بصراخ مكتوم أو احتجاج، أذكر منها عنوان قصيدة الشاعرة فرات اسبر (يا الله لا تمسك يدي المجروحة)، وكما هو الحال يتداخل المرموز الديني مع الدالة الاجتماعية في انعكاسها على شخصية المرأة. العناوين الصارخة أو المتورمة أو المكبوتة، في نصوص المرأة هي افرازات مباشرة وغير مباشرة، بطيئة أو سريعة التفاعل لواقع معاناة الأنثى في ظل انعدام قواعد الحياة الطبيعة السليمة. تداخل الديني والاجتماعي يعكس كذلك مثنوية سلطة اضطهاد النوع الانساني. أحدهما بالغاء العقل والثاني برفض حركة التطور والتغيير، مما يبقي على المرء أسير التخلف والانغلاق

فليحة حسن من طليعة الأصوات النسوية للجيل الثمانيني إلى جانب ريم قيس كبة ودنيا ميخائيل ولهيب عبد الخالق و..
تتميز فليحة بما تميز به نفر من جيلها والأديال اللاحقة الممثل بقوة عناصر البيئة المحلية في نصوصهم، سيما ذلك الجزء الموسوم بالرموز الدينية الشيعية، وهي ظاهرة تقتضي مزيد من الدراسة والعمق. ومن الأصوات التي ركزت على

(الحسّ) الشيعي باسم فرات (كربلاء) في استثماره مسرح الطفّ ورموزه على الصعيد الشعري والاجتماعي، بينما نخذ آخرون الرموز القديمة من سومر وبابل وأكد أدوات حكائية أو للمحاكاة، ما يمثل بشكل أو آخر، درجة من التركيز على الجنوب العراقي مقابل تجاهل النصف الثاني أو حصره في زاوية محددة.
أمران هنا تجدر الاشارة اليهما..
– مرموزية مريم
– سطوة النص الديني.
*
– مريم..
شاع ذكر مريم بكثافة في أدب المرأة، وبشكل يضاهي مرموزية (يوسف) في أدب الرجل. وذلك في خضم سنوات التسعينيات الموافق لتراجع تيار العلمانية عند العرب. وإذا كانت العلمانية تحيل على الانفتاح والعقلانية والتحرر، فعلى نقيضها جاءت الأولية دالة على الانغلاق والجمود والعبودية لماضي مقدس.
قد يطرأ للبعض رأي مغاير ، ينكر التخريج الأيديولوجي للمرحلة، زاعما تمثل منظومة ابستمولوجية أكثر التصاقا بمدارس الكتابة الحداثية ومنها علاقة الشعر الحديث (الحرّ) بالاسطورة والرمز. وبالتالي فأن ما حصل هنا هو الانتقال بالرمز من موروثه العالمي المفتوح إلى مجال الخصوصية المحلية وفي أضيق حلقاتها أحيانا. مثل هذا الرأي، مهما كان، يتغافل عن سلطة الرمز وتعالقاته الدلالية والإحالية التي تتحكم في قيادة المعنى خارج إرادة الشاعر غالباً، ناهيك عن طبيعة الصلة بالواقع الموضوعي. وبالنتيجة فان مركز الثقل الذي يعني القارئ هو ثقافة النص وفحوى خطابه، وليس أية زخارف أو تقنيات يجري فبركتها تحت دعاوى تخص جانب الارتباك الفني الذي يعاني منه البعض في فهم مفاهيم الكتابة والحداثة والاتصال.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش..
• فليحة حسن مواليد مدينة النجف، ماجستير لغة وأدب عربي، تعمل مدرسة في المدارس الثانوية في النجف. رافق ظهورها الجيل التسعيني في العراق ولها عدة مجاميع شعرية منها : لأنني فتاة، زيارة لمتحف الظل، خمسة عناوين لصديقي البحر، ولو من بعيد. منذ زمن وهي تحاول تحقيق حالة مواءمة بين النص والحياة، أو تقديم قراءة أدبية لمواقف الحياة اليومية عبر منظور ديني ينقلب على نفسه في نقطة الصدام بين النص والواقع، ففي حين يعتمد الواقع تزوير النص الديني توظف الشاعر النص والمرموز الديني لصالح ما يمكن وصفه بالواقعية النقدية من خلال الشعر والنص المقروء أعلاه نموذج منها.
• فرات اسبر – يالله لا تمسك يدي المجروحة – دراسة منشورة للكاتب (شبكة النت).
• محمود درويش – أنا يوسف يا أبي.
• مهجة قحف- مبارَكة أنتِ بين النساء- شعر- ترجمة وتقديم لطفي حداد- منشورات مؤسسة صدى المهجر الثقافية- 2007- بيروت.
• مهجة قحف – شاعرة أمريكية من أصل سوري.
• ورود الموسوي- وشمُ عقارب- شعر- دار الفارابي- 2007- بيروت.
• بلقيس حميد حسن- مخاض مريم- مجموعة شعرية- (لم تكن في متناول يدي عند كتابة الموضوع).
• جريدة الراصد.. اسبوعية سياسية صدرت أواسط السبعينات، صاحب امتيازها عبداللطيف الفكيكي، ورئيسة تحريرها الروائية عالية ممدوح، وكان للجريدة ملحق أدبي اشبوعي يعنى بأدب الشباب يشرف عليه الناقد عبد الجباس عباس، وقد برز منه عدد كبير من وجوه أدب الثمانينيات والتسعينيات لاحقا.
فليحة حسن
أنا لست مريم يا أبي
أنا لست مريم
مع ذلك
هذا الذي سترونه
يلهج بينكم ولست والدته
ولن يولد مني
وما ُيدعى يسوع يعود لي ؛
…….
أنا لست مريم يا أبي
أنا لست مريم
أنا اشتري خبزي بدمعي
كلّ حين
ما أطعمتني
سماؤكم عنباً وليس لي خال نبي بل حتى أمي
لم تبعني
قبلة لصلاتها
مالي أرى الأكمه
والأعمى
يزاحمني
على دكة بابي ؟؛
………
أنا لست مريم يا أبي
أنا لست مريم
أنا لم أكن أختاً لهارون
وهذي آيتي
تعبت يديّ
من هزّ جذع نخيلكم
وما حلمتُ
أن قمحاً قد تساقط في يدي
ما كان طعماً
سائغاً للشرب
ما جئتُ به
ما بال هذي الخيل
تنزف صاهلة
اذما رأتني ؟؛
……….
أنا لست مريم يا أبي
أنا لست مريم
حتى نساؤكُمُ
يفاجئها المخاض
إليَّ
وهذا الوجه
قد صاغتْ ملامحه
اكف الريح….
خربه الهجير ؛
لأول مرة في الفجر
لم أصحُ على غدر
ولم أُشنقْ
……. وما خفتُ …….
أنا لست مريم يا أبي
أنا لست مريم
غير إني صيرت نفسي
)معبداً( لا أن تقولوا
-)أنتِ مريم)-؛ 

Post Navigation