موقع الأديبة د.فليحة حسن

الموقع الرسمي

– * التمرد على المقدس عند فليحة حسن – جمال المظفر

-4 –التمرد على المقدس عند فليحة حسن  – جمال المظفر

د - فليحة حسن

د – فليحة حسن

قراءة في مجموعة ( ولو بعد حين )

جمال المظفر


فليحة حسن شاعرة متمردة على المقدس الوضعي لاهثة حول ألق المفردت التي تفلت من بين سلطة الرقيب الذاتي وسلطة العرف الاجتماعي . فالمقدس لمدينة مثل النجف الاشرف يبتدئ بقداسة المكان وإنتهاءا بقدسية النص الشعري ( الوزن والقافية ) والمعنى المحافظ في داخل النص ، فمن يتعد حدود هذه المسميات يعد خارجا عن نطاق المقدس فليحة حسن تسير على خطى إبنة مدينتها نازك الملائكة التي ثارت على المقدس و لم تلتزم بقصيدة الوزن المقفى بل راحت تتمرد وتكشف عوالم أكثر حداثة من الشعر الكلاسيكي الذي بقي ضمن قالبه الذي يقتل الصورة الشعرية أمام الوزن ( المقدس ) ، فشنت الحملات حينها ضد الملائكة في بداية تجربتها في الشعر الحر واعتبرت قصائد خارجة عن الذائقة الأرثية ذات الوزن والقافية والرافضة للمقدس ( الوضعي ) .. رغم أن متطلبات الحياة العصرية من حداثات دفعتها الى ولوج شكلا آخر للشعر وليس رفضا لعروض الفراهيدي .. في مجموعتها الشعرية ( ولو بعد حين ) التي صدرت عن الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق تثبت فليحة حسن وجودها كشاعرة من طراز خاص ، لها بصمتها الخاصة وإسلوبها الحداثوي الذي يطوع المفردات ضمن خيال مفرط في الاستعارات اللفظية الدلالية واعتماد اللامباشرة في الخطاب الشعري :

وأقسم أيامي
نصف لبنات لم تعرف بعد العد على أصابعها
أو المشي حاسرة القلب
ونصف للرجل القابع فوق العمر ثقيلا كالحرب
أو كالكهف بلا شهقة عطر ….. / من قصيدة عمر
ورغم ان الشاعرة المتمردة على النظام الوضعي والرمز الديني والاسطوري الذي أسسه الانسان بهيئته الشكلانية تلك ، الاانها لم تنس أبدا أنها أنثى تكتب بذات الانثى التي تستلب القوانين الالهية والوضعية نصف هيبتها كأنثى وتنتقص من حقوقها الدنيوية ، انها تحول خطابها الرافض للواقع الديني الى المضمار الادبي – الشعري – :
هكذا
ومثل رجل أدمن خيباته
اعتلينا العربة
وحده الحوذي
صار يصغي لوقع خسارتنا …../ قصيدة العربة
قدرة الشاعرة على كتابة القصيدة النثرية ذات الوزن الموسيقي – الايقاعي واعتماد التقطيع الصوتي بحرفية عالية ، تقرب القارئ – المتلقي من القراءة البصرية التي يجهل الكثير من ناظمي قصيدة النثر طريقة التقطيع التي تشوه النص أحيانا رغم أن هناك مساحة من الابداع في كتابتها ، فالتقطيع الصوتي مهم جدا في قصيدة النثر ، اماكن الوقف والنزول والمساحات البيضاء والفوارز ، كل تلك النقاط مهمة في الصناعة الحرفية للنثر الجيد :
امام عيوننا
يشحذ المتسول خنجر أسئلة ابدية
حين نجوع
تتخذ الؤوس شكل علامات إستفهام
ونبتاع يانصيب الادعية
نتمسك طويلا بلحية الصبر
تعويذتنا الملائمة لكل الانواء
كلما التهب الموج
أشعلنا الصمت في غاباتنا …./ من قصيدة نوافذ أو نهارات

فليحة حسن تعيد ترتيب المفردات في السطر الوحد وتطوعها من أجل اكتشاف صور جديدة غير مطروقة ، وقد تعطيك نفس المفردة معان مختلفة في القصيدة الواحدة أو في القصائد الاخرى من خلال المرور عبر البوح الشعري المتقن في النص ، فاللغة والمفردات في يد العديد من الشعراء، والكثير منهم يكتبون الشعر ولكنهم لايحسنون صياغة المفردات صياغة محكمة أو إنتاج صور شعرية غير مطروقة أقرب ماتكون الى اللوحة الطبيعية أو السوريالية :
كان لقائي سريعا به
كما طلقة دفنتها الهراوة في ضلوع الجنود
كن لقائي بطيئا به
كدمعة أم
تعد المزادة
للذي انجبته الحدود……/ من قصيدة الشهيد الطفل
وفي مقطع آخر من القصيدة تحاول الشاعرة هندسة النص من خلال صورة شعرية درامية تحول القصيدة الى ميتا – خطاب شعري يتأمل نفسه قبل أن يؤسس لرؤية المحيط المادي أو الميثولوجي:
لكيما أقول
بأن تفاصيلنا واحدة
وثمة
مابيننا فارق
بسيط …. بسيط
هو الجرح ياصاحبي
غير اني صداه ….
للحرب لغة غير لغة الحب ، عندما يكون الوطن الملوث بالحروب ، تختزل الفحولة وتضمر ، تتخلى الانثى عن هيئتها ككائن يهوى الكلمات والمفردات المثيرة والتحايل على الشكل الاجتماعي والقالب المناطقي المحافظ الذي تقولبه ذاكرة وشكل المدينة ، تقول في قصيدة ( احبك والوطن ملوث بالحروب ) :
كل الدروب لبيت قلبك ناحلة
كل الشوارع اضرمت بالقحط
والخجل المزخرف بالرحيل
وأجوب فيك تحول الاحلام
نحو جارتها المقاصل
لاأنت تأخذ شكل نسياني
ولا ……
الهجر يفقأ عين الصبر
الشاعرة في قصائدها جميعا تدخل لغة الحرب كائنا إفتراضيا يغزو نظام القصيدة ، لاتخلو قصيدة من مفردة الحرب أو وقعها القصائد تعتمر خوذة الحرب ، أي أن الشاعرة وتواريخ قصائدها هي / عمر الحرب / الخسائر والنكسات / مكامن الخيبات / أرقام الشوارع بأرقام الشواخص والشهداء / كم يبلغ حجم الوطن عندما يصبح في فوهة مدفع / عندما تلبس القصيدة الخوذة ، ماذا يلبس النخل إذن ،:
لملمت مساماتي
وأتيت أعطرها بشذاك
لكني تفاجأت بأنك دفلى
…………
وأنا في ذاكرة الهم
أخط ملامح ليست تشبه إلا أنت …/ من قصيدة ( تعويذة )
فلسفة النص هواية الشاعرة ، نصوصها غير تقليدية ولغتها منتقاة من مجموعة مفردات أنيقة تفرضها داخل النص ، تصنع القصيدة بحرفية عالية ومهارة وذكاء مفرط يقربه من النص الملحمي ، الشاعرة تدس نفسها في داخل النص من خلال محاورة الذات :
*
قبل بسملة الحلم الأخضر….. تنساب الاضرحة
*
كان في هبة من شرر
حوقل أل غ ر ي ب
وانتهى في إنفراط الجموع
*
صانع البحار
الراكع وان كان أصما عن نداء الصلاة
ارتدى قبعة
بينما الآخرون منشغلون بتركيب رؤوسهم .
*
كان يسمح للاخرفي كل الاحيان أن ينخر أعوام تدحرجه
محتفظا بصورة كاملة للغراب
وهو يداعب قلب أبيه ( المفطور ) عليه
هو الماضي أبدا
بين الركوع وبين الركوع
ولي عليه شاهدان
السوط …. وأسلاك الرحيل
من يقرأ القصائد يشعر انها تخرج من فوهة وطن يعتمر خوذة العسكر ، أو من بين ذاكرة مقاتل علق ذكرياته فوق الجدران المثخنة بالخيبات والشظايا ، او على ضفتي نهر يمارس العشق الازلي رغم دوي الحروب المتتالية
تقول في قصيدة ( همسة ) :
رغم شدو السياط فوق جدراننا
كم مرة غششت المعلم وقلت ( أذاكر )
وكنت أعد قائمة بحروفك أهجيها الروح
إيه ( محمد ):
لو كانت الارض مربعة
لأختبانا بأحدى الزوايا
ولكنها مدورة
لذا يجب أن نواجه العالم
في قصائدها القصار القريبة من القصة القصيرة جدا ذات الطبيعة المكثفة أو مايسمى بقصيدة ( الومضة ) الشعرية الصادقة ، هناك إقتصاد في المعاني الدلالية بعيدا عن الاطالة وكثرة المفردات مع إختلاف في لغة السرد ، التقاطات اشارية واستعارات لفظية مختزلة تعطي للنص بعدا دراميا ومسحة جمالية أقرب الى اشارة مرور للمتلقي تختزل المسافة في تقاطعات مزدحمة بالمفردات المجازية :
*
ميسون حسن كمونة ، سهام حسن ، ع …….!!
الراحلون وأدري اين وجهتهم ………. لولا الزمان لكان القلب مأواهم
*
ياجرح الموجة / فراقك يتآمر ضد بقائي /
*
كيف امشي بجرح تفضحه الآه
*
سهام
ياجنوب الشجن
لو كان حلما نسيناه
ولكنه القدر المرتقب
في المجموعة تتوالى الحواريات / انا / أنت / هو / هي / قال / قلت / نحن / تقطيع المفردات / تشظي الحروف ، نوع من الشعر الذي يرقى الى الصناعة الميلودرامية المنتجة لمشاهد خاطفة يتبع آثارها المتلقي الفطن الذي يقتنص اللحظة – الومضة :
هي
قالت : أهديك ملك
آسف ماعندي قلاع للتدمير
هو:
كان سيغدو ملكا
لكن التيجان صغيرة
هامش ( مازال حوار الطلقات يناقش وجه نبوءته )
نحن:
ماأقسى اللهب الموبوء
هم :
يتشبهون بالمياه
فينجرفون الى المنحدر
في قصيدة تعريفات ، تفلسف الشاعرة المفردات وتحيلها الى دلالات منهجية – فقهية تعتمد الموروث الحكائي الشعبي في صياغة المعاني الدلالية للشكل العام للسطر الواحد ، لها قدرة إستكشافية للصور الشعرية الغير مشوشة المعالم ، تسهل على المتلقي فك مغاليق اللغة المتشابكة :
*
الفائز في مرثون الغربة …. حاز على ملجأ
أزمع أن يرجع للمضمار
طمعا في تكرار هداياه
*
أرمم داري ….. يسقط وجهي هرما
*
المحاربون القدامى ……. حولتهم المدافئ حطبا ونهايات حزينة
*
الرقاب التي صلبتها الريح …… تعيد بناءها الاسئلة
*
لكثرة ما أشير اليك
صرت كل جهاتي
*
وجهت وجهي للذي فطر السماء
فسال دم الجياع
وكان ياماكان
وتدخل الايحاءات الجنسية في متون النص بلغة حذرة ، منصهرة ، يكتشف تلك الخاصية من يعيد قراءة النص الواحد لاكثر من مرة ، هناك هذا الجاثم على شظايا الروح يعبث بخلايا الشاعرة ويحيلها الى كتلة من المشاعر والاحاسيس والحاجة الى افراغ شحنتها في الكتابة على ورقة تكون فيها مساحة الكتابة هي مساحة ترويضها :
ابصرت الطفل المهووس بقربي
يرفع عني غطائي
ينظر صوب الاشياء الناضجة
ويمد يدا نحو الرأس الاتعبه الركض
في دهليز الحرب
لغة مصاغة بحنكة وفطنة شاعرة تتقن استخدام اللامباشرة في الخطاب ، رافضة متحررة من شبح الميثولوجيا الساكنة التي تحيل الانسان الى دمية أو روبوت ميكانيكي يحرك وفق بديهيات الفتاوى وتصارع الافكار في منطقة المقدس اللا واعي :
لست في نقطة الاختيار
فأينما تبرك الناقة
ثمة منفاي……/ قصيدة اينانا والرماد

حواريات فليحة حسن هي محاكاة للذات ، اللاوعي مع الوعي ، الملتقط والباث ، الغواية والتطهر ، الخوف من الصارخ والمستصرخ به ، اللاشعور الدال مع الشعور الفطن :
سنفلسف الانواء

هذا للمكوث
وذلك القزحي مرآة الهطول
ونقول نقربها
ويمنعنا الدوار
حتى كانك لم تكوني مرة
حتى لكاني لم اكن يوما اناك
حسب اغتراب لهيبنا
يامن يشظينا الجنوب

وتظل تجمعنا الحقائب
…/
من قصيدة غربة البيوت
استدعاء الذات الى داخل النص وبلورتها بصورة ايحائية تشد القارئ المتذوق الذي يفك مغاليق النص وأسرار كينونته ولغته الخطابية ذات الدوال المشتركة والتي تختصر المسافة مابين ذات الشاعر والمتلقي ويوجد شريكا ثالثا يوحد القراءة النصية ويوضح المعاني الحقيقية لثيمة النص :
وأنا استدعيك ربيعا

ضد ذبولي
أنا الممحوة من كلمات النص
إذ
لابد لذاكرتي
من خنق مداها
أزيح عن كاهلك الصمت
واخيط جلابيب الشوق
البسها للقاك

وتراتيل لم تبق صالحة لسواك /
من قصيدة صهيل في القلب
التمني لغة تتعدى حدود المعقول ، تكون لغة الخطابة للشاعر الذي يفقد تسلق أناه الى الممكن والموجود / السر اللاهث في المخيلة ، ( لو ) هي لوعة الشاعرة وغربتها الروحية ، ثورتها على اشكاليات الثقافات المغلقة ، السباحة مابين مساحات المسموح والمقموع والمصرح به ، التمني آخر ورقة تلعب بها الشاعرة في مساحات النص :
لو كان بأمكاني

لسألت
أبراج الحظ
عن سر القداح المنسي على بابك
وسر تلفت هذا القلب
إذا ماقيل الآن يمر…..

كما ان ادوات الرفض للسلطة ( ايا كانت ) سلطة سياسية او دينية او رقابية اجتماعية تؤدي فعلها في التمرد على الاستغلال الفكري والميثولوجي للكائن المنصهر في تلك الايديولوجيات الممسرحة من أجل ابقاء هذا الكائن مستمعا لاقطا غير باث للافكار والفتاوى والفنطازيات ، إنها تسير بنصوصها ضد ماهو إرثي ، عالم يسير عكس التيار مع مراحل التطور / تطور ثقافي وعولمة وتكنولوجيا وعلوم وتقنيات :
يصدق بعض العرافين
فنخوض الحرب حفاة

أو من غير خوذ
يعز علينا أن تسقط
من رأس صواحبها
أو هالات
للنصر المزعوم
أو درب
للعودة
مفروش بعظام قد سبقتنا

أو وطن
يبكينا بحرارة
وقد
يرتعب الاصبع / حين يرى ان لافجوة للنيشان / يعلق فوق الصدر المنخور / فالحرب ثقوب / وقد يوجد في ( الانترنيت ) الحل / لمشكلة الفجوات / لكن / لاحل / لمن باعدته الغربة / بين ملامحه والمرآة …..
/
من قصيدة ( قصائد قصيرة )

تدوير النص وجعله نقطة تلاق مابين بدايته ونهايته سمة قصائد المجموعة ، فهي تحيك لغة متقنة تراوغ فيها لتغوي الناقد مبتعدة عن مشرطه الذي يشرح به النص ويعيد فك طلاسمه ،إ نها تحاول ن تجعل من نصوصها محطة إغواء للناقد والمتلقي :
وأنا أصعد
سلم داري
أسأله في كنه قراري
أكل هذا العلو

ويوجد من يدوس عليك …..
صراع الفكرة وصيرورتها تنبع من ملاذات الشاعرة ووجدانياتها وهذا الكبت الذي يمارس سلطة الرقيب والمانع للمتحرر والمنطلق من اللاشعور الى الشعور الواعي والاحساس بالمطلق …. صراع النفس مع نقيضها في داخل الجسد الواحد / الجسد المتشظي المتباعد مابين اللذة والعفة :
ولماذا لااكتب عني

وأنا
منذ وجودي محبوس في قمقم رأسي
أفكر
أن أصلح هذي الهوة
بين الوجه وبين الناس
فيقذفني المنفى للمنفى
/
من قصيدة ( تساؤل )
من خلال هذه السياحة في مجموعة الشاعرة فليحة حسن اكتشفت ان للشاعرة عالمها الخاص في كتابة القصيدة ولم تتاثر بتجارب الاخريات من الشاعرات ، لها بصمتها الخاصة ، تجيد التلاعب بالمفردات ، تتقن فن الاغواء ، رافضة للمقدس والوضعيات تثبت وجودها من خلال نصوصها ، واثقة من الخطوات التي تخطوها في مسيرة الشعر ، لها مساحة من التميز في الشعر ، لاعلى صعيد مايسميه البعض بالادب النسوي وانما على مساحة خارطة الشعر بعمومياته وصوره المتعددة ….

Advertisements

Single Post Navigation

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: