موقع الأديبة د.فليحة حسن

الموقع الرسمي

– * قصيدة (أنا لست مريم يا أبي!)..المقارَبة والاختلاف ! وديع العبيدي

 -5 – فليحة حسن.. وقصيدة (أنا لست مريم يا أبي!)..المقارَبة والاختلاف !   وديع العبيدي

Faleha_hassan

واقفات خُلِقنا والدّروبُ تمرّ بنا مسرِعة!..”

وديع العبيدي

وديع العبيدي

ثمة رعب مكتوم تختزنه عبارة (أنا لستُ مريم يا أبي!)، رعب يتجاوز الورقة والنص والجملة الشعرية إلى تلافيف واقع تاريخي مرتبك تصوغه الشائعة المغرضة ، وليس الحقيقة المخلصة. فإذ يتمثل التاريخ إطارا لحركة الصراع الداخلي بمستوياته الاقتصادية والاجتماعية العدّة، فأنه يفرز بطولات وفرائس. التاريخ هنا هو الشائعة (الشفاهية) تحديدا، والفريسة  هي الأنثى/ المرأة. حجم الرعب المخزون في العبارة يترجم حجم القسوة والوحشية المضادّة، يختلف عن خطاب (يا الله لا تمسك يدي المجروحة) لفرات اسبر بما يختزنه من شعور بألم دفين، غير منقطع الرجاء. جملة (أنا لست مريم يا أبي)، تختلف تماما عن جملة (أنا يوسف يا أبي)*، رغم ما يبدو بينهما من تقارب بنيوي أو انتماء لعائلة لغوية واحدة. قوة النفي الكامنة في فعل الماضي الناقص أقوى من قوة الإخبار والإثبات في جملة المبتدأ والخبر. ربما قال أحدهم (لست يوسف يا أبي) هل يتغير الأمر؟.. النفي هنا نفي قطعي خبري لا يتخلله رعب أو توجس، بينما توظيف مريم ينطوي على تحدي ومواجهة. ممن استخدموا الترميز الديني بكثافة.. إضافة لفليحة حسن ثمة مهجة قحف* في ديوانها المترجم إلى العربية (مبارَكة أنتِ بين النساء)*،

لو كنتُ أجد متسعاً في الأرض ليأسي
وأخبئُ نفسي كشيء منسي
في جذع شجججرة ميتة مزدرى مقلي
ولا أسمع أو يسمعني أحد – مبارَكة أنتِ.. ص19

..
مريم حاملُ وهي فتاة
وأهل المدينة حولها
يقولون عارٌ عليك
تريد أن تخبر…! هذا أيضا مما شاء الله
لكنكم لا تعرفون نهاية القصة.. – مبارَكة أنت.. ص23-
وللشاعرة بلقيس حميد حسن مجموعة شعرية تحمل عنوان (مخاض مريم) – كما أعتقد*- توظف هي الأخرى نفس القصة في حالة من استعارة تاريخية (تراثية) لا تكتفي بتفنيد موقف المجتمع وانما افحامه بصورة القداسة التي تؤطر النص. والرسالة المقصودة هي ابراز مدى الجرم المجتمعي ليس ضد (الانثى) فحسب، وانما ضدّ القداسة ذات الصفة الالهية. لقد عمدت بعض الثقافات القديمة إلى تضخيم مرموزية مريم ورفعها من الحالة الاجتماعية إلى القداسة واعتبرها البعض في مصاف الأنبياء، واختلطت صورتها مع صورة (مريم النبيّة) أخت كل من هارون وموسى أبناء عمرام، وقع مثل هذا الخلط في النص القرآني ومنه الى التراث العربي، ولمريم وجود وإشارات عند المندائية والزرادشتية والبوذية، يخرج عن إطار النص العبراني أما الشاعرة ورود الموسوي في مجموعتها البكر (وشم عقارب)* الحافلة برموز واستعارات دينية، فلا تتقيد بالنص ولا تتعكز على مرموز اللفظ وانما تسعى لنحت مريمها المستقاة من صورة ذاتها الكونية الايحاء..
أكون محض ليلٍ يتخايل في جسد
محض ليل يتماهى مع الظل
محض ليل مقنن في المعبد المتعري

في الكنيسة المستوية ريحاً
ها أنا أكسو العالم من دثاري
أنا الليل بانعتاق هلاميّة الجسد
ألامسُ أطراف السماء
أطعمها سوادا بزرقة
زرقة بحمرة
أجاذب أطراف الأرض
تسطع النجومُ فيّ

يندّ سهيل من تحتِ قلبي
نجمة نجمة فنجمة
أتحوّلُ سماء داكنة رمادية
نجومي تعلِن رقصة الليل معها
السماء أنا
النجوم أنا

الليل أنا
العالم يتوحّد فيّ.. أنا.. – وشم عقارب.. ص9-10 –
حيث تحاول كل منهن توظيف المرموز الديني مع الدالة الاجتماعية لتصوير انعكاسه على شخصية المرأة وواقعها الراهن. ويمثل هذا النوع من الخطاب جانبا من خطاب (نسوي) أشمل يتخذ من (خصوصية الأنثى) وغبنها الاجتماعي قضية ثقافية وأدبية كما لدى بلقيس حميد حسن.

مريم المسيحية..
النماذج (المريمية) السابقة تعود في الغالب لشاعرات من خارج الوسط (المسيحي أو العبري)، فجاءت نظرتها في إطار الموقف من الآخر (المختلف) مع شدّة حرص النص على تحقيق مقترَبات مع الواقع تجمع بين الطرفين، مع مؤاخذة عدم اهتمام الشاعرة للذهاب إلى الرمز في عقر داره، مكتفية برسم صورته من وراء الزجاج. والزجاج هنا يفتقد الشفافية والصفاء ولذا يلقي بخيوط وظلال على الصورة الحقيقية وينتج منها صورة تعويضية بديلة. الشاعرة مهجة قحف المقيمة منذ طفولتها في الولايات المتحدة ولا تكتب باللغة العربية تخلط بين صورة مريم وهاجر.. كما في قصيدة أرض مريم المفتوحة.. فالمعروف أن هاجر كانت في البرية المفتوحةحسب الرواية القرآنية، ولذلك تضفي عليها..
مريم، هل ستدفق الماء من الينبوع؟.. – أرض مريم.. ص19 –
مثلك يا مريم، حيث سعف النخيل تمتدّ.. – أرض مريم.. ص20 –
تنحني مريم على شجرة نحو الشرق
على الحافة بين الصحراء والمدينة
..
تدفع الجذع كقابلة تضغط البطن
تلد نفسها الجديدة
وتسّاقط عليها رطبا جنيّا ضفة الحبّ.. ص24

وقد وضعت النصوص القرآنية المقاربة في مستهل القصائد، دون مراعاة لقدر الخلاف والتناقض، ليس بين مريم وهاجر، وانما بين الرواية العبرانية والرواية القرآنية، أو تلتفت لقدمية النص. وفي حالة استعارة تراثية مثل هذه لا بدّ من الاعتبار بالمصدر الأصلي، حفاظا على السياق التاريخي للرمز. فالشاعرة – بحسب الحالة هذهإذ تتوق نحو الآخر وتحلم باستشرافه، لا تريد مغادرة مكانها أو خانتها التراثية، مما يعكس حالة من الانتقائية والانغلاق، رغم أن مثل هذا قد يرتبط باللا وعي والثقافة الشفاهية أكثر منه شيء آخر

ما أودّ الاشارة إليه بالمناسبة، أو المقارنة، هو موقف الشاعرة المسيحية من التعامل بالرمز الديني، ومرموزية (مريم) تحديدا. حيث تندر الاشارة لذلك عموما، ولا يتخذ الترميز التراثي أو الاسطوري حيزا في شعرها، ويتجه خطاب النص مباشرة للواقع الراهن، ويتخذ مسميات الراهن كما هي دون تزويق أو تأطير من خارج النص، ويمكن ايراد أمثلة من دنيا ميخائيل في مجموعتها (الحرب تعمل بجدّ) ولا سيما قصيدتها (أمريكا..)، والشاعرة جاكلين سلام في كندا والشاعرة فرات اسبر المقيمة في نيوزيلنده.. هل تقف الشاعرة المسيحية خارج حلبة الصراع أو خط المواجهة مع الواقع، أم أن محيطها الاجتماعي يختلف في مقوماته وشروطه عن المحيط الاجتماعي العربي الملتبس بالثقافة الاسلامية.. وبالتالي ان ما تطمح الشاعرة أو الشاعر غير المسيحي الذهاب إليه، تعيشه الشاعرة/ الشاعر المسيحي أو الغربي عادة فتختلف لغته وأدوات خطابه وأنماط تفكيره..
هناك يا بيتنا على شطّ بحر بعيد/ تركت قلبي/ وغادر الجسد/ في كل زاوية نبض قلب/ لمسة حنان/ وأم تعدّ العشاء/ تعلم أن الأحبة قادمون/ من الشرفة تارة ترنو/ وقلبها على الباب ينتظر. يا بيتنا هناك على شط بحر بعيد/ أب على الشرفة جالس/ يرتشف قهوة الصباح/ يقول: تأخر المطر والأحبّة ما عادوا/ طويلا كان السفر/ سنين انتظار وشوق لا يُمَلّ/ وقهوة في انتظار.. ما زالت ساخنة. – مج مثل الماء لا يمكن كسرها.. ص47 –
تنسجم بساطة الجملة مع شفافية اللقطة الراهنية لأسرة تنتظر أبناءها البعيدين، ورباط من حب وشوق يجمع العائلة.. بهذه البساطة نفسها تناولت دنيا ميخائيل مشاعر وظروف عائلة تنتظر الهجرة إلى أمريكا.. وعندما تتحقق الهجرة بعد انتظار طويل وقاسي لا يكون الأمر خاليا من الفجيعة. اللغة هنا أقرب إلى النثرية من جعجعة الموسيقى أو الايقاع التي تستلب حرية الشاعر وتتركه يجري وراءها لرسم صور تفرزها جاهزية اللغة قبل رؤية العقل.
*
تمرين في القراءة.. قصيدة – أنا لست مريم يا أبيلفليحة حسن..
*
أنا لست مريم
مع ذلك
هذا الذي سترونه
يلهج بينكم ولست والدته
ولن يولد مني
وما ُيدعى يسوع يعود لي ؛

القصيدة تبدأ بالنفي (لستُليس: فعل ماضٍ ناقص يفيد نفي ما بعده – جملة مبتدأ وخبر-). ولما كان النفي يتضمن إحالة على الماضي، فأن واقع النفي يتحوّل إلى إنكار (واقعة). ان قيمة الانكار تتركز في بعد اجتماعي اجرائي غير منقطع عن الامتداد، وبالتالي، فأن الرغبة في الخلاص أو تقرير البراءة تبقى شاخصة ومبرّرة، وهي ما تمنح (النص) – بالنتيجةمبرره أو مغزاه. النفي أو الانكار بحدّ ذاته يشكل علامة طيبة لكشف حالة تقاطع مع واقع ما أو منظومة ما. ولما كانت بنية الخطاب الحواريّةقائمة بين جيلين متعاقبين في دائرة ثقافة –أبوية/ بترياركية – فالاحتمال الأكبر أن يشكل الصراع بين المحافظة والحداثة ثيمة رئيسة لذلك. بعبارة أخرى، أن الاطار العام، أو بنية الاستهلال تحمل نزوعا للانطلاق إلى أمام والتحرر من ربقة أحمال/ أعباء ماضوية ثقيلة أو غير مبررة.
*
لماذا مريم..
هذا سؤال كبير، لا تتحقق إجابته داخل النص. فمحدودية مرجعية الخطاب لا تترك مجالا كافيا للتأويل، أو استشراف المعاني الحقيقية لدلالات الرمز. (مريم) ليست رمزا محليا في الإحالة على بيئة الشاعرة فليحة حسن النجفية الأصول، لا جغرافيا ولا ثقافيا/ دينيا. على صعيد آخر، تخدم (مريم) عدة وظائف جانبية:
عالمية الرمزوامتداداته التاريخية والثقافية الموغلة في التاريخ والجغرافيا والثقافة العصرية والمقبلة.
شمولية النص – في ضوء علاقة (مريم) بلاهوت يسوع المسيح، وما يشكله من إحالة جندرية مال إلى ترسيخ مبدأ (ألوهة مريم) الممثلة في العقيدة الارثوذكسية (مريم والدة الأله) والمحيلة بدورها على الميثولوجيا القديمة لفكرة (الألهة الأم)، التي وجدت لها تخريجات متنوعة في العقائد المختلفة. وتشكل ظاهرة (الجندرية) أو (Feminism) واحدة من ملامح ثقافة الألفية التي بقيت مختزلة أو دون القشرة الخارجية في أدب الرواد.

والقول بوجود مهاميزها في ثقافة نازك الملائكة أو شخصيتها كان أكبر من تصوره في شعرها الذي بدأ في جوقة الخطاب القومي لمرحلة الخمسينات، متحولة منها إلى خطاب سياسي مضبّب حول المرأة والتقدم، ثم انكفأت في ظلّ معاناة عقدة مرضية نفسية فشلت في تطويرها أو تطويعها شعريا أو فلسفيا. ويبدو ان الملائكة استغرقت نصف قرن في محاولة اكتشاف ذاتها (الجندرية) شعرياً، دون توفيق، وقد تجلت خيبتها تلك في خطابها السياسي النثري في مجلة الاداب في وقت كانت خبت شعريتها تماما، الأمر الذي لو اتيح لها التملص من قشرة الخجل الشرقي الخمسينية، لبوّأها مكانة لائقة في وقت مبكر من النسوية الثقافية. يستثنى من ذلك الشاعرة (لميعة عباس عمارة) صاحبة القصيدة النسوية أو الانثوية الخالصة بعيدا عن جعجعات الخطاب السياسي أو متاهات الحداثة، وفي وقت مبكر. غير أنها بقيت خارج المؤسسة الاعلامية والدعائية حتى مغادرتها العراق الى باريس ثم الولايات المتحدة الأمريكية. اختلفت الصورة في الأجيال اللاحقة، ويبدو أن حجم المشاركة النسوية في أدب ما بعد الثمانينيات، كان دافعا جيدا للمنافسة الأدبية والبحث عن التمايز وتحديد الخصوصيات الجيلية او الفكرية، ولم يعد ثمة ما يبرر استمرار السلطة الذكورية على النشاط الثقافي والفكري للمرأة المنافسة له، والمحرومة من أية مراكز قيادية في المؤسسة الثقافية أو التقييم الشعري لقد انصرم الجيل السبعيني دون تميز أصوات شعرية نسوية، رغم حضورها غير الشعري أمثال ساجدة الموسوي ونهال العبيدي. أما جيل فليحة حسن فيضمّ عديد الأسماء الشعرية الجديرة والمؤثرة، والتي استمرت في تحقيق تقدم ملموس منذ ظهورها الأول في الثمانينيات أو أواخر السبعينيات، على صفحات الملحق الثقافي لجريدة الراصد*، الذي كان يديره الناقد العصامي عبد الجبار عباس. ومن تلك الأسماء.. دنيا ميخائيل ، لهيب عبد الخالق، ريم قيس كبه، بلقيس حميد حسن، كولاله نوري، داليا رياض، أمل الجبوري، فاتن نور، ورود الموسوي، وفاء عبد الرزاق، أفراح الكبيسي وغيرهن الكثير، ممن لا يمكن اغفال ظاهرة النسوية في أدبهن، في شقيه النسوية الحركية مثل بلقيس حميد أو النسوية الخالصة عند أمل الجبوري وفاتن نور، أو تأرجح البعض بين الجانبين.
تحقيق الانفصال عن تبعات المكان أو البيئة التقليدية عبر المخيال الأدبي واستشراف ضفاف ثقافية منفتحة تحقق التقارب مع الأدب الانساني رغم أنف الجغرافيا والحدود.
*
نكهة المختلف والعالمي.. ويمكن الإضافة إلى ذلك أن الرمز (مريم) يعكس رغبة التعرف على الآخر أو الخرج من إطار المحلي، كما يلحظ ذلك في لائحة الأدب العربي في تعامله مع (الآخر) غير العربي أو غير المسلم، إذ تشيع تسمية مريم محققة طفرة خارج الدائرة الضيقة، رغم سوء الفهم الملحق بها روائيا وسرديا. وعلى صعيد الشعر يمكن الاشارة إلى مجموعة شعرية بعنوان (مبارَكة أنت بين النساء) للشاعرة مهجة قحف الأمريكية من أصل سوري ان مراجعة استخدام (مريم) في المدونة السردية والروائية العربية اكثر انسياقا مع نهج الواقع السائد على خلاف مريم الشعرية التي تسعى لتحقيق القطيعة مع الواقع التقليدي والتقدم للامام. أذكر هنا على سبيل المثال رواية لكاتب (بطل) سعودي يطلق زوجته ويقضي فتة نقاهة لتجاوز تبعات فشل زواجه، فيقرر السفر الى بيروت (!!) لتحقيق النسيان. هنا يستذكر صديقة قديمة (!!) هناك فيتصل بها يخبرها برغبته في قضاء مدة هناك، فتهلل لقدومه. هذه اللبنانية (الصديقة) اسمها مريم، تعاني من مرض (غامض) تركها الجميع وتقيم لوحدها، وقد وجد البطل (السعودي) نفسه ملزما برعايتها وتحطيم وحدتها ومنحها البهجة وابعاد شبح الموت المرفرف في منزلها. لكن الرعاية والحنان النابعة من روح النخوة والشهامة لا تستثني خدمة الغرائز الجنسية بين امرأة ورجل في مكان مغلق (من غير محرم) ويجري مناقشة موضوع تحليل أو تحريم علاقة من هذا النوع مع شخص مشرف على الموت، ولا يترتب عليها انجاب، فالتبرير هنا يركز على الجانب الانساني وخدمة رغبة ميت قبل الموت. ولا يخلو جو الرواية من استعراض أفكار دينية / اسلامية ومسيحية. وفي نهاية الرواية يتحقق موت مريم ويعود البطل الذي كلفته عناية إلهية لخدمة رغبات ميتة من (أهل الذمة) هذه الرواية الجارية على نسق كثيرات غيرها، ليست الأولى في استخدام تسمية (مريم) للطرف الآخر في العلاقة غير المشروعة مع رجل (مسلم) مما يدخل في باب الخطاب العنصري الاستعلائي. فمعظم النماذج المعروفة تجعل من المسلم (رجل) ومن الأخر (المسيحي) (امرأة)، وفيما يتم اختيار أسماء مقصودة مثل (كامل/ خليل/ مصطفى) يشكل أسم (مريم) القاسم المشترك بين النساء، ناهيك عن خصائص العلاقة وأجوائها التي تجعل من الرجل الشرقي حمالة قيم رجولة وشهامة وفحولة وعشق بحيث يكون مقصود المرأة التي تلاحقه وليس العكس. ان كلا من بطلي (الهجرة نحو الشمال) و(الثلاثية الروائية ) لاحمد الفقيه يكونان ضحايا ملاحقات نسائية وأبطال جنسيين يدفعان النساء لهجرة أزواجهن وقبول علاقة غير مشرعة مع (غريب). فمثل هذه القص/ الفكر الذي يعاني من تبعية هزيمة حضارية وسياسية أمام الغرب، يحوّل الهزيمة إلى إنتصار جنسي في حجرات النوم الغربية. وذلك في سلوك باطني أو واعي متوارث جعل من انتهاك الجسد الأنثوي وسيلة لامتهان الآخر، وظاهرة السبايا وإماء الحروب أمثلة نقية لتمثيل جذور العدائية البدائية وطبيعة النظرة إلى الآخر.
ومن هذه النقطة الخلافية الحضارية تنطلق قصيدة الشاعرة مستنكرة ما يقال..
لكن هذا الاستنكار المختلط بالاحتجاج والتحدي لا يقف عند حدود الشائعة، ليس تأكيدها ونفيها فحسب،

وانما تحدي (المجتمع)..
هذا الذي سترونه
يلهج بينكم ولست والدته
ولن يولد مني
وما ُيدعى يسوع
يعود لي

فهي إذ تنكر أن تكون أمّ (الطفل)، وعدم ولادته منها أو ولادتها له، تقرّ انه يعود لها، أو تعود له. وموضوع عودة أحدهما للآخرالمختلف عن العلاقة البيولوجية أو الجسدية، ينقل الخطاب إلى مستوى آخر، هو مستوى التحدي.

من هي مريم..
المصدر الأكثر شيوعا هو المتعلق بكون مريم والدة المسيح يسوع الناصري، وقد وردت قصتها على تفاوت لدى الديانات السامية كما لدى ديانات أخرى، كالبوذية والمندائية. ومتابعة صورة (مريم) لديها جميعا ضرورة للاحاطة بخلفيات النص وخلافه الجدلي، الذي شاء الاسلام من خلال تقديمه لها فرض قطيعة بينه وبين أصوله المتفاوتة.

بدأت ملامح صورة مريم أول ظهور لها في كتب العبرانيين، وسيما المزامير وكتب أشعياء وأرميا. وأقدم إشارة جاءت في نبوءة أشعيا من القرن السابع قبل الميلاد..
(
فقال اسمعوا يا بيت داود. هل هو قليل عليكم أن تُضجِروا الناس حتى تُضجِروا إلهي أيضا. ولكن يعطيكم السيد نفسه آية. ها العذراء تحبل وتلد إبنا وتدعو اسمه عمانوئيل. زبدا وعسلا يأكل متى عرف أن يرفض الشرّ ويختار الخير) – سفر أشعياء (7: 13- 15).
وترد نفس القصة في الانجيل بحسب لوقا كالتالي:
(
وفي الشهر السادس أرسل جبرائيل الملاك من الربّ إلى مدينة من الجليل اسمها ناصرة، إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف. واسم العذراء مريم. فدخل إليها الملاك وقال سلام لك أيتها المُنعَم عليها. الربّ معك. مبارَكة أنتِ في النساء. فلما رأته اضطربت من كلامه وفكّرت عما عسى أن تكون هذه التحيَّة. فقال لها الملاك لا تخافي يا مريم لأنك قد وجدتِ نعمة عند الله. وها أنتِ ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع. هذا يكون عظيما وابن العليّ يُدعى ويعطيه الرب الاله كرسيّ داود أبيه. ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية. فقال مريم للملاك كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلا. فأجاب الملاك وقال لها. الروحُ القدسُ يحلُّ عليك وقوّة العلي تظللك فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله.) – لوقا (1: 26: 35).
كما ترد نفس القصة بدون خلاف مع شيء من ايجاز في الانجيل بحسب متى كالتالي:
(
أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا. لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا، وجدت حبلى من الروح القدس. فيوسف رجلها إذ كان بارا ولم يشأ أن يشهرها أراد تخليتها سرّا. ولكن فيما هو متفكر في هذه الأمور إذا ملاك الربّ قد ظهر له في حلم قائلا يا يوسف ابن داود لا تخفْ أن تأخذ مريم امرأتك. لأنّ الذي حُبِلَ به فيها هو من الروح القدس. فستلد ابنا وتدعو اسمه يسوع. لأنه يخلّص شعبه من خطاياهم. وهذا كلّه لكي يتمّ ما قيل من الربّ بالنبي القائل. هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا. فلما استيقظ يوسف من النوم فعل كما أمره ملاك الربّ وأخذ امرأته. ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر. ودعا اسمه يسوع.)- متى (1: 18- 25).

اشتري خبزي بدمعي

كلّ حين
ما أطعمتني
سماؤكم عنباً وليس لي خال نبي بل حتى أمي
لم تبعني
قبلة لصلاتها
مالي أرى الأكمه
والأعمى
يزاحمني
على دكة بابي ؟؛

ثمة رعب مكتوم تختزنه عبارة (أنا لست مريم يا أبي!)، وهي ليست المرة الأولى التي تجاهر عناوين نصوص نسوية بصراخ مكتوم أو احتجاج، أذكر منها عنوان قصيدة الشاعرة فرات اسبر (يا الله لا تمسك يدي المجروحة)، وكما هو الحال يتداخل المرموز الديني مع الدالة الاجتماعية في انعكاسها على شخصية المرأة. العناوين الصارخة أو المتورمة أو المكبوتة، في نصوص المرأة هي افرازات مباشرة وغير مباشرة، بطيئة أو سريعة التفاعل لواقع معاناة الأنثى في ظل انعدام قواعد الحياة الطبيعة السليمة. تداخل الديني والاجتماعي يعكس كذلك مثنوية سلطة اضطهاد النوع الانساني. أحدهما بالغاء العقل والثاني برفض حركة التطور والتغيير، مما يبقي على المرء أسير التخلف والانغلاق

فليحة حسن من طليعة الأصوات النسوية للجيل الثمانيني إلى جانب ريم قيس كبة ودنيا ميخائيل ولهيب عبد الخالق و..
تتميز فليحة بما تميز به نفر من جيلها والأديال اللاحقة الممثل بقوة عناصر البيئة المحلية في نصوصهم، سيما ذلك الجزء الموسوم بالرموز الدينية الشيعية، وهي ظاهرة تقتضي مزيد من الدراسة والعمق. ومن الأصوات التي ركزت على

(الحسّ) الشيعي باسم فرات (كربلاء) في استثماره مسرح الطفّ ورموزه على الصعيد الشعري والاجتماعي، بينما نخذ آخرون الرموز القديمة من سومر وبابل وأكد أدوات حكائية أو للمحاكاة، ما يمثل بشكل أو آخر، درجة من التركيز على الجنوب العراقي مقابل تجاهل النصف الثاني أو حصره في زاوية محددة.
أمران هنا تجدر الاشارة اليهما..
– مرموزية مريم
– سطوة النص الديني.
*
– مريم..
شاع ذكر مريم بكثافة في أدب المرأة، وبشكل يضاهي مرموزية (يوسف) في أدب الرجل. وذلك في خضم سنوات التسعينيات الموافق لتراجع تيار العلمانية عند العرب. وإذا كانت العلمانية تحيل على الانفتاح والعقلانية والتحرر، فعلى نقيضها جاءت الأولية دالة على الانغلاق والجمود والعبودية لماضي مقدس.
قد يطرأ للبعض رأي مغاير ، ينكر التخريج الأيديولوجي للمرحلة، زاعما تمثل منظومة ابستمولوجية أكثر التصاقا بمدارس الكتابة الحداثية ومنها علاقة الشعر الحديث (الحرّ) بالاسطورة والرمز. وبالتالي فأن ما حصل هنا هو الانتقال بالرمز من موروثه العالمي المفتوح إلى مجال الخصوصية المحلية وفي أضيق حلقاتها أحيانا. مثل هذا الرأي، مهما كان، يتغافل عن سلطة الرمز وتعالقاته الدلالية والإحالية التي تتحكم في قيادة المعنى خارج إرادة الشاعر غالباً، ناهيك عن طبيعة الصلة بالواقع الموضوعي. وبالنتيجة فان مركز الثقل الذي يعني القارئ هو ثقافة النص وفحوى خطابه، وليس أية زخارف أو تقنيات يجري فبركتها تحت دعاوى تخص جانب الارتباك الفني الذي يعاني منه البعض في فهم مفاهيم الكتابة والحداثة والاتصال.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش..
• فليحة حسن مواليد مدينة النجف، ماجستير لغة وأدب عربي، تعمل مدرسة في المدارس الثانوية في النجف. رافق ظهورها الجيل التسعيني في العراق ولها عدة مجاميع شعرية منها : لأنني فتاة، زيارة لمتحف الظل، خمسة عناوين لصديقي البحر، ولو من بعيد. منذ زمن وهي تحاول تحقيق حالة مواءمة بين النص والحياة، أو تقديم قراءة أدبية لمواقف الحياة اليومية عبر منظور ديني ينقلب على نفسه في نقطة الصدام بين النص والواقع، ففي حين يعتمد الواقع تزوير النص الديني توظف الشاعر النص والمرموز الديني لصالح ما يمكن وصفه بالواقعية النقدية من خلال الشعر والنص المقروء أعلاه نموذج منها.
• فرات اسبر – يالله لا تمسك يدي المجروحة – دراسة منشورة للكاتب (شبكة النت).
• محمود درويش – أنا يوسف يا أبي.
• مهجة قحف- مبارَكة أنتِ بين النساء- شعر- ترجمة وتقديم لطفي حداد- منشورات مؤسسة صدى المهجر الثقافية- 2007- بيروت.
• مهجة قحف – شاعرة أمريكية من أصل سوري.
• ورود الموسوي- وشمُ عقارب- شعر- دار الفارابي- 2007- بيروت.
• بلقيس حميد حسن- مخاض مريم- مجموعة شعرية- (لم تكن في متناول يدي عند كتابة الموضوع).
• جريدة الراصد.. اسبوعية سياسية صدرت أواسط السبعينات، صاحب امتيازها عبداللطيف الفكيكي، ورئيسة تحريرها الروائية عالية ممدوح، وكان للجريدة ملحق أدبي اشبوعي يعنى بأدب الشباب يشرف عليه الناقد عبد الجباس عباس، وقد برز منه عدد كبير من وجوه أدب الثمانينيات والتسعينيات لاحقا.
فليحة حسن
أنا لست مريم يا أبي
أنا لست مريم
مع ذلك
هذا الذي سترونه
يلهج بينكم ولست والدته
ولن يولد مني
وما ُيدعى يسوع يعود لي ؛
…….
أنا لست مريم يا أبي
أنا لست مريم
أنا اشتري خبزي بدمعي
كلّ حين
ما أطعمتني
سماؤكم عنباً وليس لي خال نبي بل حتى أمي
لم تبعني
قبلة لصلاتها
مالي أرى الأكمه
والأعمى
يزاحمني
على دكة بابي ؟؛
………
أنا لست مريم يا أبي
أنا لست مريم
أنا لم أكن أختاً لهارون
وهذي آيتي
تعبت يديّ
من هزّ جذع نخيلكم
وما حلمتُ
أن قمحاً قد تساقط في يدي
ما كان طعماً
سائغاً للشرب
ما جئتُ به
ما بال هذي الخيل
تنزف صاهلة
اذما رأتني ؟؛
……….
أنا لست مريم يا أبي
أنا لست مريم
حتى نساؤكُمُ
يفاجئها المخاض
إليَّ
وهذا الوجه
قد صاغتْ ملامحه
اكف الريح….
خربه الهجير ؛
لأول مرة في الفجر
لم أصحُ على غدر
ولم أُشنقْ
……. وما خفتُ …….
أنا لست مريم يا أبي
أنا لست مريم
غير إني صيرت نفسي
)معبداً( لا أن تقولوا
-)أنتِ مريم)-؛ 

Advertisements

Single Post Navigation

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: