موقع الأديبة د.فليحة حسن

الموقع الرسمي

– * أقرأوا الشاعرة فليحة حسن – ياسين النصير

أقرأوا الشاعرة فليحة حسن   – ياسين النصير

د - فليحة حسن

ياسين النصير
ياسين النصير

لم يدر بخلد أحد منا أن يلتقي يوما بشاعرة لا تسبقها دعاية ما، فليحة حسن الفتاة النجفية السمراء، تقتحم قراءاتك دون استئذان بديوان شعر صغير، 37 صفحة، وبـ31 قصيدة قصيرة، شاعرة تتلمس طريق الفراشات إلى حقول الشعر،لا تفتعل اللغة، ولا الصورة، ولا الكلمة، بل تجد ما تريده منساباً بتراجيديا حزينة دون تعقيد. هذه الشاعرة الكريمة كأي واحدة من أدباء العراق الشباب تتحفك بمجموعة أو أكثر من نتاج الشعر وهي لا تدعي أكثر مما تقوله قصائدها، وخلال متابعتي لها ولغيرها من الشاعرات لم أجد لهن فسحة في صحافتنا الثقافية إلا قليلاً، فقد سد مشرفو الصفحات الثقافية عليهن النوافذ بصداقاتهم وحقولهم المجدبة الصغيرة المعاني، وتركوا الشاعرات خارج السرب،
على العكس من إحتفاء الثقافة اللبنانية والمصرية والسورية والخليجية بشاعرات أقل موهبة من شعرية رسمية وفليحة ونجاه وغيرهن. تتحدث الشاعرة فليحة حسن في ديوانها الصغير/الكبير، زيارة لمتحف الظل عن خسارات جيلها، في الحب، في البيت، في الحرب، في الهناءة، في القوت، في الرغبة ، في أن لا يموت أحد موتا مجانيا. لتؤسس إلى مثيولوجيا جديدة مادتها ما حدث للعراقيين بفعل الحروب. – الشاعرة وقد تعرفت عليها في مهرجان المدى في أربيل -لا تطلب منك سوى أن لا تترك دواوينها في الفندق حينما تغادر- كما يفعل الكثيرون-لأن ما في القصائد القصار صخب مرحلة وشواخص لا يمكن العبور عليها، ورؤيا مثيولوجية معاصرة. فليحة بديوانها الصغير الخجل، كأي طائر، تحلق بصوت عال لتتحدث عنا جميعا، نحن الذين تركنا أجسادنا في متحف الظل العراقي، هناك حيث رسومنا الظلال تقرأ ما نحن فيه، ثم أغلقنا الباب على أنفسنا دون أن نسّر أحدا بمكان مفاتيح الأبواب، تأتي فليحة فتجعل القصيدة مفتاحا لكل باب، لاأدري كيف قارنتها في لحظة وأنا أستمع إليها في أربيل، عندما حضرنا مهرجان المدى، بالشاعر المهم في الشعرية العراقية شيركو بيكس، فيلسوف الحجر والشجر والينابيع والجبل والأشياء والعطور الشاعر الصوفي الأممي الذي يحوّل تراب كردستان إلى ثراء شعري، فقد وجدتهما معاً بالرغم من فارق العمر والتجربة، يعتمدان مفردة لجدلية الموت والحياة،فهي الأكثر حكمة، فكلاهما ينأى بقصائده عن نثر المعاني، ويذهب إلى شعرية الصورة. ما يحسسك بهما أن فليحة شاعرة يومية مألوفة النغمات، عذبة كنسمة ترطب جو العيون، وتحيط نفسها بثوب الألفة العاشقة في قرابة الصور، بينما شيركو يحلق كطائر جبلي عنيف في أعالي الأحداث ليجمعها في بوتقة تاريخ ومناخ وأرض كردستان. فإذا كان ثمة حمزاتوف عراقي جديد، ذلك هو شيركو بيكس.وإذا كان ثمة مغنية صمت لشعرنا الحديث فتلك هي فليحة حسن.
كتابتي دعوة لقراءة فليحة حسن الشاعرة، وسماع صوتها الغنائي العذب الدفين وهي تنشد أحزان جيلها، شاعرة الأيام القادمة للقصيدة النسائية. أقولها وعمق دلالات ديوانها شواهد.
1
تفصح استهلال قصائدها التي توزعت بين الحروف والأسماء والأفعال بشكل متقارب، عن اعتباطية شعرية تحكمها صورة ذهنية مسبقة، واستهلالات من هذا النوع واخزة مشحونة باللحظة ولذا يكون ما يأتي بعدها قصيرا ومكثفا ولحظويا، ليس فيها ما يولد أو ينمو إلى أبعد من القصيدة نفسها، لذا تكون بحاجة إلى دربة أعمق للبدايات، تشعر وأنت تقرأ قصائدها أنها مقطوعة من سياق سابق، وكأنها نتوء يبرز في الطريق لا يمكن تجاوزه، القصيدة عندها تكملة لما سبقها، أو تواصلا لجريان لم ينقطع جاء لها في لحظة تحوله إلى صور بكلمات. بمثل هذا الاستهلال المكثف تعيد فليحة حسن إلينا أغنيات مفجعة سبق وأن عشناها سماعاً ولغة ومشاهدة وكأن القصيدة عندها محطات توقف في مسار طويل، لذا فجديدها هو صياغتها بحاسة المتحفية، حاسة العتق التاريخي للحال.
في دلالة العنوان ( زيارة لمتحف الظل ) تنقلنا فليحة من الجسد إلى الظل،من المرئي إلى اللامحسوس، من الولادة إلى الموت، ومن العلانية إلى الاختفاء، هذه الظلال التي تتشكل لغة مقروءة هي أعادة صياغة لتاريخ حالة ما، فالمتحف مختص بظلال الأحداث،وليس بالأحداث نفسها، لأن الأحداث لما تزال تترى وتعاش ولم تنته بعد في حين أن ظلالها هو ما يجب وضعه في تلك الأقبية الزمنية/ المكانية كي تُرى من قبل الأجيال.
(أيامنا مرهونة في قبضة التابوت
ها نحن نجلس خلف أكياس المخاوف
…………
والرب ينأى
بات أبعد من مدارات التكهن
بالوصول)
لا طلب نجاة من أحد حتى الله تخلى عن العراقيين
ولذا فكل الظلال تاريخية متحولة إلى أمكنة مادتها أننا نحيا في تراكم المحن. أما نحن، الزائرين لمتحف الظل، فسنجد هناك، قتلانا في الحروب وما فقدناه في الحياة، وما سوف نفقده أيضا.
2
الشعر العراقي مبادر إلى اكتشاف أمكنة وثيمات جديدة، مضمخة بالمثيولوجيا، وهذه طريقة بدأها السياب وتمعقت في الشعر وعدت جزءا من حركة الحداثة الأولى، لكن الأسطورة والمثيولوجيا التي قدمت لأول مرة نيئة في شعرهم كما هي ، في حين قدمت في الحركة الثانية للحداثة وهي تتداخل مع سياق المجتمع حياتيا وسياسياً أصبحت لغة وصورة متداولة ومألوفة ويومية، مثيولوجيتها معيشة ومؤولة ومعروفة وعن استعادة أجزاء من التاريخ كما في قصائد أدونيس وكريم كاصد وفاضل العزاوي. الشاعرة فليحة حسن تستعير المتحفية والظلال القديمة كأرضية تفرش عليها وسائدها لكنها تمزج بين أفلاطون في رؤياه المثالية والمثيولوجيا الإسلامية في رؤياها الدينية، وهذه نقلة جديدة في استثمار المثيولوجيا في الشعر،عندما لا تقدم الشاعرة المثيولوجيا كحدث مستقل- الحركة الأولى للحداثة-، وعندما لا تستثمرها كدالة على وضع- الحركة الثانية للحداثة- بل تجعل منها صورا جديدة، مستلة من أحداث واقعنا وما جرى لنا في الحروب. في هذا الديوان الصغير أشعر لأول مرة أنني أقرأ أحداثا مثيولوجية توضع في المتحف ونذهب لمشاهدتها ونعيش لحظاتها ثم نغادرها تاركين ظلالنا معها. فالشاعرة لا تستعيد مثيولوجيا، بل تولد مثيلوجيا عراقية جديدة.
(أيامنا مرهونة في قبضة التابوت
ها نحن نجلس خلف أكياس المخاوف
ساهمين
لنعد ما يبقى
من الأطراف في جسد الحياة
والأرض صارت تعلك الأجساد
تبصقها شحوبا للعناء
والرب ينأى
بات أبعد من مدارات التكهن
بالوصول).
هذه مثيولوجيا وليست قصيدة عن حال، إنها تجسيد لسلطة الفراغ بين أن نكون أو لا نكون، حتى أيماننا الذي يهيمن على مقدرات الدولة لا معنى له، هذه مثيولوجيا حديثة ليس فيها آلهة أو بطولات خارقة كل ما فيها أناس من زماننا هذا، ولدوا فوجدوا أنفسهم في حروب دائمة، مثيولوجيتهم أنهم يعيشون هذا الزمن.
3
في مفردات عنوانات قصائدها، تجد سعة الرؤية،فالأبواب المتعددة للدخول إلى مملكة الجسد،طرق مثيولوجية، حيث لا يوجد في المتحف غير الجسد، الجسد بمعناه المثيولوجي وليس بمعناه الكمي من أنه عدد من كيلوغرامات اللحم، هذا الجسد المثيولوجي الخفي الآتي من الحروب والسجون والاختفاء والقهر والتعذيب يمتلك مساحة من الرؤية هي القصائد، فالجسد كيان غائر وسري ودفين، أعد قراءة العنونات تجدها دعوة صريحة للدخول إليه.
الأبواب مداخل للجسد. الشاعرة تلغي الأزمنة، لا حدود وفواصل لرؤيتها لسنا إلا أناسا نتبادل الأقنعة عبر التاريخ، فما حدث في الأساطير يحدث في واقعنا اليوم، مثيولوجيا القدم تجد من يمدها بمثيولوجيا اليوم.فنحن نتبادل الأقنعة.
(الأساطير مرآتنا الكاذبة
ولي غاية في التفتت
كي يستعاد بناء الصروح
والسراب الذي قد تسمونه بالسراب
سيتعبه الركض في المستحيل
فيصبح نحن
أو
….. تتبادل الأقنعة).
4
تسعى الشاعرة الى تكوين بقعة خاصة بها في الشعرية العراقية هذه البقعة مؤلفة من ثلاثة مفردات هي:

الروح
الجسد
القارئ
هذه الثلاثية هي نواة حية للخلق وتجد في كل القصائد ما يدل على هذه الثلاثية!

Advertisements

Single Post Navigation

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: