موقع الأديبة د.فليحة حسن

الموقع الرسمي

– * هل القراءة ………تحتضر؟

هل القراءة ………تحتضر؟                                 

في أمس طفولتي القريب أتذكر حين كان والدايّ يهمان بالخروج في أيما سفرة وان كانت قريبة للاطمئنان على احد الأقارب أو بعض الأصدقاء كانا يغرياني بالمكوث في الدار بأن يجلبان لي عدداً من أعداد مجلة للأطفال ( مجلتي والمزمار)، وما أن وصلت الى أعتاب المراهقة حتى أهداني أبي ديوان ( قالت لي السمراء) لنزار قباني كهدية تفوق في المرحلة المتوسطة ، وكم من مرة أغواني أبي في القراءة حين كان يصطحبني الى مكتبة مديرية التربية حيث كان يعمل هناك ويطلعني على أسرار كتبها الأمر الذي جعلني ادخل عتبة الشباب وفي حوزتي مئات الكتب المقتناة بتمويلي المادي الشخصي وبلغ بي هوسي في اقتناء الكتب وقراءتها إنني كثيراً ما استبدلت ثمن الحلي الذهبية خاصتي بكتاب ،

وكم كنت وصديقاتي اللواتي تسربنّ الى أخاديد الزمن كلّ في فج مختلف نتبادل الدواوين والروايات فيما بيننا ونستنسخها باليد؛ فدفاتري ذات المائة ورقة مازالت  تحفل الى  الآن بروايات عديدة متباينة حجماً ونوعاً ومضاناً من أمثال (الصخب والعنف) لوليم فوكنر، (مملكة هذا العالم) لخوانيه كاربنتير ،ديوان المتنبي  وحتى الأجزاء السبعة لديوان الجواهري ،

لكني اليوم وأنا المدرسة للغة العربية في إحدى الثانويات يحدث أن اسأل طالباتي عن أسماء بعض الكتب التي تنزّ أسماء مؤلفيها من بين صفحات الكتب المدرسية المقررة فلا أجد جوابا صحيحا لها،

ومرة وقد تبقى من زمن الدرس وقتاً سألتهن عن عدد ساعات القراءة التي تقضيها كلّ منهن بعيداً عن الكتب الدراسية المقررة، فكان الاستغراب يسيطر تماماً على وجوههن وكأني تساءلت عن عدد  المجرات التي يتكوّن منها  الكون ،ثم يجبن جواباً بدا متفق عليه من قبل الجميع ( نحن لا نقرأ إلا الموضوع المقرر للدرس ) ،

أصابني نوع من الحزن وصرت اكرر سؤالي على  المدرسات زميلاتي واحدة تلو الأخرى فلا أجد إجابة تغاير ماسمعت سابقاً ،وكم هو مخيف انك تبحث عن القراءة لدى من يسمى متعلماً فلا تجدها ؛

سحبني الفضول الى دائرة أوسع في البحث والسؤال، حتى وجدت القراءة شيئاً مفقوداً لدى عموم المجتمع بمختلف طبقاته فلا المرأة ( الموظفة – ربة البيت )  تقرأ،

 ولا الشاب ( الطالب ، المتخرج ، العاطل عن العمل ) يقرأ،  ولا الطفل في سنوات تكوّن شخصيته الأولى  يجد َمنْ يهيئه للقراءة ،

وحين اصعد الحافلة ذاهبة أو راجعة الى مدرستي  يندر أن أرى من بين ركابها من يمسك جريدة أو كتاباً،فإذا ماصادف وان وجدت واحداً ممسكاً بكتاب أراه مشتت الذهن لايكاد يرى في صفحات ذلك الكتاب إلا خطوطاً مزدحمة بالكلمات ،

 فلماذا يحدث هذا؟

وأين يكمن السرّ في الجفاء الحاصل بين الكتاب والمجتمع ؟

هل السر في التكنولوجيا التي اجتاحتنا بأذرعها الأخطبوطية المختلفة؟ – الفضائيات وثقافتها الجاهزة، الانترنيت ومواقعه السهلة النشر والسريعة الانتشار-وغيرها من الأشياء التي استعيض عن القراءة بها؟

أم فينا نحن الذين صرنا نركن الى السهل المتيسر من المعلومات التي يوفرها لنا –مجتزئة ومبتورة – البرنامج المرئي اوالمسموع بدل البحث عن تفاصيل تلك المعلومة لإرواء عطشنا الفكري لها؟

أم في المؤسسات الثقافية – ومنها الجامعة –  التي صارت تسمى بالثقافية مجازاً؟

أم بدور النشر التي لم تعد تعتني بتربية ذائقة الفرد انطلاقاً الى تربية المجتمع وصارت تحرص حرصاً شديداً على طباعة كتب التنبؤات والأبراج  والأكلات الجاهزة وكتب الاحراز وبأغلفة معتنى بها تجذب الناظر إليها وتأسره من الوهلة الأولى فيقتنيها مسحوراً بها مأخوذاً بما هو مطبوع على أغلفتها؟،

أم في المدرسة التي صارت بها المكتبات مجرد ديكور لا يدخله الطلاب إلا مرة واحدة في العام الدراسي – في أسبوع المكتبات- حين يطلب منهم استقبال المشرف التربوي أو مدير التربية والتصفيق له ساعة قص شريط دخولها،

ولكي لا نبقى ننظر الى الإحصائيات التي توصل إليها المهتمون بهذا الشأن فنحسد  غيرنا ونندب حضنا والتي تقول إن ” المواطن الأوربي يقرأ مايقارب35 كتاباً في العام الواحد ويقرأ الإسرائيلي  40  كتاباً في العام الواحد بينما يقرأ كل  80 شخصاً عربياً كتاباً واحداً في السنة “

أقول لابد والحال هنا من وجوب مد جسور رابطة بين الكتاب والمجتمع ، وذلك بعدة طرق منها :

                   ·على المؤسسات الثقافية أن تقوم بطباعة كتب جيب  شهرية للمعلومة الثقافية بتوزيعها مجاناً أو بأسعار رمزية بين مختلف شرائح المجتمع وعدم الاقتصار في توزيعها على فئة واحدة فقط أو حزب معين .

                   ·طباعة كتب فكاهية وقصص مصورة بسيطة وأناشيد خاصة بالتلاميذ تحبب لهم القراءة في سنواتهم العمرية القابلة .

                   ·عمل ورش دائمية أو شبه دائمية من قبل مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الإنسانية للمطالعة وخصوصاً في العطلتين الربيعية والصيفية.

                   ·إقامة المسابقات في الثقافة العامة وبجوائز مادية أو معنوية نافعة  تشجيعاً   للحصول على  المعلومة المفيدة وغرس محبة القراءة والاطلاع .

                   ·جعل بحث التخرج مشروعاً سنوياً  يمتد ليشمل حتى الصفوف المنتهية من المدارس المتوسطة والإعدادية ولو بشكل مبسط  محاولة في تعويد الطالب على البحث والاستقصاء .

                   ·شمول المكتبات العامة – التي لم نعد نسمع بأن شخصاً يرتادها طواعية بعيداً عن تكليفه ببحث تخرج – بالدوام المسائي وتعين موظفين محبين للقراءة بدلا من أن نرى فيها المراقب الذي  يرهب المتصفح ويقاطعه بين لحظة وأخرى  مشيرا له بعصا  انتهاء الوقت.

                   ·فتح الإعارة الخارجية من قبل مكتبات الاتحادات والمؤسسات التي تعنى بالشباب والطفل والمرأة .

                   ·تشجيع القراءة من قبل المؤسسات غير المختصة بالثقافة مثل ملاجئ الأيتام  والرعاية الاجتماعية ودور المسنين  والنقابات العمالية والفلاحية وغيرها عن طريق إقامة مسابقات تعتمد على المعلومة  الفكرية التي تأتي من متابعة وقراءة ماهو جديد.

                   ·عمل مقارنات  نقدية أسبوعية أو شهرية  تضاف الى الجلسات الأدبية والاصبوحات بين بعض الأفلام والروايات المتحولة عنها بين مرتادي المؤسسات الأدبية ومتذوقيه تشجيعاً لقراءة الرواية المتحول عنها ذلك الفلم  خصوصاً ونحن نرى إن الكثير من الروايات قد تحولت أفلاماً مثل ( ذهب مع الريح ،العطر، وشفرة دافنشي ،الحب في زمن الكوليرا وعمارة يعقوبيان) وغيرها

نعم من واجبنا كمحبي قراءة أن لا نجعلها تصل الى مرحلة الموت والتلاشي فيظهر لنا من الفلاسفة من يقول بنظرية جديدة تبشر بموت القراءة ،

ليس من اجلنا نحن كأفراد عاشقين لها بل من اجل من يصلح لقيادة الجنس البشري القادم والذي أشار لهم  فولتير بقوله ( الذين يعرفون القراءة والكتابة ).

الإعلانات

Single Post Navigation

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: