موقع الأديبة د.فليحة حسن

الموقع الرسمي

– * مجرد رأي

مجرد رأي

منذ زمن ليس بالبعيد جداً كنت مدعوة لإحدى المهرجانات الشعرية في بغداد  والتي لم تكن تتم  إقامتها آنذاك  إلا برعاية رسمية من قبل الدولة،وكان ذلك  المهرجان  يقام تحت رعاية وزارية  عادة، وكم أفرحني ان كان  من بين الحاضرين الشاعر الكبير محمد الفيتوري الذي احتل المقعد الأمامي بجانب الوزير لحظة الافتتاح وحين أنهيت قراءتي التي جاءت ماقبل آخر المشاركين أسرعت نازلة من المنصة متوجهة الى الشاعر محمد الفيتوري وسلمته نسخة من أول مجموعة شعرية لي وهي” لأنني فتاة” والذي قام بدوره بتناولها  مني بفرح كبير وتقبيلها ووضعها فوق رأسه تعبيراً عن  احترامه وامتنانه أما الوزير فلم اعرف ما العلامات التي ُرسمت على ملامح وجهه لأنني لم انظر إليه قط ،

وحين انتهت الجلسة اقترب مني احد الشعراء الذين كانوا ضمن اللجنة التنظيمية للمهرجان وهمس في أذني قائلاً بان الوزير أوعز بعدم مشاركتك في العام القادم ورّد سبب ذلك  الى كون قصائدي تحمل طابعاً سوداوياً وإنها غير متفائلة ؛

فما كان مني إلا ان التفع بالصمت وأغادر  القاعة مثل الآخرين ، وفعلاً لم تتم دعوتي الى ذلك المهرجان بعدها ،

وقبل أيام  التقيت بذلك الشاعر عائداً من المنفى واسترجعنا  بعض الذكريات ومنها حادثة المهرجان تلك  وما فعله الشاعر محمد الفيتوري اتجاه ما قدمت له ،

 تذكرنا كل حركاته وملامح وجهه والفرح الذي بدا عليه حينها واستحضرنا أسماء كل من شارك في تلك الجلسة غير إننا نسينا اسم الوزير الذي كان المهرجان  تحت رعايته ولم نفلح باستحضار اسمه مطلقاً على الرغم من محاولات التذكر غير المجدية التي قمنا بها ،

هذه القصة التي مررت بها تجعلني استغرب وأنا أرى قوائم الترشيح لانتخابات البرلمان أو مجالس المحافظات وهي تعج بأسماء الأدباء والشعراء منهم على وجه الخصوص واستغرب كيف صار الشاعر يطمح بالحصول على مقعد في البرلمان ؟

 و أتساءل الى ماذا يسعى الشاعر من وراء ترشيحه ذلك ؟

الى مجد يخلّده  وهو الخالد بقصائده  ؟

وهل ُيذكر الساسة إلا حين تكتبهم القصائد هاجية  أو مادحة ؟

فمن منا مثلاً يعرف أو يخطر بباله ان يعرف  أسماء الحكام أو الولاة أو  الوزراء الذين عاصرهم  الشاعر المتنبي لو لم يمن عليهم ذلك الشاعر بذكرهم مادحاً أو تذكرهم  أفعالهم الشائنة  فيذكرهم قادحا ؟

ومن منّا يتذكر أسماء المحافظين الذين عاش في زمنهم  السياب ؟

ثم من يضمن ان السياسية لا تفسد الشاعرية كما فعلت مع بعض الشعراء ؟

وهل بالضرورة ان يكون الشاعر مبدعاً في قصائده وفي  عمله السياسي أيضاً؟

وهذا أمر مستبعد إذ بين التفكير الإبداعي والتفكير السياسي بون شاسع ،

فالتفكير الابدعي كما يعرفه أحد الباحثين العرب : (على أنه قدرة الفرد على الإنتاج إنتاجا يتميز بأكبر قدر من الطلاقة الفكرية، والمرونة التلقائية، والأصالة)

تحكمه وأين العمل السياسي من طلاقة الفكر والمرونة والتلقائية ونحن نعيش في زمن قبضة الاستبداد المتبرجة بأصباغ الديمقراطية الزائفة؟؛

أما الحديث عن  التفكير السياسي فهو حديث عن تدبير أمور المجتمع  والشؤون العامة  والتحكم في تسييرها  وتحقيق المصالح  بطريقة عقلانية بحته وفيه (يكون العقل السياسي مشتغلاً بأدوات عامة ومنطق موضوعي ليس بذاتي.)

والذاتية  تعد غالباً سمة من سمات المبدع وان حاول تخطيها الى ماهو موضوعي أو ماهو عام ،

أم تكمن وراء ذلك الترشيح طموحات مادية ، كان الأجدر بالدولة ان توفرها  لمواطنيها ومنهم المبدع حتى لا يلتفت الى غير إبداعه منشغلا فيه  ومحاولا صقله وإنضاجه،  أليس المبدع ثروة الوطن القومية التي لا تنضب ؟ – كما يدعي الساسة – أم إنها مجرد شعارات تُخط على بوابات القصور وتُجمل  بها الخطب كي لا تكون شوهاء ؟

 ولكن يبدو ان من رشح نفسه من الأدباء تجاهل لذة الإبداع التي أكدها  كلام  الجاحظ – رحمه الله – حين قال (لو عرف الملوك لذة ما نكتب لقتلونا )  ،

Single Post Navigation

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: