موقع الأديبة د.فليحة حسن

الموقع الرسمي

– * فرغات / لغة صامته

فرغات / لغة صامته 

ينفتح النص الشعري المعاصر على عدة قراءات قد تخضع احدها  إلى الشكل الكتابي الذي تولد فيه القصيدة ، فقد يسهم مثلاً “التقديم  ، والتأخير، الجملة الاعتراضية، الحذف، والفراغات الصامتة” بإخضاع المتلقي الى قراءة نابعة من الاهتمام بالشكل الظاهر للقصيدة ،

فلو أخذنا مثلاً من الفراغ  معياراً قرائياً لبعض القصائد التي يأتي بها ذلك الفراغ  لوجدنا فيه ما يثير في  المتلقي معنى معين أو معاني عدة ،

 أي إن هذا الفراغ يسهم في إيصال  رسالة أخرى يتبينها المتلقي  خصوصاً أن  استعملت هذه الفراغات بوعي كتابي،

فلو قرأنا قصيدة( لعبة مسلية) للشاعر أمير ناصر من مجموعته (طعنات أليفة) والتي شكلها كتابياً على شكل مقاطع أربعة واتخذ رابعها الشكل الآتي:

4- الياقوتة على المقبض

والدم في النصل

……………

…………….

…………….

……………..

………………..

………………….

………………….

لماذا …………

……(فائق حسن)

ألحس الحلوى عن ( الكاغد )

فالشاعر هنا ينقل متلقيه الى صورة قديمة جديدة  ، يظهر فيه اقتران السلطة  بالموت  وهذا ما يمكن تبينه في الكلمات ( الياقوتة ، المقبض / الدم ، النصل)، وحتى في استعماله حروف الجر هنا ( على، في ، عن  ) ومدى تأثيرها على تلك الصورة ، 

وهو إزاء هذا السلطة يستدعي صورتين للصمت صمته  وصمت متلقيه، فالشاعر هنا صمتَ وأصمتَ متلقيه وحين يقطع سلسلة الصمت تلك تساؤل  مثل ( لماذا) لا يجد إجابة له سوى الصمت أيضاً،

    إلا إن استدعاء  اسم (فائق حسن)  هنا  قد جاء تخفيفاً  من حدة الجمال الدامي الذي رسمته وترسمه السلطة، وكأنه أراد أن يؤكد إن ما يأتي به  الفنان من جمال هو الابقى أمام الجمال الدامي ،

 لكنها حقيقة لايمكن الوثوق بها من قبل الشاعر نفسه لأنها غير قابلة للتصديق الفعلي ،

فلا يجد إزاء هذا المشهد سوى التخفيف من حدة حضوره الحتمي بتجاهله أولا، ومواجهته بحركة طفولية ثانياً تتلخص بـ( لحس الحلوى عن “الكاغد” ) برغم من إن استعمال كلمة ( كاغد)  أضفت على الصورة محليتها ، فبدا مثول الموت السلطوي عراقياً بحتاً ،  

هذه القراءة ولدتها قراءتي الفراغات ،وقد تتعدد تلك القراءات باختلاف وعي المتلقي  وإدراكه ، بمعنى إن هذه الفراغات منحت القصيدة رحابة لغوية نحو معنى مخبوء ،

فالفراغ في القصيدة لايصلح أن يكون فراغاً أبداً ،

بمعنى إن الفراغات الصامتة هي في الأصل لغة مخفية وظاهرة في آن واحد، يأتي بها الشاعر بغية إشراك متلقيه  فيما يكتب،و أمر إدراكها متروك  للمتلقي وما يحمل من  وعي وذائقة ،

 

                   ·لا عالمية بالصدفة ؛                 فليحة حسن

يعد الشاعر الألماني جوته من أوائل الذين روجو لمصطلح ( الأدب العالمي) ومنذ عام 1827 حين قال : ” أنا مقتنع بان أدباً عالمياً تشكل وبأن جميع الأمم ميالة إليه ، وتبذل جهوداً ثمينة في هذا الاتجاه “، وبعيداً عن الغائية السياسية الكامنة وراء هذا المصطلح والتي أراد من ورائه  جوته إلاعلاء من شان الأدب الألماني وجعله بمصاف الأدب العالمي آنذاك- كما يذهب المحللون-  فان الأدب العربي بقيّ رهين محبس خارطته ومتكلميه ،

ولم يقترب من فضاء العالمية إلا  مؤخراً وعند انتصاف القرن العشرين  تحديداً ، اي حين ولج ذلك الأدب وخصوصاً الرواية منه مكامن السرية المهموس بها والكلام غير المباح ،وعبرعن حقيقة تجارب معيشة لا تخلو من الجرأة  مستعيناً بالذات الفاعلة كراوٍ لها  ، فظهرت روايات عربية  خاضت في  منطقة الأحاسيس البشرية المخفية  ،وجاءت كتدشين للغة معبرة عن ذات مبدعها، بمعنى إن  الوعي بالذات  بلغ حدّ التعبير عنها وصياغتها على شكل ألفاظ، وذلك التعبيراضفى عليها نوعاً من التناسق مع الوجود الإنساني الذي ألغى الاختلافات بأنواعها  وأكد على ذلك  الوجود مانحاً إياه قيمة عليا أولى ، إذ إن الولوج الى مكامن الذات ومحاورتها يسحبنا الى تتبع أسئلة تتعلق بالوجود اولاًوتفضي الى التأمل في الكون ثانياً ،

  كما  إن من العوامل التي أسهمت في تقريب الأدب العربي من فضاء  العالمية هو ترجمته الى اللغات الحية، وخاصة الانكليزية والفرنسية فاللغة العربية-  بعيداً عن سمة القداسة المتشحة بها-  مع الأسف الشديد قاصرة عن التسويق الإبداعي أي إن عدم انتشارها دوليا يقف عقبة كأداء أمام انتشار من يكتب بها ،

فالترجمة تتيح للكاتب قدرة على الوصول به الى أصقاع واسعة من العالم ،  ناهيك عن سوء توزيع المطبوع العربي أصلاً،

مضافاً الى ذلك إن البعض من روائينا العرب لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن مناطق أخرى صالحة للتعبير الكتابي وأصروا على  البقاء في  ماهو مكتشف  من مناطق بوح ، بحجة الحفر من اجل التعمق ، حتى صارت غالبية الروايات العربية مكررة في طروحاتها  وفي شكلها الكتابي،

 ولو تساءلنا مثلاً لماذا حلقت روايات من مثل ( اسمي احمر أو اسم الوردة أو العطر أو شفرة دافنشي ) على اختلاف مشارب كتابها بأجنحة العالمية ؟

والجواب على ذلك عائد- في اعتقادي- الى ولوج كتابها الى مناطق جديدة في الكتابة،بالمقابل نرى الروائي العربي  يتهيب البحث عن مناطق كتابية غير مكتشفة ، وربما هذا عائد –كما أظن ايضاً- لخوفه من سوء  الفهم ،ومن ثم خسارته لمتلقي مدمن عليه ، متناسياً إن الرواية منطقة إبداعية متحولة لاتقف على أرضية ثابتة يمكن الاطمئنان إليها،

 هذا لا يعني  مطلقاً الابتعاد عن التراث ونبذه جانبا بل على العكس  من ذلك إن الاطلاع على تراث العربي ومحاولة  استيعابه واستكناه خباياه يمنح المبدع ركيزة مانحه للقوة أشبه ما تكون بدرعٍ واقٍ من السقوط في هوة الاغتراب عن عالمه العربي،

 ولو تساءلنا بعد ذلك هل تولد الرواية العالمية في الوطن العربي ؟

بمعنى اخر هل الوطن العربي تربة صالحة لتلك الولادة ؟

خصوصاً وان ان ملامح المحلية ليست نقية تماماً في الرواية العربية اذ ان كاتبها العربي لم يترك له الاستعمار افكاراً مستقلة ومستقرة ليحيا تلك المحلية او يفكر بها  ؛

وان العالمية لاتعني تبني طرق تفكير الاخر في الكتابة لان هذا الامر ترفضه الخصوصية ،

وانها -كما ارى – تاثير في الاسلوب ليس الا ،

فالادب العربي يمكنه بعد ذلك ان يصبح عالمياً اذاما صار له عوامل تاثيرعلى من حوله،  فليس من الصعوبة بمكان ان نجد البساط السحري محلقاً في سماء  القطب الشمالي  شرط ان نقنع ساكنيه بتماسك نسجه وقدرته الفائقة على حمل ركابه والرحيل بهم الى افق اعلى.

Single Post Navigation

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: