موقع الأديبة د.فليحة حسن

الموقع الرسمي

– * علم دار

علم دار 

في احد أيام الصيف الذي لم يفرقنا إلا منذ مدة قليلة ، أصابني عطش شديد جعلني اقصد إحدى الأسواق (السوبرماركت) – كما يحلو للبعض أن يطلق عليها تماشياً مع ركب الحضارة – وكان مطلياً باللون الوردي وكنت احتفظ له في ذاكرتي  باسم ( ليمونة) وهو المحل الأكبر في شارع اقطعه يومياً وصولا الى مدرستي ،

 و(ليمونة) اسم أطلقه عليه مالكه منذ أعوام عدة مزيناً به لافتة ضوئية بيضاء توج بها رأس محله ذاك ، فطلبتُ من البائع  قنينة ماء بارد، فاستجاب لي مع ابتسامة اعتاد أن ُيرضي بها زبائنه ويكسبهم إليه ،

 تناولتُ منه القنينة وأزلتُ غطائها ورفعتها استعداداً لانسكاب ما فيها من ماء في فمي المتلهف له، وأغمضتُ عينيّ وأنا احتفظ في مخيلتي لمذاق العصير الذي سينسكب من قنينة الماء  كون ما اشربه الآن هو ليمون،

 وهي صورة ذهنية  استدعاها اسم المكان ( أسواق ليمونة) وغمرني بمذاقها ، غير إني وخوفاً من استغراقي في لذة حلم يقظة لا ينتهي ، فتحتُ عينيّ فوقع نظري على صورة لملامح قاسية  بها من أخاديد الجبروت الشيء الكثير وحفرتها معاول الغضب بمهارة كبيرة مكتوب الى جانبها أسواق (ميماتي ) حينها سقطتْ من يدي قنينة الماء وأطفأ الاشمئزاز رغبتي  منها في الارتواء ، ولم استطع أن ابتلع ما في القنينة من ماء ، إذ ما اقترب من فمي لحظتها لم يكن عصير ليمون كما تخيلته ولا ماءً بارداً كما هو فعلاً،

بل مذاق لزج وسيولة دم ارتبط بملامح هذا الممثل الذي قدمته لنا الدراما التركية شريراً ،عنيفاً وفرداً من أفراد عصابة ( وادي الذئاب ) ،

 بالكاد تمالكتُ نفسي من غضب اجتاحها وأنا أسأل البائع لماذا، لماذا استبدلتم  عصير الليمون بالدم؟ مشيرة للافتة الضوئية وصورتها الجديدة،

فغر الرجل فاه دهشة لسؤال غير متوقع من امرأة عطشى ، ثم استدرك قائلاً أنها وسيلة دعائية جديدة للأسواق والمحلات، يبدو انكِ لم تلاحظي باقي الأسواق في هذا الشارع في الأقل ؟،

خرجتُ من المحل بعد أن تركتُ القنينة المفتوحة في مكان استطاعتْ أن تصل له يدي دون أن ُيمس ماؤها ، وصرتُ أتمعن في لافتات المحال فوجدتُ غالبيتها وقد فارقتْ أسمائها القديمة الى أسماء جديدة أخرى،

 فصارتْ محلات الحلاقة محلات (مراد علم دار) والمقهى سميّ بـ(وادي الذئاب) ولم ينتهِ الأمر عند هذا الحدّ فقد صارت بعض أنواع  الحلوى و(المعجنات والجبس) تزين بصور القتلة ودعاة الحروب فما أن تشتري لطفلك كيس بطاطا مجففة حتى تصدمك صورة مراد علم دار أو احد أفراد عصابته شاهراً مسدسه في وجه ذلك الطفل ،

 ليس هذا فقط فقد تزينتْ بتلك الملامح القاسية ملابس أطفالنا وشبابنا وصارت الذائقة الشرائية لمجتمعنا  تذعن لهذه الرغبة حتى غدا  الطفل أو الشاب يشعر بالزهو حدّ الانتشاء حين يجد صورة أو صور أفراد العصابة تلك مطبوعة على صدره ،

فأين نحن من هذا الذي يحصل ؟

ولماذا لا نجد من ُيطالب بإيقاف استيراد  تلك البضائع للعراق ؟

وهل العراق بحاجة الى عصابات جديدة يتبناها ويحتضنها ويربي أبنائه على أخلاقها ؟

 وهو الراسخ من زمن طويل تحت وطئ عصابات نتمنى لها الأفول والتلاشي ؟

ومن الملفت للنظر أيضا  إن بعض البضائع الموشومة بالموت والدم ومروجيه من دعاة الحروب قد ُكتب عليها ( مستوردة خصيصاً للعراق) فلماذا العراق بالذات؟

 هل لأنه كان ولما يزل سوقاً مستهلكة للخراب والدمار؟

 أم إن شعبه غير قادر أبداً إلا على رؤية الدم وتذوقه ؟

وإذا كنّا لا نستطيع إلا أن نوشم صدور قمصاننا  بالصور، فلماذا لا نزينها بصور دعاة السلام والبناء؟

فنضع عليها صورة (غاندي) مثلاً أو صورة الشهيدة( مارجريت حسن )، أو غيرهم ممن ناضلوا في سبيل إسعاد البشرية حدّ تضحيتهم بحياتهم وتقديمها قرباناً لمبادئ السلام تلك ،

 فإذا ما تساءل أطفالنا عن تلك الصور،بيّنا لهم ما قاموا به من مواقف وما قدموه هؤلاء  للإنسانية وما سعوا جاهدين في سبيل تحقيقه،

 أم إن صور السلام يروّج لها بأصوات النايات الهامسة فلا نكاد أن نسمعها  وصور الحروب ُتقرع من اجلها الطبول حتى تصم آذاننا وتهشم دواخلنا وكيف لنا أن نخشى صوت الناي و نرضى  أن نحمل على صدرنا طبل حرب ؟؛                                                                            

Single Post Navigation

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: