موقع الأديبة د.فليحة حسن

الموقع الرسمي

– * جغرافية القصيدة أين؟

جغرافية القصيدة أين؟  

لا ادري لمَ أحالتني قراءتي  لقصيدة (وطن) للشاعرة “فرح دوسكي” والتي نشرتها على ثقافات  مركز النور قبل مدة  الى صورة  الطلل في الشعر العربي القديم فبكيت حتى شرقت بدمعي متمثلة  قول عمرو بن الحارث بن مُضاض :

 وقائلة والدمع سَكْب مُبادر

                          وقد شرقَتْ بالدمع منّا المحاجر

 

كأن لم يكن بين الحَجون إلى الصَّفا

                           أنيسٌ، ولم يَسْمُرْ بمكّة سامِر

  و لعل من الأمور اللافتة في هذه القصيدة / المتشظية هي الفواصل، فواصل الدخان و الرماد والحضور المكثف لومضة لا ترى غير الموت المتسع ليشمل القصائد / الوطن، حتى صار الدمار   يشكل عنصراً بنيوياً مهيمنا ًفيها لا يمكن إغفاله عند قراءة  تلك القصيدة ،

وبالرغم من وجود هذا الكم الهائل من الدخان الذي تكدس على نوافذ وطننا مازلنا نكتب ونتغنى به لأننا ببساطة ( أُناسُ لاَحِقونَ بأرْضِنا)- كما يقول النابغة الذبياني ،

 فاستحضرت حينها ما كنت قد قرأته عن رحلة قام بها المستشرق( وليم بولك ) حين أراد أن يترجم معلقة لبيد التي مطلعها :

 ِعَفَتِ  الدِّيَارُ   مَحَلُّهَا   فَمُقَامُهَا          بِمِنَىً  تَأَبَّـدَ  غَوْلُهَا  فَرِجَامُهَـا

 باحثا فيها عن الأماكن التي وقف عليها لبيد باكيا حبيبته الظاعنة؛  فكان أن استأجر( وليم بولك )  جملاً ،واخذ يقطع صحراء ( النفوذ) الشاسعة يتمثل بها الأمكنة التي جاءت في تلك المعلقة ،

والجميل في الأمر إن هذا المستشرق  استطاع أن يقف على أطلال القصيدة المذكورة  – كما يقول –  بالرغم من تقادم العصور ومرور الزمن وكأن تلك الأطلال لم تدرس بفعل عوامل التغير الكثيرة التي مرت بها ،

ويبدو إن الحال نفسها مع أماكن أخرى ُذكرت في المعلقات ، فربما وجد شوا خصها دارسون آخرون يخبرنا البحث بأسمائهم  إذا ما اجتهدنا في سبيل معرفة  ذلك ،

 فإذا ما تساءلنا عن سر ذلك البقاء فهل إن جوابه حقاً يعود الى(عزلة المكان الكبيرة التي تحصنه من تأثيرات العالم الخارجي وتقيه هجنة الاختلاط) – كما يرى  الناقد امجد ناصر ؟

وإذا ما كان المكان اسم مشتق من الكون الذي يعرّفه لسان العرب  بالحدث،

وهو اسم يدل أيضا على ( على موضع الحدث والخلق والوجود والاستقرار والصيرورة )، وإذا ما كان  الزمان والمكان عنصران مهمان لفهم الشعر،

 و(الأماكن الطللية في الشعر الجاهلي، ما هي إلاّ تأريخ مجغرف كما يقول)الدكتور صلاح نيازي،  وان (الانتساب إلى المكان يزاحم الانتساب إلى الآباء والأجداد)-كما يرى الدكتور احمد مصطفى سيلم- فهل من مجيب لإسالتنا البسيطة التي أولها

   إذا ما غاب عنا الوطن مع وجودنا فيه فالى أين ننتسب ؟

 وكيف نفهم القصيدة إذا ما كُتبت عن الوطن ونحن نجهل ملامحه وحدود خرائطه  ؟

ولماذا  نجهل أماكن أوطاننا في القصائد التي نخطها اليوم ؟

هل لأن أوطاننا لا وجود لها على الخارطة وإنها ،صارت مجرد تكوينات ذهنية قابلة لتلاشي وبضغطة زر متى ما شاء الآخر، وازدادت الفجوة بيننا وبينها عمقاً بحجم الجحيم الذي يحتويها؟

وإذا ما أراد باحث أو دارس ما – بعد حين – أن ينصت الى صوت الذكريات المكانية فيما كتبناه من قصائد كيف يتسنى له  ذلك؟

ومتى يصبح المكان نورا تستضيء به الذات في الولوج الى ذكرياتها؟

ولماذا اختفت من قصائدنا تجربة جغرافية المكان بملامحها الخاصة واكتسى وطن جميع شعراء العراق  بالرمادي أو قتامة اللون الأسود الكالح؟

هل الأمر يتعلق بالشاعر وما اعتاد أن يراه الآن  من جراحات وطن لا تلتئم ؟

  أم بالساسة وما يتأبطوه من شر يسيح من ظلالهم ليغطي وجه الوطن ؟

أم إن وطننا يحتاج لعزلة تقيه هجنة الاختلاط ؟

 ومتى يستطيع المبدع أن يحتفظ بوطنه  رغم الموت المتوالد كـ(دار الحفاظ)  يصبر على الإقامة فيها، ويذود عنها ويرسم لها خرائط لا ُتخترق وان كان ذلك شعراً .

Single Post Navigation

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: