موقع الأديبة د.فليحة حسن

الموقع الرسمي

– * الشاعر، كائن خاص أم نبات طبيعي ؟

الشاعر، كائن خاص أم نبات طبيعي ؟ 

يصنف بعض المنظرين أخلاق العناية على إنها( نظرية أخلاقية تحل محل النظريات الأخلاقية السائدة أمثال الكانطية والنفعية والارسطية) أما البعض الآخر فيراها وكأنها (نوع من أنواع أخلاق الفضيلة)،

 فان كانت أخلاق العناية تقدر الانفعال ولا ترفضه فهل  يحق للشاعر أن يعبر عن ما في داخله بمصداقية بعيداً عن انتقاد المتلقي  ؟

بمعنى آخر أن لا تكون الانفعالات المعبر عنها كقصائد من لدن الشاعر انفعالات انتقائية خشية خطأ التلقي؛

والى أي حد يمكننا أن نتخذ من نظرية أخلاق العناية كنظرية صالحة للتطبيق بين الشاعر ومتلقيه؟

أي إننا نتوسع في قراءتنا لأخلاق العناية فننقلها من إطارها الخاص– كأخلاق أسرة – الى إطار أعم لتشمل العلاقة بين الشاعر والمتلقي ، لأنها ببساطة وكما يرى لورنس بلم ( غير قابلة للفصل عن الاهتمام بالذات ) ، خصوصاً وان المتلقي يبحث في ذات مبدعها الشاعر -المنقولة له بهيئة حروف – عن ذاته هو،

  واخص الشاعر هنا لان القاص والروائي ربما تتاح له مساحة أوسع للولوج الى مناطق تعبيرية تتطلبها بل ربما  تفرضها تقنيات القصة أو الرواية عليه  فرضاً، ومن ثم فان أصابع الانتقاد السلبي لاتشير إلا لما يسيء لتقنياتها،

 بينما ضيق المساحة التعبيرية في القصيدة يجعلها ببساطة عرضة لانتقاد ما يظهر على سطحها من انفعال .

من هنا توجب على المتلقي أن يفهم الشاعر كعضو ضمن  مجتمع تؤثر فيه العلاقات الاجتماعية ، وان يكوّن معه بعض العلاقات الاعتنائية ،

خصوصاً وان الشاعر كائن اجتماعي يؤثر ويتأثر بما حوله من ظروف وليس نباتاً طبيعياً ينمو من تلقاء نفسه،

وان يبتعد المتلقي   قدر الإمكان عن النظرة الاستعلائية أو الدونية – بحسب شخصيته- ويتصرف بطريقة احتوائية بعيداً عن الاستهجان أو التفسيرات الخاطئة لما هو مطروح أمامه  من لدن الشاعر،

لأن ما يربط بعضنا ببعض كـ( مبدع ومتلقي) يأتي أولاً ،وان الاستقلال عن الآخر( كفرد أو مجتمع) غير متحقق إلا ما ندر؛

إذ إن الإنسان كائن اجتماعي علاقاتي ،تهمه الروابط  ويسعى الى تمتينها وتنميتها، وليس كما يقول مايكل ساندل(إن ما يفصل بعضنا عن بعض يسبق بمعنى مهم ما يربط بعضنا مع بعض…فنحن أفراد مستقلون أولا وبعد ذلك نشكل علاقات ) ،

وبما إن الشاعر كائن شفاف  غير قادر على تسكين أو إذابة  مشاعره متى ما أراد ومن ثم  فان ظهور تلك المشاعر في قصائده يعدُّ من الأمور الطبيعية  وان َكثُرتْ،

خصوصاً و إن  كانت تلك المشاعر المعبر عنها  من النوع  غير المضر بالمجتمع أي إنها ليست سلبية كـ(القلق ، والتوتر، والغضب والإحباط ) ،

 ليس هذا فقط  بل إن الشاعر أحياناً تحبسه الظروف في منطقة انفعالية واحدة مدة طويلة من الزمن من مثل حزنه بفقدان احد أحبائه ، فيمكث في تلك المنطقة الانفعالية مدة  أطول من غيرها  فيبدو لمتلقيه  متمسكاً بمشاعر دون أخرى،  وتصبح تلك المشاعر طاغية على ما يكتبه حتى تغدو  كمهيمنة دالة على إبداعه،

حينها نرى المتلقي يجعل من ذلك الحزن هوية لذلك المبدع  ،

  وربما يضفي على قصائده لقب  السوداوية متناسياً انه لو امتلك نفس الأدوات التعبيرية ووضعته الظروف بنفس المنطقة الحزنية لكان قد عبر عما عبر عنه ذلك  الشاعر وبالصورة ذاتها  أو يزيد  ،

من هنا يتوجب علينا كمتلقين لقصيدة ما، أن لا نتناسى إننا نبحث في تلك القصيدة عن ما يختمر في ذواتنا من مشاعر نحن في الأصل غير قادرين على كبحها أولاً ولا الإفصاح عنها بصورة صحيحة وصحية  لافتقارنا للقدرة التعبيرية التي تمكننا  من صياغتها وتحويلها الى كلمات ثانياً ،

مما اضطرنا الى الاستعانة بمن ترجمها لنا كما يجب وأعني  الشاعر ،

فيثبت لنا من خلالها انه كائن من طراز خاص ابسط ما يفعله انه يهدينا صورة جلية لذواتنا المخفية.

الإعلانات

Single Post Navigation

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: