موقع الأديبة د.فليحة حسن

الموقع الرسمي

– * الذاتية كما اعتقد

الذاتية كما اعتقد

(الذاتية عطر معتق في زجاجة مغلقه)

بهذه القراءة واجهني احد الأصدقاء معلقاً على نص منشور لي في احد المواقع الالكترونية وكأنه أنكر عليَّ أن اكتب نصاً اعبر به عن ذات عاشتْ، فأحستْ، فكتبتْ، وأنه لا يريد من المبدع إلا أن يكون موضوعياً لينطلق الى المتلقي بعيدا عن دواخله ،ولا يلامس في كتاباته  إلا الأفكار العظيمة مبتعداً عن المشاعر خاصته ،

ويربط صديقي -المعلق – الشاعر بوظيفته الأولى في العصر الجاهلي واعني  كونه لسان حال قبيلته المعبر عن أفراحها وأتراحها،متناسياً  كيف كانت القبائل تحتفي بولادة شاعر فيها  حتى قال ابن رشيق : (كانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها وصنعت الأطعمة واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر كما يصنعون في الأعراس ويتباشر الرجال والولدان ….وكانوا لا يهنئون إلا بغلام يولد أو شاعر ينبغ أو فرس تنتج)

  متناسياً إن الشاعر -العربي بعامة  والعراقي بخاصة-  اليوم ينبغ ويتألق ويموت غريباً حتى في وطنه  دون أن تحتفي مؤسسة به أو تكافؤه بطبع نتاجه الشعري ،فلماذا لا يحتفي بذاته هو فيعبر عن مكنوناتها  بقصيدة تعكس ما يعيشه من الم ومأساة ،

ولماذا إذا ما عبر الشاعر عن تجربة معيشة استهجن عليه المتلقي  ذلك الأمر؟

 فإلى أي حدّ  يستطيع المبدع أن يكون موضوعياً في التعبير عن  تجاربه الخاصة ؟

وهل سيكتفي  ساعتها  أن يكون  مؤرخا ناقلا للحقائق فقط غير متأثر بها؟

وهو الذي يرى العالم من خلال ذاته هو؟

وهل إن منطقة الذات منطقة مستحيلة الولوج من قبل الآخر كونها منطقة معتمة لا توجد فيها نقطة ضوء مشتركة يمكن أن يطل بها المتلقي  على الذات المبدعة ليكتشف انعكاس ذاته بها ؟

وإذا كان الأمر كذلك فلماذا نسمح للقصائد الذاتية بالتسلل الى أعماقنا والسكنى فيها حدّ إن آهاتنا تتزامن مع أهات شاعرها فتنطلق معها ،فمن منا مثلا لا يتوجع مع المتنبي حين يقول :

أرَقٌ عَلى أرَقٍ وَمِثْلي يَأرَقُ                              وَجَوًى يَزيدُ وَعَبْرَةٌ تَتَرَقْرَقُ

جُهْدُ الصّبابَةِ أنْ تكونَ كما أُرَى                         عَينٌ مُسَهَّدَةٌ وقَلْبٌ يَخْفِقُ

ومن منا لا يتعاطف مع ذاتية السياب وهو يطلب من حبيبته أن تبادله الحب بقوله

أحبيني

 لأن كل من أحببت قبلك لم يحبوني،

ومن منا لا يتبنى دعاء محمود درويش مع ما به من ذاتية مفرطة  عند الأزمات

يا الهي أنا لم أسألك حملاً هيناً

يا الهي أعطني ظهراً قوياً

اعتقد إن المبدع كلما كان ملتصقاً بذاته قادراً على الإفصاح عن خلجاتها مصوراً لما يعتمل فيها من أفكار أو مترجماً لما عاشه من تجارب كلما كان اقرب الى متلقيه لأنه حينها يستطيع أن يجمع ذوات متعددة في ذاته الواحدة ويعبر عنها بإخلاص ، وهذا هو الفرق بين الذاتي والشخصي الذي اعني به الموضوع الذي يهم شخص المبدع دوناً عن سواه ،

ليس هذا فقط فأنا مع من يقول إن الذاتية هي طريق معبدة للوصول الى العالمية ، وربما ذاتية ماركيز جعلته واحداً من أهم كتاب الرواية في  العالم ،

  يقول الشاعر الروسي  يفغيني يفتوشينكو:  (من واجب الشاعر أن يقدم لقرائه مشاعره وأعماله وأفكاره على راحة يده، وعليه كي يحظى بإمكانية التعبير عن حقيقة الآخرين أن يدفع الثمن بالكشف عن حقيقته من دونما رحمة أو شفقة…نعم  الشعر امرأة حقود، لا تغفر الكذب ولا ترضى بنصف الحقيقة)

لذا فانا لا أعدك ياصديقي – وأنا الشاعرة- أن اجلس في غرفتي التي لاتفارق وجه القبور أن انبذ ذاتي واكتفي بالتفكير بمستقبل الوطن العربي ،

Single Post Navigation

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: