موقع الأديبة د.فليحة حسن

الموقع الرسمي

– * الحداثة وما بعدها

الحداثة وما بعدها

من زمن ليس بالقريب ومصطلح الحداثة تلوكه الألسن حتى صرنا نسمع به كل حين في مجالسنا الأدبية فلا يخلو حديث من الأحاديث الأدبية  من هذا المصطلح وأصبح َمنْ لا يتشدق به ُيركن في خانة المتخلفين عن سرب التطور ،

متناسين أن هذا المصطلح الغربي الأصل لم يعرفه العربي إلا  بعد أن صدّرته لنا أوربا ميتاً ،

فالحداثة ” modernus” مصطلح لاتيني  يقصد به” الآني، الحالي، المعاصر، وضدّ القديم” ، وُيرجح  بعضهم ظهوره إلى عام 1517 وإلى  قيام حركة مارتن لوثر في أوربا تحديداً  ، ومنهم من يذهب الى إن إرهاصات الحداثة وان ظهرت في القرن الخامس عشر إلا إنها لم تستقر في أوربا إلا  في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وقد كانت إيطاليا المهد الأول لظهورها  ،

وليست الحداثة واحدة لدى مختلف الشعوب فالحداثة الأمريكية- كما يرها بعضهم – ” موازية متسارعة، ليس لها أجداد ولا تاريخ” في حين  يذهب آخرون الى إن الحداثة اليابانية  “استلهمت معطيات الثقافة الغربية بشكل مرن” ووصفت الحداثة الروسية بـ”الاستدراكية التي تفتقر إلى مرجعية ماضوية ولا تلتزم بحتمية التطور التاريخي”.

أما العرب فلم يتعرفوا على هذا المصطلح إلا بعد لقائهم بالغرب واعني في عصر النهضة ،

 ولكن شخصية العربي المرتكزة  على التراث وعدم وجود أرضية صالحة

لهذا  المفهوم الوافد الجديد جعل الحداثة  تتراجع خاصة  بعد حرب حزيران 1967، لأن العربي  وجد فيها  حالة من الفصام بينه وبين تراثه ، بمعنى إن وصولها الى المجتمع العربي لم يكن وصولا موفقاً ، ومن ثم اتصفت بعدم الفاعلية في ذلك المجتمع ولا جدواها فيه ،

والمتتبع لهذا المفهوم يراه وقد نبع من الفكر الغربي ولم يستورد له أو يفرض عليه فرضاً الأمر الذي جعلها ترتقي بالحياة الغربية نحو العقلانية في “الفكر والفن والإبداع “على العكس مما حدث مع العرب الذين لم يتقبلوها حتى ُعدت الحداثة العربية وجهاً من وجوه الخضوع للاستعمار ونوع من الارتباط “الانطولوجي بالفكر الغربي” ، فليس هنالك “تحديث  إلا مع التغريب “- كما يشيعه بعض المفكرين العرب – ،

ويبدو إن العربي لم يشفَ من صدمة الحداثة حتى ُصدم بمصطلح آخر هو ما بعد الحداثة ، الذي جاء استخدامه الأول من قبل المفكر (أرنولد توينبي) عام1959والذي مثل عنده “اللاعقلانية، والفوضوية، والتشويش”،

وكان أهم ما قامت به فلسفة ما بعد الحداثة  العمل على  تعرية الحداثة وإيضاح نقاط ضعفها وإصابتها في مقتلها حتى تم إعلان “موت الحداثة”

 والتقارب الزمني في الوصول  بين الحداثة ومابعدها جعل المفكر العربي ينظر إليها على إنها ليست أكثر من  ” سرعة ثانية للحداثة” كما جاء ذلك في كتاب الحداثة وما بعد الحداثة الدكتور محمد سبيلا،

وحين يعرف بودليرالحداثة قائلا : أنها  حضور الأبدي في اللحظة العابرة فيما هو مؤقت”. يجعلنا نتساءل كيف يحضر الأبدي في اللحظة العابرة بغياب سحر العالم الذي تنادي به الحداثة حين تدعو الى فصم الائتلاف والوحدة بين السماء والأرض ؟

فهل بعد ذلك لا يبدو مصطلح  ما بعد الحداثة إلا ظلا لحداثة ميتة ؟؛

 وكيف لظل الجثة أن يستقيم؟ ؛

Single Post Navigation

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: