موقع الأديبة د.فليحة حسن

الموقع الرسمي

– * أين المتلقي ؟

أين المتلقي ؟ 

منذ أمد ليس بالقريب والملتقيات والمهرجانات الأدبية ( الشعرية والسردية ) تقام بلا متلقٍ ،وصار من يحضرها المشارك فيها فقط والمتلقي الطارئ /(جمهور المسؤول) واعني بهذه التسمية كلّ من  يؤتى به  في اليوم الأول من المهرجان أو الملتقى لاستقبال المسؤول الذي تقام تلك الفعالية تحت رعايته والتصفيق له، والذي تنتهي مهامه ساعة مغادرة الأول للقاعة، فنراه يتسرب من مقاعده خارجاً معلناً عن بقاء تلقي النصوص لمنتجيها ومنظمي تلك الفعاليات فقط ،

فإذا ما تساءلنا عن غياب المتلقي عن فعالياتنا الأدبية تلك لتبينت لنا عدة أسباب منها ما يتعلق بالمبدع ومنها ما يتعلق بالمتلقي نفسه ،

فالباحث في كلمة التلقي يجد من بين معانيها في نظرية الأدب “التأثير” وهذا التأثير  يتوجب وجوده في النص المنتج لكي يجد متلقيه،وهو قد يقوم على إرضاء  الحس الجمالي للقارئ أو السامع على حد سواء ، قال ابن الأثير ” لقد تصفحت الأشعار قديمها وحديثها وحفظت ما حفظت منها، وكنت إذا مررت بنظري في ديوان من الدواوين ويلوح لي فيه مثل هذه الألفاظ أجد لها نشوة كنشوة الخمر وطرباً كطرب الألحان ” بمعنى إن النص الذي يجد متلقيه الخاص أو المتذوق البسيط يتحلى بصفة التأثير، ويصاحب الاقتراب منه لذة أشبه باللذة الحسية فتعلق به الأرواح حدّ الطرب له أو التغني به ،

ومما يصنع تأثير النصوص أيضاً قدرتها  على التعبير عن مصداقية العاطفة ،والقدرة على توصيل المعنى المخبوء بين ألفاظها الى قارئها والارتفاع من الدلالة الرمزية المجردة الى مستوى الفهم والإفهام ” أليس النص شفرة بين المنتج والمتلقي وكلما أوغل الأول في تعميمه مكن الثاني من فهمه بعد تفكيك محتواه “- كما يقول اللغويون- نعم فليس النص الموغل في الإيهام والمبني على الغموض التام  قادر على كسب متلق ولو بسيط،

 وكذلك جفاف عاطفة النص يسهم في خلق فجوة بينه وبين من يهم بالاستمرار في قراءته فيتركه متذمراً الى غيره، وربما انعكس هذا التذمر على جلّ ما ينتجه مبدع ما إذ كثير من الدواوين الشعرية والمجاميع القصصية  والروايات استهجنها متلقيها بمجرد قراءته للصفحة الأولى أو للصفحات الأولى منها، وُتركت الى غير رجعة لعدم تمتعها بمقدرة على كسب متلق نموذجي يصبر عليها حتى النهاية، وهذه القراءة المبتسرة قد تأتي بحكم خاطئ ينسحب الى كل إبداعات ذلك المبدع ،

لذا يتوجب علينا كمبدعين أن نعمل على إنتاج نص قادر على صناعة متلقيه بنفسه بمعنى إعطاء النص قدرة على  جلب الانتباه أولاً والهيمنة على المتلقي بتأثيره عليه ثانياً  وصولاً الى الغاية المنشودة منه كون النص في الأصل ماهو الى رسالة يرسلها مرسل الى مستلم تتطلب فك رموزها واستيعاب معانيها،

ومن الأسباب الأخرى لغياب المتلقي ما يتعلق بذائقة هو، حيث إن الذائقة العربية  في الأصل هي ذائقة سمعية  مبنية على السماع والمشافهة وهذا السماع يقوم  في الأساس على الإيقاع سواء أكان  في الشعر العمودي أو الشعر الموزون أو الحكايا المسجوعة فإذا ما جاءت قصيدة النثر ولم يجد فيها ما كان قد تربى عليه من إيقاع  ولّدت لديه ما يشبه العجز على التواصل معها،

 ومما زاد اختلال  حضوره بين معانيها عدم القدرة على استيعاب صورها الشعرية التي يحلو لبعض الشعراء الإتيان بها مضببة أو وعرة، الأمر الذي ولدّ لديه فجوة بين ماهو مطروح من إبداع وما هو موروث من ذائقة ،وهذه ليست دعوة الى ترك قصيدة النثر بمعانيها المسايرة لروح العصر؛ أبداً ، لكنها دعوة لنتمسك بالمعايير الصحيحة التي ُبنيت عليها هذه القصيدة ومنها الإيقاع الداخلي والإيجاز ووضوح الصورة الشعرية المؤدية  الى التأثير،

 والحال كذلك مع القصة القصيرة والرواية فالذائقة العربية ُبنيت أيضاً على السجع في الحكايات الموروثة والمقامات  فإذا ما جاءت القصة القصيرة والروايات باختلاف مدارسها وانتماءاتها وفارقت احد عناصر التشويق فيها  إلا وهو السجع صار علينا أن نستعيض عنه بعناصر أخرى مشوقة أكثر قدرة على جلب المتلقي إليها وإبقائه في تتابع أحداثها وصولا الى الذروة ومنها العنوان كونه العتبة الأولى للنص والاستهلال الجيد وتماسك السبك وقوة الحوار وجزالة ألفاظه وغيرها من العناصر التي ترتقي بذائقة المتلقي العربي  وتجعل منه متلقي نموذجي متابع لكل ما هو منتج من إبداع .

Single Post Navigation

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: